بيان الاربعاء : برزت مؤخرا مجموعة من المؤشرات على ساحة العمل السياسي في سوريا تدعو إلى استنتاج أن عملية الاصلاح قد دخلت مرحلة جديدة، وذلك في اعقاب الاجراءات الاخيرة التي اتخذتها السلطات والتي وضعت المنتديات السياسية جميعها تحت المراقبة واشترطت على أي منتدى إبلاغ المحافظ او الجهة المسئولة في منطقته بطبيعة الموضوع المطروح للنقاش وهويات المشاركين في الحوار. ويؤكد المعنيون بشئون المنتديات وتيار المجتمع المدني ان هذه الاجراءات تعد تراجعا ملموسا عن عملية الانفتاح والاصلاح ويعربون عن خوفهم من ان يكون ذلك مقدمة لوضع حد لكل ماحدث من تطورات والعودة إلى أجواء الانغلاق والتشدد السائدة من قبل، لكن المسئولين السوريين يؤكدون إن عملية الإصلاح والانفتاح مستمرة ويرفضون كل ما يتردد عن أن تراجعا قد حدث. في غمرة هذا الجدل الفكري والسياسي، طرحت «البيان» السؤال التالي: ـ ماهو مستقبل عملية الاصلاح السياسي والاقتصادي في سوريا؟ اجاب على السؤال رياض سيف عضو مجلس الشعب السوري ود. عماد مصطفى عميد كلية المعلومات بجامعة دمشق والمفكر السوري طيب تيزيني ود. غسان غنيم استاذ الادب العربي بجامعة دمشق ود. كمال عمران رئيس قسم المكتبات بجامعة دمشق ود. نبيل اللو الاستاذ في جامعة دمشق ومحمود سلامة رئيس تحرير صحيفة «الثورة» الحكومية. ويعد عضو مجلس الشعب السوري ـ البرلمان ـ رياض سيف من اكثر المنتقدين لهذه الاجراءات، حيث يؤكد بان ظاهرة المنتديات هي تعبير عن ارادة شعبية، وليس مجرد طفرة تمثل قلة او فئة من الناس لا يمثلون سوى انفسهم ويبحثون عن الزعامات السياسية، كما يتهمون من قبل السلطة، ويرى سيف انه كعضو مجلس الشعب يحق له ان يلتقي بالمواطنين وان يتعرف على احوالهم ويجري معهم الحوار المباشر حول ابرز المشكلات التي تواجههم في حياتهم. ويخشى البعض من هؤلاء ان يكون هذا التراجع ناجما عن ضغوط يتعرض لها الرئيس بشار الاسد من «الحرس القديم» في حزب البعث الذي لم يستطع ان يتحمل هذه التغيرات، الامر الذي دفعه الى التدخل الفعال من اجل وقف اية تداعيات يمكن ان تظهر في حال استمرت عملية التحديث والانفتاح وفق الوتائر التي سارت عليها قبل عدة اشهر. ويؤكد المحامي حسن عبدالعظيم وهو احد نشطاء المجتمع المدني في سوريا بان الشعب السوري يقف كله وراء الرئيس بشار الاسد في خطوات الاصلاح والتطوير التي يقودها مشيرا الى انه لا خوف ابدا على سلامة الوحدة الوطنية ومستقبل الحياة السياسية في البلاد، وكان لافتا في هذا السياق المقالة التي نشرها الاديب والشاعر السوري المعروف ـ شوقي بغدادي ـ في صحيفة «تشرين» الحكومية مؤخراً، حيث انتقد بشدة اجراءات قمع المنتديات ودعاة المجتمع المدني، واكد ان من الخطأ اللجوء الى مثل هذه الاجراءات، بعد ان كان الشعب السوري قد استبشر خيرا بالتطور النوعي الذي ادخله الرئيس بشار الاسد على الحياة العامة في البلاد، واجرى شوقي مقارنة منطقية بين اجواء الحرية والتعددية السياسية والاعلامية التي عاشتها سوريا في فترة الخمسينيات وبين المرحلة الحالية واكد انه في تلك الفترة كانت البلاد تضج بعشرات الاحزاب السياسية من كل صنف ولون، بدءا من الشيوعيين ومرورا بالاخوان المسلمين وانتهاء بالقوميين السوريين، ومع ذلك فان تعدد الاحزاب آنذاك شكل ظاهرة صحية في حياة سوريا حيث كانت الصراعات والحوارات الساخنة والنقاشات الحادة تدور بين كل هذه الاحزاب، ولكن الامر لم يصل ابدا الى مستوى تهديد الوحدة الوطنية، بل بالعكس فقد كانت كل القوى والاحزاب تتوحد وتقف صفا واحدا عندما كانت البلاد تواجه خطرا خارجيا، وتساءل: ما الذي يمنع ان تسود سوريا مثل هذه الاجواء وفي ظل ميثاق وطني يجمع فيه الكل على الالتزام بالاهداف الوطنية والقومية ومقاومة كل المشاريع والمخططات التي تستهدف النيل من صمود سوريا. وخلص الى ان الرئيس بشار الاسد مؤمن الى ابعد الحدود بالانفتاح والرأي والرأي الآخر، وان هناك بعض القوى التي تحاول زرع الخوف والقلق لدى جهات معينة، ليزيد تطبيق المزيد من اجراءات الحظر والتقييد ضد جماعة المنتديات وتيار المجتمع المدني. ولكن الدكتور عماد فوزي الشعيبي وهو مقرب من الحكومة السورية يتهم هذه المنتديات بانها تجاوزت في طروحاتها الخطوط الحمراء، وباتت تسعى الى السيطرة على السلطة، لتحل محل حزب البعث الذي يقود الدولة والمجتمع منذ نحو نصف قرن تقريبا، ويضيف ان المأخذ الكبير الذي يؤخذ على دعاة المجتمع المدني والمثقفين الذين قدموا انفسهم على انهم يمثلون المعارضة الجديدة في سوريا هو تجاهلهم للصراع العربي ـ الصهيوني. ولاحظ الدكتور الشعيبي ان البرنامج الاصلاحي والتطويري الذي طرحه الرئيس بشار الاسد، يمثل بالفعل كل مطالب المعارضة سواء كانت سياسية او فكرية، ليصل الى نتيجة مفادها ان الرئيس بشار بات يمثل بالفعل المعارضة الحقيقية، وانه من باب اولى ان تلتف هذه المعارضة حول برنامجه الاصلاحي لا ان تحاول الاصطياد في الماء العكر والتركيز على السلبيات فقط. ضيق عرض الحزمة ـ د. عماد مصطفى: اجابة على هذا السؤال المطروح احب ان اوضح ان السؤال يوحي وكأن الوضع كان منغلقا وانه يسير الآن باتجاه الانفتاح، وهذه العبارة تخلو من الدقة، ولكننا نستطيع ان نتفهم الاسباب الكامنة وراء سوء الفهم هذا. ـ انا اعتقد جازما ان سوريا لا تعاني من «عدم» انفتاح في المعلوماتية بل في مشكلة اخرى اسمها «ضيق عرض الحزمة». وسأنتقل الآن من استخدام التعابير العلمية الى شرح هذه الفكرة بلغة واضحة: فالقيادة السياسية في سوريا ـ وهو امر معروف للجميع ـ ترعى المعلوماتية وانتشارها، وتهتم اهتماما كبيرا بهذا الموضوع، وبما يتجاوز ما نراه في بلدان اخرى بكثير، ان التوجهات السياسية العامة في سوريا تحثنا على الاكثار من استخدام تقانات المعلومات والاستفادة في تطبيقها في شتى مجالات الاقتصاد والتعليم والاعلام والصناعة والتجارة، كما ان التوجهات السياسية تحث وتشجع بل وتضغط على ضرورة اقامة برامج تدريب وطنية شاملة تسمح لجميع قطاعات وفئات الشعب بتعلم طرق التعامل مع تقانات المعلومات والاستفادة منها، وهناك اليوم في سوريا برامج شاملة من شأنها الا تترك قرية نائية ولا موطنا الا وتزوده بالمعارف الاساسية التي تسمح له بالا يشعر بانه مستبعد في عصر الثورة المعلوماتية الجديدة. يقابل هذا واقع لابد من الاعتراف به وهو ان البنية التحتية infrastructure التي تسمح بتقديم خدمات تقانات المعلومات لاعداد كبيرة من المواطنين والمؤسسات (العامة منها والخاصة) ضعيفة جدا في سوريا، وهذا ينعكس على حصر اعداد من يستطيعون الاشتراك في خدمة الانترنت حيث يقدر عدد المشتركين حاليا بعشرة الاف مشترك كما ينعكس على نوعية وجودة وسرعة خدمة الاتصال بالانترنت (اتصال هاتفي بسرعة 28000 بت/ ثا). وتقتصر خدمات الانترنت اليوم على البريد الالكتروني وشبكة العرب، ويوجد مزودان للانترنت في سوريا احدهما حكومي والآخر مؤسسة اهلية (الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية). طبعا فان هذا الواقع الحالي يقابله ان سوريا تشهد اليوم ورشة عمل نشطة لرفع مستوى البنية التحتية للاتصالات، ومن المتوقع ان ينجز المشرع الوطني للانترنت في غضون عام 2001، والذي سيرفع مستوى خدمات الانترنت في سوريا الى مستوى يضاهي ماهو عليه في دول العالم المتقدم. هذا من وجهة النظر التقنية البحتة، غير ان هناك شجونا اخرى لهذا الموضوع، فاولا يجب ان نركز الاهتمام على تنمية قدرات المواطنين في سوريا على عدم الاكتفاء باستخدام مصادر المعلومات والاستفادة منها، بل المساهمة الفعالة في توليدها واتاحتها للغير. اننا لا نريد ان نكون مجرد «مستهلكين» للمعلومات بل و«منتجين» لها ان صناعة المعلومات والثقافة تتطلب منا اعادة تعريف وسائل وادوات الخطاب الاعلامي والثقافي الحديثة وتملك مفاتيحها والسيطرة عليها، وهنا يساورني شخصيا قلق اكبر، فانا مطمئن باننا في سوريا سنتجاوز المشاكل التقنية المتعلقة «بعرض الحزمة»، ولكنني اعتقد ان السيطرة على ادوات انتاج المعلومات والمعرفة الجديدة تتطلب جهودا اكبر واكثر تركيزا. وثانيا: تفرض ثورة المعلومات علينا ان نعيد النظر في منظومتنا الاقتصادية، اعادة شاملة وجذرية والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ستستفيد سوريا من ثورة المعلومات لتحدث بنية مؤسساتها الاقتصادية وطرائق الاداء المالي فيها؟ هل سنتمكن من دخول عالم التجارة الالكترونية والمؤسسات الافتراضية؟ ان الامر لا يقتصر هنا على مجرد تملك التقانات وعرض الحزمة، كما انه لا يقتصر ايضا على فهم وادراك واستيعاب تلك المتطلبات الجديدة، بل يحتاج ايضا الى جهود مكثفة لاعادة صياغة شاملة للقوانين والتشريعات التي تسمح للمؤسسات والشركات الاقتصادية والمالية باداء اعمالها بالاعتماد على تقانات المعلومات، وهذا يشمل امورا عديدة تبدأ من اعادة هندسة العمليات iness Process Reengineering وتنتهي باعتماد مراسلات البريد الالكتروني وقبول التواقيع الالكترونية. ثالثا: تفرض ثورة المعلومات علينا في سوريا الا نغض الطرف عن مفاهيم الحكومة الالكترونية، فدول العالم تتسابق اليوم على تمكين مواطنيها في انجاز معاملاتهم والادلاء بارائهم والمشاركة في المجالس البلدية والمحلية بواسطة شبكات المعلومات وتقاناتها، وهنا ايضا لا يكفينا تحقيق عرض الحزمة المطلوب، ولا حتى الادراك والوعي والتصميم، بل لابد من ان تتبنى الحكومة السورية في اعلى مستوياتها التنفيذية برنامجا وطنيا شاملا لتبني مفاهيم الحكومة الالكترونية وادخالها تدريجيا في سوريا. واخيرا، تعليقي الشخصي هو انني متفائل، فمن حسن حظي انني اعيش في اوقات حاسمة تتسم بتغيرات سريعة متتالية لا تعرف الهوادة، فهذا يجعل الحياة اكثر اثارة، وينتابني فضول جارف لاعرف كيف سيكون عليه حال دنيا المعلومات والمعلوماتية بعد خمس سنوات من الآن، واقول بكل تواضع انني بصراحة: لا اعرف. الانفتاح القسري ـ د. طيب تيزيني: من الطبيعي في بلد مثل سوريا عاش شعبها على هياكله الداخلية ورافضا بقدر او بآخر ما نسميه الآن «انفتاح» اقول ان بلدا مثل هذا يجد نفسه الآن امام حالة جديدة خصوصا مع عملية التدفق المتعاظمة التي يمارسها النظام العولمي تجاه المجتمع العربي عموما، فالانفتاح بهذا المعنى لم يعد امراً طوعيا فقط وانما اكتسب طابعا قسريا فحدود العالم تتفتح بصيغة او باخرى عن التقدم الهائل الذي يحدث على صعيد ثورتي المعلومات والاتصالات. ومن هنا فالخطاب الذي يتصل بالانفتاح اكتسب صيغا جديدة وخصوصيات جديدة ومن ثم فاذا طرح هذا الامر على صعيد الموقف في سوريا فانه لابد ان يأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصيات الجديدة اي التي جعلت من قضية الانفتاح بمعنى ما مسألة ضرورية قسرية يتأتى الامر فيها من طبيعة التحولات التي اخذت تطرأ على العالم منذ مايزيد على العقد من الزمن، وقد اصبحت هذه المسألة اكثر راهنية في سوريا مع التحول الذي لحق بالنظام السياسي حين جاء الدكتور بشار الاسد رئيسا للجمهورية ليجد نفسه امام ضرورة حاسمة تتمثل في ان مجيئه يقوم على مصوغ اساسي كبير وهو احداث تحول بنيوي في داخل سوريا ذاتها. والانفتاح بهذا المعنى سيبرر بوصفه دعوة ضرورية لاعادة بناء البلد من خلال ثلاث حركات هي (تطويره واصلاحه وتحديثه) وهذه الاصلاحية المركبة التي تستخدم الان في الفكر السوري الراهن قد تجرى بدقة عن مفهوم الانفتاح الذي يطرحه البلد راهنا. وتابع الدكتور طيب تيزيني قائلا: ان الانفتاح هذا المعنى هو انفتاح يستند الى ركائز تاريخية وسياسية وعلمية ثقافية والركيزة التالية تتمثل في ان سوريا اذ تنحو نحو الانفتاح فانها لا تقوم بذلك بعد ان تنجز قطيعة تاريخية تامة من تاريخها القريب والبعيد وانما من موقع اخذها بعين الاعتبار لهذا التاريخ بصيغة جدلية تتأسس من موقع ما نسميه الاتصال منفصلا والانفصال متصلا وهذا يستدعي منا القيام بعملية نقدية واعية للتاريخ القريب والبعيد من اجل تشكيل رؤية اولية تسهم في بلورة مفهوم الانفتاح، اذ ان الانفتاح اذا ما اتى خارج البنية التاريخية فانه سيحدث شروخا كبيرة تمثل بدورها على عملية الانفتاح، فالنقد التاريخي هو شرط من شروط انجاز عملية الانفتاح. وتابع تحديد هذه الشروط بقوله: اما الشرط الثاني فهو الشرط المنطلق من مفهوم الاصلاح، والاصلاح هنا هو بدوره مصطلح يتأسس على وجود بنية ما وهذه البنية قائمة والاصلاح لا يعني نفيها والبدء بنقيضها اي الانطلاق بصفر يناقضها ويناهضها بقدر ما يعني قراءة نقدية لهذه البنية ومحاولة لتجاوزها ضمن آلياتها وخصائصها وعلى نحو يفضي بها الى اتجاه تاريخي متقدم. وقال الدكتور طيب تيزيني ان الشرط الثالث هو التحديث، فالاصلاح لا يعني شيئا اذا ما استقى مسوغاته من البنية الداخلية وحدها ذلك لان العالم يعيش حالة جديدة تؤسس لما يسمى بالقرية الكونية الواحدة حتى لو كانت هذه القرية الآن تخضع لعينات ومصائر النظام العالمي الامريكي تخصيصيا، ولان البلد لا يمكن ان ينظر اليه مغلقا اذ ان هذا الامر لم يعد محتملا بالاساس لذلك فان مسألة التحديث يجب ان تغطي قطاعين كبيرين هما قطاع الداخل وقطاع الخارج، وبلغة اخرى اقول ان رؤية الداخل والخارج لابد ان تستجيب لما اسميه جدلية الداخل والخارج التي بمقتضاها على الخارجي ان يأخذ من الداخل وفق احتياجاته وخصوصياته ومن ثمة فليس كل شيء يأتي من الخارج يمكن تلقفه وانما يمكن اخذ ماهو جدير بالاستجابة لاحتياجات هذا الداخل وخصوصياته وبهذا المعنى فان الثورة الجديدة بمعنييها المعلوماتي والاتصالي ثورة تعني سوريا ايضا ولكن تعنيها بقدر ما تستجيب لاحتياجاتها وخصوصياتها. واضاف تيزيني امرا يتركز في ان استمرار سوريا اصبح مرتهنا بضرورة قصوى لاحداث عملية التحول هذه الثلاثية الابعاد بمعنى التصوير وبمعنى الاصلاحي وبمعنى التحديث وبالتالي ما ينبغي فعله الآن يتمثل بقراءة هذا الداخل وذلك الخارج قراءة تسمح لسوريا ان تتجاوز مشكلاتها الراهنة بصيغة مفتوحة ومرنة، ولكن هناك ما ينبغي قوله بهذا الاطار وهو ان القيام بهذه العملية الثلاثية مشروط باعادة انتاج النظام السياسي والثقافي على نحو يؤسس لديمقراطية تستجيب لهذه الاحتياجات الجديدة، والديمقراطية تعني هنا: ليس خيارا سياسيا فحسب وانما هي خيار تاريخي يؤدي الى خلق مشاركة شاملة في اوساط الناس بحيث ان هؤلاء يتحولون الى اداة تلك العملية الثلاثية. والديمقراطية اصبحت تعني هنا مدخلا الى التنمية والى التغيير الثقافي والسياسي وكل اشكال التغيير المطروحة، وفي هذا الصدد لابد من الاشارة الى ان التأسيس الديمقراطي الجديد هو في الآن نفسه تأسيس للدولة الدستورية القانونية التي بدورها تسهم في تشكيل المجتمع السياسي القائم على حراك ثقافي سياسي واسع مشروط بمجموعة من الامور في طليعتها الغاء او تخفيف قانون الاحكام العرفية (قانون الطواريء) وثانيا اصدار قانون احزاب جديد وثالثا اصدار قانون مطبوعات واعلام، ذلك لان تحقيق تلك العملية المشار اليها امر منوط بوجود بنية جديدة تستطيع ان تحقق الحد الاقصى من احتمالاتها، وهذه البنية هي البنية الجديدة التي لا يجوز التردد امام تكوينها ولهذا يمكن القول بوضوح: ان النظام السياسي الآن كما هو الحال في سوريا لابد من اعادة بنائه على نحو يسهم في خلق مسئوليات افقية وشاقولية وهذه المسئوليات ستصبح مسئوليات من ينجز هذا العمل وليس فقط مسئوليات الادارة السياسية او المؤسسات الرسمية التي تقف في طليعة العملية. وتابع طيب تيزيني قائلا: الانفتاح في سوريا امر مشروط باعادة بناء البلد وفق تلك العملية الثلاثية ومع التأكيد على ان الشعب ينبغي ان يكون سيد الموقف في بدايته كما في نهايته كما في متنه، والحديث عن تكوين نظام اوامري من جديد هذا لم يعد مناسبا بل انه سيسهم مرة اخرى في تعميق المشكلات المزمنة الموجودة في سوريا والتي تكدست على مدى مجموعة من العقود المنصرمة. ومن هنا فالحوار العقلاني الديمقراطي في الاعلام الرسمي كما في الاعلام الشعبي شكل من اشكال الكشف عن شخصية هذا الانفتاح الذي علينا ان ننجزه واذا كان الامر بهذه الصيغة فان ما يجري الحديث الآن على اصلاح آخر من النمط المستباح كما يطرحه بعض الاقتصاديين والسياسيين المثقفين في سوريا، فان هذا النمط من الانفتاح لن يكون الا صيغة جديدة من صيغ الاستباحة للداخل. اذن الفكرة هنا تأسس على منظومة فكرية وسياسية اجد سقفها متمثلا بسقف الوطن فالوطن الذي يعني هنا التمكين له في اطار تقدم تاريخي لا ينهي علاقته بما سبقه وفي الوقت نفسه يؤسس لحالة جديدة تستطيع ان تعلن عن نفسها: «انها حالة جديدة لا تمثل استمرارا للماضي»، هذه هي جدلية المتصل منفصلا والمنفصل متصلا واكد ان الانفتاح عملية معقدة لان هنالك من يسعى الى فتح الاقنية باتجاه سوريا رغما وقسرا ويتم هذا من خلال الاليات التي تستخدمها العولمة المعاصرة، تلك العولمة التي يمكن تعريفها بكونها نظاما اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وعسكريا يسعى الى ابتلاع الطبيعة والبشر والى هضمهم وتمثلهم ومن ثم تقيئهم سلعا. وها هنا نضع يدنا على مفارقة خطيرة هي ان ما نعنيه بالانفتاح في سوريا هو بعكس ما تعمل العولمة على تحقيقه والاشكالية تبرز هنا بوصفها حالة يراد لها ان تتأسس في سوريا ويراد لها ايضا ان تشكل مواجهة لنظام عولمي جديد. وما يسعى الى تدميره وتفكيكه البعض في الخارج وهم مشكلة النظام العولمي الامبريالي الجديد هو بالذات ما على سوريا ان تحققه كيف يتم ذلك. وتساءل الدكتور عن كيفية تحقيق تلك المعادلة الصعبة القائمة على علاقة لا تكافؤ بين الفريقين، ليجيب: من هنا يبرز الرهان التاريخي على الشعب ولكن الشعب الذي يمثل قوة تاريخية منظمة سياسا وثقافيا وقادرة على ان تكون فاعلة في القرار الاقتصادي والسياسي والعسكري والثقافي، وعلى هذا النحو نستطيع ان نقول ان رهاننا قابل للتحقق خصوصا اذا ما وضعناه في علاقته مع الرهانات الاخرى في البلدان التي قد تماثلنا في النظام العولمي. وانهى حديثه قائلا: اذن مسألة الانفتاح في سوريا مسألة مركبة وليست ذات بعد واحد كما يقول بعض الاقتصاديين حيث يرون ان الانفتاح يعني الانصياع للنظام الاقتصادي الجديد عبر رفض مفاهيم يعتبرها مستنفذة تاريخيا باسم مفهوم العدالة ومفهوم الصراع الاجتماعي والتكافؤ ومن ثم هي حالة من النضالية الاقتصادية البحتة وأؤكد على ان الانفتاح انفتاح مشروط بفعل سياسي وثقافي وتاريخي. ـ د. غسان غنيم: ان سوريا موطن حضارة عريقة تمتد الى اربعة الاف عام .. وقد استطاعت على مر العصور ان تكون ذات حضور فعال في احداث التاريخ، وذات اسهام واضح في صنع الحضارة، ولا يتميز هذا العصر من بقية العصور، فها هي في ظل القيادة الحكيمة للرئيس بشار الاسد تتفتح على العالم المعاصر، وعلى الحداثة بكل طاقاتها ودون اية معوقات بل بتشجيع واضح من القيادة السياسية الرشيدة. ان العالم الذي تبدل في مراحل سابقة خلال فترات مترامية نسبيا بات يتغير في هذه الاونة خلال فترات متقاربة غير متباعدة. فالاحداث المتلاحقة، وتحول العالم الى مساحة صغيرة جدا بسبب سرعة تناقل المعلومات، اضافة الى اختصار المسافات والزمن، كل هذا جعل التبدلات سريعة جدا، وليس من المعقول ان تبقى سوريا خارج هذه التحولات السريعة التي تمر في العالم، ومن هنا بدت سرعة التبدلات في سوريا في الآونة الاخيرة، خاصة ـ وقد قيض الله لها قيادة شابة متفتحة على كل ما هو جديد، واعية بالتغييرات التي حلت بالعالم، قادرة على فهمها والتعامل معها والتفاعل معها، والاستفادة منها لجعل سوريا غير متخلفة عن الركب الحضاري الذي لا يعرف الوقوف او التوقف. ولهذا نشهد في سوريا اليوم، حركة نشطة في القرارات والمراسيم التي تلبي سرعة التغيير التي تحصل في العالم بشكل عام، بحيث تواكب سوريا اهم الثورات في العالم، وهي ثورة المعلومات وتقنياتها، حيث تشهد المجتمعات الانسانية قاطبة ثورة هائلة في التقنيات والمعلومات، فقد اصبح التنافس الآن بين قوى التقدم في عالمنا اليوم يرتكز على القوة الاقتصادية والقدرات والامكانات العلمية والتقنية. وقد ادركت سوريا عبر قيادتها المتفتحة المستنيرة ان لا سبيل امام امتنا لردم الهوة الحضارية التي تفصل بيننا وبين المجتمعات المتقدمة الا بتغيير فلسفة التعليم ووضع اسس جديدة تعتمد اساليب العلم الحديث وتقاناته .. وسوريا تسير بخطى مدروسة وتضع الاسس الصحيحة التي ستؤدي حتما الى نتائج ايجابية مرضية. مصطلح غير دقيق ـ د. كامل عمران: بداية اود ان اشير الى ان مصطلح الانفتاح غير دقيق في وصف ما يجري في سوريا بحيث يمكن القول ان هذا الذي يجري هو عملية تطور طبيعية بدايتها كانت منذ سنوات عدة لكن لكل مرحلة ظروفها الخاصة بها، وبالتالي استحقاقاتها. هذا يعني ان المرحلة السابقة قد افرزت المرحلة الحالية بظروفها واستحقاقاتها. ومن جملة هذه الاستحقاقات التعامل مع قضايا التعليم العالي بنظرة جديدة تستجيب مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية الوطنية والعالمية، هذا يعني ان التعامل مع قضايا التعليم العالي سيكون باتجاهين: اتجاه كمي يتمثل في توسيع التعليم العالي على مستوى القطر من الناحية القطاعية باحداث جامعات جديدة او كليات اخرى تغطي التجمعات السكنية في سوريا، والجانب الآخر من الناحية الكمية هو فتح الباب امام القطاع الخاص ليساهم بدوره بافتتاح الجامعات الخاصة لتسد حاجة سوق العمل الوطني والقومي والاقليمي كما سيسمح لجامعات عربية وعالمية على مستوى عال بان تحدث لها فروعا في سوريا، اما الجانب النوعي الآخر من تطوير التعليم العالي وتحديثه فهو اعادة النظر في المناهج التدريسية وتهيئة الجامعات ببناء قاعدة تحتية متطورة تلبي احتياجات المرحلة المستقبلية، واعادة تأهيل الكادر التعليمي من جديد بمايلبي طموحات مشروع التطوير والتحديث الذي بدأ العمل به في سوريا. طبعا، هناك جهود مكثفة للتعامل مع هذه القضايا بشكل متوازن بحيث يتم الاستفادة من كل الخبرات الوطنية والعربية وتوظيف الموارد الوطنية بشكل صحيح لخدمة هذا المشروع التحديثي. احد الجوانب التي سيركز عليها التحديث هو فتح المجال امام المعرفة العلمية بحيث تصبح العملية التعليمية غير مقيدة بكتاب جامعي محدد بحيث يسمح للطالب بالبحث والتنقيب وتكوين عقلية بحثية قادرة على استنباط الحقائق وليس حفظها وترديدها. و سيكون العدد محددا بالنسبة للطلبة لكل عضو من اعضاء الهيئة التدريسية سيصبح هنالك ايضا توازن وهذا ينعكس على سوية التعليم ورفعة وايصال المعلومة الصحيحة. كذلك اعادة النظر بنظام القبول الجامعي مما سيفسح المجال للامكانات والاهتمامات والرغبات بحيث لا يصبح القبول الجامعي امرا معادياً للطلبة او بصيغة اخرى امرا تعجيزيا لا يبحث عن الكفاءات الحقيقية وانما يأخذ معيار المجموع في الثانوية العامة كمؤشر وحيد، سيعاد النظر في عملية القبول بفسح المجال للجوانب الذاتية في العملية التدريسية. كنظام ايضا تصبح العملية التدريسية عملية بحثية و ليس مجرد القاء محاضرة البحث فقط كما اشرت سابقا واعادة النظر في البنى التحتية للجامعات واقصد بها المخابر بكل اشكالها والمكتبات الجامعية التي يجري العمل حاليا على ربطها ضمن الجامعة الواحدة ومع الجامعات الاخرى في سوريا بشبكة الكترونية تسهل عملية الخدمة المكتبية للطالب والاستاذ الجامعي بحيث تصبح المكتبة الجامعية مؤسسة بحثية ليس فقط كمستودع لحفظ الكتب وهذا يتطلب شيئا كثيرا. المكتبات الجامعية سيجري ربطها ايضا بالجامعات العربية والعالمية وهناك جانب آخر هو التركيز على الكوادر التي سيتم قبولها سواء اكان من المعيدين ضمن مواصفات جديدة تتطلب التفوق والامكانات العالية واجراء مقابلات معهم لاعدادهم وارسالهم الى جامعات عالمية للتخصص ضمن تخصصات محددة والعودة الى الجامعات السورية. كما ان مشروع التطوير والتحديث ستتبادل القيادات العلمية بحيث تصبح هذه القيادات من رئيس قسم الى رئيس جامعة منتخبة انتخابا ديمقراطيا من اعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة التي ينتمون اليها وهذا له اثار جيدة مع مشروع التطوير والتحديث وسيسهم قدما الى الامام، بحيث تصبح الديمقراطية ذات محتوى متعدد علمي واجتماعي وثقافي واقتصادي وصولا الى السياسي. ايضا ان اضيف الوضع المادي، طبعا هذه التغيرات التي يجري العمل بانجازها تترافق مع قضية هامة وهي قضية الاهتمام بوضع الاستاذ الجامعي ماديا ونفسيا بحيث يتحول الاستاذ الجامعي الى انسان غير راغب بالعمل في الجامعات الاخرى خارج سوريا وهذا الامر يمنع تزييف الكفاءات العلمية من الاستمرار، وهذه خطوة حاليا تمنع خروج هذه الكفاءات وتمهد لاستقطابها مرة اخرى في الوطن من اجل توفير حياة لائقة يستطيع من خلالها الاستاذ الجامعي ان يفكر فقط بالعملية التدريسية والبحثية، والنقطة الاخرى ان يعطى الاستاذ الجامعي حرية كاملة في ارائه العلمية التي يقولها ولا رقيب عليه الا المنطق العلمي والمنهج العلمي. هذا الامر يجري العمل به بشكل جاد حيث يشكل نقطة الاهتمام ويمكن القول ان ما يجري من تطوير للجامعات في سوريا ونظام التعليم العالي هو جزء لا يتجزأ من عملية مشروع التطوير والتحديث الذي طرحه الدكتور بشار الاسد رئيس الجمهورية في خطاب القسم الاول امام مجلس الشعب والذي تلتزم به الحكومة وتعمل على تنفيذه، وكما قلت هذا المشروع ليس جديدا بل ان بوادره كانت منذ سنوات عديدة لكن الظروف التي مرت بها سوريا هي التي اخرجته الآن الى حيز التنفيذ العملي في هذه المرحلة ونتوقع للتعليم العالي في سوريا تطورا كبيرا على جميع المستويات بحيث تبقى الجامعات السورية مسايرة للتقدم العلمي في العالم ولكي تبقى ايضا منارة علمية في الوطن العربي. نحن في سوريا لا نهتم بانفسنا فقط بل نفكر ايضا باشقائنا العرب. الانفتاح الثقافي ـ د. نبيل اللو: الانفتاح الثقافي هو انفتاح على حضارة الآخر، فكره وثقافته، فان كان الانفتاح على فكر الآخر القاطن بيننا يعد غنى فكيف بالامر عندما تفصلنا عن هذا الاخر اماد بعيدة وبحار ومحيطات؟ الانفتاح الثقافي ليس ترفا ولا حذلقة ولا كلفا ولا شغفا بما هو غريب مجلوب يدفعنا اليه الفضول وحب التغيير والتقليد، وانما هو اعمال فكر وتمحيص وتحليل فيما يفد الينا من ثقافة الآخر او فيما نتناوله نحن من آثار ثقافته، هو حوار الاذكياء الانداد لا ننظر من خلاله الى نتاجات الغير ثقافية نظرة دونية او فوقية وانما هي نظرة تستبطن ابداعات مخزون وجود انساني شاءت له ظروفه الجغرافية والعرقية والاجتماعية والدينية والمناخية والاقتصادية واللسانية ان تكون له خصوصيات كثيرة متنوعة متراكمة نفهمها ونستوعبها لانها ابداعات نتقاسمها مع اصحابها لان ما يجمعنا كبشر رغم كثرة ما يفرقنا كثير ايضا. ومحاولات الانفتاحات الثقافية كثيرة وعلها ظلت مستمرة على الدوام بين الشعوب كثرت امثلتها ام قلت تبعا لظروف متباينة مهما طالت تغيرت وتغيرت معها طبيعة هذه الانفتاحات. الا ان للانفتاح الثقافي ادواته، فكيف تواصلنا مع ثقافة امة لا نحسن لغتها؟ ولكن هذا لا يعني بالضرورة ان نتعلم جميعنا لغة هذه الامة كي نحقق شرط انفتاحنا الثقافي عليها فالامم في العالم كثيرة ولغاتها عديدة وفسحة العمر اقصر من ان تتسع بايامها لنتقن لغات الآخرين، وانما الامر ايسر من ذلك بكثير ومحقق. وهو فرض كفاية في كل امة لا فرض عين ان يكون بين ابنائها جمع يتقنون لغة امة اخرى ولعمري ان هذا يكاد يكون متوفرا في اقطار الارض فلا تعدم في اي بلد احدا يعرف الفرنسية ويتقنها او الالمانية او الاسبانية .. لكن توفر الاداة لا تكفي لتحقيق انفتاح ثقافي على ثقافة الآخر، وانما تعوز الاداة الامكانات المادية وهي ليست باهظة ولا متعذر تأمينها بل لعلها من ايسر مصروفات الامم قياسا الى مصروفاتها الهائلة في ميادين اخرى. وقد انطنا الامكانات بالدولة ومؤسساتها الثقافية لتأمين استمرارية الاداء وان كانت جهود طيبة تبذلها هذه المؤسسات في ترجمة الاعمال الادبية وسواها عن لغات مختلفة الى العربية، الا ان ما يصدر عنها قليل بطيء فضلا عن ان خياراته في الاصل تخضع لاعتبارات ذوقية وفكرية شخصية فيهاثغرات كثيرة، هي في الخلاصة جهود محمودة لكنها قاصرة، ودور النشر الخاصة تضطلع هي ايضا بدور ايجابي لكن لها اعتباراتها ومعاييرها فيما تترجم وتنشر يحدوها هم الربح والتسويق فتنزلق بها مزالق الوعورة والخطر، تلجأ الى المثير من الموضوعات والعناوين وتعهد احيانا بترجمتها الى مترجمين لم تستقم تجربة الترجمة لا في اذهانهم ولا في اقلامهم فيطلعون علينا بترجمات عربية حلتها انيقة لغتها سقيمة تدفعك الى العزوف عن قراءتها، بعد قراءة بضع عشرات من صفحاتها الاولى، والحق ان الترجمات الجيدة لا يعدم ظهورها سواء عن دور النشر الخاصة او عن مؤسسات الدولة الثقافية الا انها قليلة في كلتيهما ولا تفي بغرض مشروع انفتاح ثقافي حقيقي وصحيح ان الذين يتقنون لغات اجنبية يطلعون على ثقافات الآخرين بلغتها أو عن طريق لغة مفتاحية كالانجليزية والفرنسية الا ان هذا يتصل بفئة قليلة محدودة، اما الجمهور العريض فينتظر قراءة هذه الاعمال، ومن حقه، باللغة العربية ليطلع عليها. العمل اذن كثير والارض تكاد تكون بكرا امام كم هائل متنوع من نتاج حضارات الشعوب، ولكل دوره ابتداء من المثقف الذي يتقن لغة اجنبية قادر على الترجمة عنها وصولا الى المؤسسات الحكومية الثقافية مرورا بدور النشر الخاصة، تعمل كلها لهدف واحد سام هو نقل ابداعات الشعوب الثقافية الجادة، تتنافس فيما بينها فقط في الاجادة والاتقان وحسن الاختيار. وليس الانفتاح الثقافي مقصورا على الادب وحده باجناسه المختلفة المتنوعة دون سواه وانما هناك ايضا الانفتاح على ثقافة الآخر الموسيقية والفنية من باب السماع والنظر، وان كانت ادوات الانفتاح الثقافي الادبي تحتاج الى الوقت والمال والجهد فانما ادوات الانفتاح الثقافي الفني اقل كلفة بكثير واسرع تحصيلا تدعو اذنك وعينيك وحسك وثقافتك الى تلقف ما تصوغه احساسيس الآخرين وعبقرياتهم. ولعلنا هنا نسوق امثلة عن تلاقح ثقافات تبدو لنا للوهلة الاولى بعيدة الشقة فيما بينها لا يمكن مزاوجتها ولا حتى مقاربتها فكيف يصوغها في عمل واحد؟ الم يعجب المؤلف الموسيقي البولوني كارول شيمانوفسكي (1882 ـ 1937) بقصيدة نظمها الفارسي المتصوف جلال الدين الرومي (1210 ـ 1273) مؤسس الطريقة المولوية في الاسلام الصوفي الى حد انه لحنها للكورال وادخلها في حركة من حركات سيمفونيته الثالثة واطلق على السيمفونية برمتها بحركاتها الاربع عنوان قصيدة جلال الدين الرومي نفسه «غناء الليل» فاصبحت تعرف في عالم الموسيقى الكلاسيكية بسيمفونية غناء الليل؟ وها هي دار الاذاعة الفرنسية في باريس قد اسست منذ سنوات عديدة شركة اسطوانات تدعى اوكورا هدفها جمع التراث التقليدي الموسيقي في العالم الثالث، وطلعت علينا بتسجيلات رائعة لموسيقيين منهم من لم يعد بيننا اليوم، سجلت الدار لهم نتاجا فنيا تراثيا اصيلا راقيا رهيفا خال من كل حشو واطناب وتزيين متعة الاذن والروح والعقل. والدار لم تفعل ما فعلته لتسويق هذه التسجيلات الى بلادنا فهي لا تصل بلادنا اصلا ولا يدري بها احد الا القلة القليلة من المهتمين بشئون الموسيقى، وانما يشتري هذه التسجيلات ويحرص على اقتنائها جمهور من المثقفين الفرنسيين والاوروبيين، تراهم يتابعون ما يصدر عنها يتلقفونه ويعنون بسماعه واستنباط ما فيه من ثقافة الآخر وروحه واحساسه. هي حركة باتجاهات متعددة اذن وليست حركة انتقال من الغرب الى الشرق فحسب وانما هي بين الغرب المتعدد المتنوع والغرب، والشرق المتعدد المتنوع والشرق، وبين الشرق والغرب، لكل ابداعه وثقافته واحساسه وذوقه، حديقة تفتنك بالوانها وضوع عطورها. تلكم ادوات الانفتاح الثقافي والادبي والفني اتيناها بعجالة وسقناها تلميحا لللبيب بقي لنا ان نقول كلمة اخيرة في اداة لم نغفلها وانما ظلت حاضرة في اذهاننا اثرنا قولها كلمة اخيرة، هو ان اهم ادوات الانفتاح الثقافي هو الفكر المنفتح فماذا ينفع سيل من النتاجات الثقافية الجادة تأتينا من هنا وهناك ان لم يكن هناك فكر متلق واع منفتح رهيف قادر على الاستمتاع بها وتحليلها والافادة منها والتفاعل معها تفاعل الند للند في محراب دينه وديدنه احترام فكر الآخر ونتاجه؟ المشروع الإصلاحي ـ محمود سلامة: حرص الرئيس بشار الاسد عندما اطلق مشروعه الاصلاحي التحديثي، على ان يأخذ ذلك المشروع طابعا ديمقراطيا يرتكز بصورة رئيسية على الحوار، وكانت سوريا قد تحولت خلال السنوات القليلة والتيارات الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ليغدو ذلك المشروع ثمرة من ثمار ذلك الحوار، وليكون احد التعبيرات عن حيوية الحياة الثقافية التي تشهدها سوريا تحت ظلال الخيمة الرئاسية، ولينسف المزاعم التي تروج لها بعض وسائل الاعلام بان المجتمع السوري مجتمع حكومي مغلق، يسود فيه فقط خطاب الدولة الرسمي، ولعل البدء قبل ايام قليلة باستئناف نشاط ندوة الثلاثاء الاقتصادية التي تشرف عليها جمعية العلوم الاقتصادية والاعلان عن برنامجها السنوي الحافل بالموضوعات الراهنة، يعطي الدليل على حيوية الحياة الثقافية وتعدديتها وغناها الوطني. ولقد كان بالامكان ان يطرح المشروع الاصلاح، بما انطوى عليه من رؤى ومحاور ادارية واقتصادية وتشريعية، وحوامل سياسية واجتماعية (بصورة فوقية) لكن الرهافة السياسية ومنظومة القيم الثقافية والديمقراطية التي عرفناها عن الرئيس، هي ما دفعته لتوجيه الدعوة الصريحة والعلنية لجميع السوريين، ليس فقط للانخراط في ذلك الحوار، بل للمشاركة في نقل المشروع النهوضي من حيز الفكرة الى حيز التطبيق والتجسيد على ارض الواقع الملموس، لان رجل الدولة بفطرته الاصلية الصادقة وخطابه الرئاسي المتفرد، ورهانه على الشعب وايمانه بحق الاختلاف واحترام الرأي الآخر، لا يقبل ان يستبدل النظام الاداري الاقتصادي الطابع المركزي الاوامري، باصلاح اوامري يأتي من فوق ويفتقر الى الحوار والروح الجماعية والمشاركة الوطنية الواسعة. اذن فالنزوع الى التطوير والتحديث، انما يعني النزوع الى الحوار، وهذه الثنائية هي التي تفضي الى الكشف الخلاق عن الممكنات في الواقع السوري وتحديدها وترتيب اولوياتها وبناء توازناتها الممكنة والضرورية وعبر منهج عقلاني هاديء يقوم على التدرج وسياسة (النبضات المدروسة) ونبذ التطرف، ومزاعم امتلاك الحقيقة الاحادية الجانب، والابتعاد عن تقديم الاوهام بوصفها الحقيقة، وقطع الصلة مع الماضي الذي يحمل الحقد والعقد الثأرية. ان ما قام به الرئيس يحاكي العمل الابداعي الذي يقوم به الفنان التشكيلي عندما يزيل الشوائب والنتوءات والزوائد عن مادته الاولية من الغبار والطين ويضيف اللمسات الخلاقة لتتحول المادة الاولية الى شكل وتكوين ابداعي وقيمة فنية عالية. هذا بالضبط ما اراده، وهو ازالة كل ما من شأنه ايذاء الحوار، او حرفه عن اهدافه وغاياته، وكل ما يحد من غناه وفاعليته الوطنية. ان مجموعة الاجراءات والقوانين التي صدرت خلال الاشهر الماضية والتي توجهت بها القيادة الى القوى الاجتماعية كافة بصورة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار تمثيل جميع المصالح الاجتماعية والاقتصادية، كانت ثمرة حوارات طويلة، شاركت بها مؤسسات ومنظمات وهيئات غير حكومية (اتحاد نقابات العمال وغرف التجارة والصناعة وغيرها) وهي تلقي الضوء على ان الرئيس، وقيادة الحزب والدولة، لا يرغبون بتحقيق الازدهار الاجتماعي نيابة عن تلك القوى، بل عبرها وبواسطتها وعبر زجها واشراكها في صنع المستقبل. اما ما جرى خلال الاشهر الماضية يفتح العيون على اهمية وضرورة التأكيد على فاعلية الحزب والجبهة، تلك الفاعلية التاريخية التي كان يتمتع بها وتطبع علاقته مع الجماهير، انه اليوم بأمس الحاجة الى اعادة انتاج اشكال جديدة وخلاقة من الفاعلية تستجيب لمتطلبات التطوير والتحديث وتمكنه من ان يشكل الحاضنة السياسية، والادارة الكفوءة لذلك المشروع عبر الاشراف على تنظيم الحوار وادارته وامتلاك ادواته الثقافية وزج الطاقات الوطنية وبخاصة طاقات جماهير الشباب التي استهواها خطاب الاصلاح وانتماؤه الى الحداثة والعصرنة وانشدت اليه وترغب في الانخراط فيه، فهؤلاء بحاجة الى من يتواصل معهم ويتلقف مبادرتهم. ان كل ما شهدته سوريا من حوارات، كانت افرازا طبيعيا لخطاب الاصلاح الذي اطلقه الرئيس، وحمل دعوة صريحة لتوسيع المشاركة، والاعتراف بالآخر، وتوفير البيئة النموذجية لتجديد الحياة السياسية والثقافية وتفعيلها وضخ الدماء بقوة عبر شريان الحياة المتصل بالادارة، والاقتصاد والانتاج والتسويق، وليشكل القاعدة الصلبة ومنابع الدعم للموقف الوطني والقومي الذي يستهدف تحرير الاراضي العربية المحتلة، وارغام الاسرائيليين على الانسحاب الى خط الرابع من يونيو والاعتراف بحق الفلسطينيين بالعودة واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وربما كان من الضروري ان نعيد على مسامع البعض، بان ربيع دمشق مازال في بداياته، وان السعي لتحقيق الاجماع والوحدة الوطنية لا ينتمي لمجتمع الببغاوات والخطاب الرسمي الاحادي الجانب، بل ينتمي الى عالم التعددية السياسية والاقتصادية وتعدد الرؤى الثقافية، التي تضع المصالح الوطنية العليا فوق كل اعتبار.