بيان الاربعاء : بات «الإرهاب» أكثر الألفاظ شيوعًا في الأدبيات السياسية والنشرات الإخبارية العالمية بل إن ازدهار «الإرهاب» كلفظ حمل معه ازدهارًا مماثلاً لألفاظ أخرى لم تكن مستعملة بمثل هذه الكثافة الإعلامية التي هي عليها الآن مثل مفاهيم «السلام» و«التعاون الأمني» و«العقوبات» الخ. واقع الأمر أن الإرهاب غدا ظاهرة لا جدال في ازدهارها وانتشارها على نحو لم يسبق أن حدث من قبل، بيد أن تناول هذه الظاهرة بالبحث والدراسة والتحليل دائمًا ما تعتريه عقبات عديدة وصعوبات جمة . ففضلاً عن نقص المعلومات ذات الصلة بهذه الظاهرة الدولية، يكتنف «المفهوم» نفسه قدر كبير من الغموض والمرونة، بل و«المطاطية» أحيانًا، بحيث صار من الأيسر على طرفين يجمعهما نزاع من نوع ما أن يلجأ كل منهما بوصم صاحبه ب«الإرهاب» سواء كان هذان الطرفان فاعلين دوليين أو حتى كان نزاعًا داخليًا بين حكومة ما وتيار سياسي مناوئ لها . ومؤخرًا استدعى الحديث عن ظاهرة الإرهاب مرة أخرى ذلك القانون الجديد الذي أقره البرلمان البريطاني مؤخراً والخاص بمكافحة الإرهاب والذي بدأ الدخول في حيز النفاذ في التاسع عشر من شهر فبراير 2001 . وبموجبه سوف يصبح محظورًا على عدد كبير من التنظيمات العمل بذراعها السياسي داخل بريطانيا التي طالمًا وفرت لمثل تلك الأجنحة تربة مناسبة للعمل باعتبار أن القانون القديم للإرهاب في بريطانيا لم يكن يحظر نشاط أي تجمع طالما التزم هذا التجمع بالعمل السلمي داخل بريطانيا بغض النظر عن طبيعة عمله في الخارج . شكوى عربية وكان هذا القانون القديم باعثًا لشكوى العديد من الدول العربية ومنها مصر، التي قدمت للندن أسماء كثير من الناشطين منها والمطلوبين في الوقت نفسه لديها بتهمة الانتماء إلى منظمات مثل «الجهاد» و «الجماعة الإسلامية» وأرفقتها بمستندات قضائية تؤكد تورط المطلوبين في عمليات عنف . لكن البريطانيين رفضوا دائمًا هذه الطلبات بحجة أن «الأدلة» التي تدعمها لا يمكن أن تصمد أمام القضاء البريطاني المستقل . وجادلوا بأن تسليم المطلوبين لا يمكن أن يتم للأسباب التالية : 1ـ لا يمكن ترحيلهم إلى دولة قد يواجهوا فيها عقوبة الإعدام . 2ـ المحاكم البريطانية سترفض قطعًا تسليم أي شخص تعتمد الأدلة ضده على معلومات انتزعت «تحت التعذيب» وهو أمر لن يصعب على محامي الدفاع إثباته اعتمادًا على تقرير منظمة العفو الدولية. القانون البريطاني السابق لا يجرم سوى عمليات العنف التي ترتكب على الأراضي البريطانية، وهو الأمر الذي تم تعديله بموجب القانون الجديد وبات يعنى بأي عمل إرهابي، مشاركة وتمويلاً وتشجيعًا في أي دولة من العالم . اشكالية التعريف واللافت أن صدور هذا القانون الجديد في بريطانيا صاحبه ذات الجدل الذي أشير إليه والمتعلق بإشكالية تعريف «الإرهاب» وما يترتب على غموض هذا التعريف أو انحيازه لمصلحة فئة أو دولة ما على حساب الآخرين، فالارتباط الشرطي بين العنف وبين تعريفات الإرهاب لا يظهر الحقيقة في كثير من الأحيان وهو ما كشفه بوضوح التصنيف الذي وضعته الحكومة البريطانية، بموجب القانون الجديد للمنظمات والجماعات التي يحظر عليها العمل داخل بريطانيا باعتبارها جماعات إرهابية، فإذا كان مفهومًا أن تشمل القائمة التي ضمت 21 جماعة أيا من الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية أو منظمة إيتا الإسبانية التي تطالب بانفصال إقليم الباسك من خلال العمليات الإرهابية، أو جماعة مجاهدي خلق الإيرانية أو تنظيم القاعدة الذي يتزعمه المليونير أسامة بن لادن، فليس مفهومًا على الإطلاق لماذا تضم هذه القائمة حركات تحررية وحركات مقاومة مثل جماعة الجهاد الفلسطينية وكتائب عز الدين القسام وجهاز الأمن الخارجي وحزب الله اللبناني. وخلال السطور المقبلة قد نتمكن من الوقوف على مدلولات عدد من التساؤلات بشأن إشكالية تعريف الإرهاب، والأسباب المبالغة في تضخيم هذه الظاهرة والصور الجديدة التي يمكن أن تتخذها. أولاً : صعوبات ومشاكل تعريف الإرهاب وأسباب انتشاره : حدد التقرير السنوي الأخير الخاص بالإرهاب الدولي الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية في شهر مايو من العام الماضي تعريف الإرهاب بأنه «عنف له دوافع سياسية يرتكب بصورة متعمدة ضد أهداف غير قتالية من قبل جماعات تابعة لمجموعة قومية فرعية أو عملاء سريين ويقصد منه عادة التأثير على الجمهور». ويبدو بشكل واضح كيف أغفل التعريف الأمريكي للإرهاب ذكر بواعثه أو الأسباب التي تدفع جماعة ما أو عملاء سريين إلى انتهاج العنف، فسوى بذلك بين مقاومة المحتل وبين ترويع الآمنين وهذه التسوية تكشفها الممارسة الفعلية للإدارات الأمريكية المتعاقبة خصوصًا حيال تصنيفها للجماعات والمنظمات التي تضطلع بأنشطة مناوئة لإسرائيل . وليست الولايات المتحدة بمفردها في هذه الإشكالية، إذ يواجه المجتمع الدولي بأسره صعوبات عديدة مترتبة على «هلامية» تعريف الإرهاب وعدم تحديد هذا النوع من الجريمة قانونيًا وبصورة واضحة ومباشرة والنتيجة أن من ينظر إليه البعض على أنه «إرهابي» ينظر إليه آخرون على أنه «مناضل» . وبعيدًا عن أثر الإعلام في هذه الظاهرة ينبغي التفريق بين نوعين منها : الأول هو الإرهاب «التجاري» أو الإرهاب المفتقر إلى أيديولوجيا تحركه، ويصبح في هذه الحالة نوعًا من «التكسب» يمارسه بعض العاطلين بما يشبه القرصنة التي كانت سائدة في القرون الماضية ومثال ذلك ما حدث في العام الماضي على يد جماعة أبو سياف الفلبينية عندما احتجزت عددًا من الرهائن لبضعة أشهر طلبًا لفدية ضخمة . مثل هذا الفعل يعتبر من العبث مساواته بأعمال الإرهاب ذات الدافع الأيديولوجي التي سوف نشير إليها لاحقًا، إذ أن هذا النمط من الأعمال «الإرهابية» يعتبر ممارسة عادية في جزر جنوب الفلبين منذ الغزو الإسباني لهذه المنطقة وهي تشكل مصدر ارتزاق ونمط وجود و «إنتاج» بالنسبة إلى العديد من الجماعات الإثنية المهمشة المنظمة لنفسها في شكل مليشيات، وهذا النوع من الإرهاب قد تجدي معه المواجهات الأمنية، وقد يكون الأجدى معه بحث أسبابه الاقتصادية والاجتماعية ومحاولة علاجها بشكل وقائي . إرهابيون «سابقاً» أما النوع الثاني فهو الإرهاب ذو الدوافع الأيديولوجية وهو النوع الذي مارسه في السابق عدد كبير ممن ينظر إليهم العالم حاليًا على أنهم زعماء وطنيون . بل أن من هؤلاء «الإرهابيين» السابقين من كرمه العالم لاحقًا إلى حد منحه جائزة «نوبل» للسلام مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «مناحم بيجن» الذي كان البريطانيون أثناء الانتداب على فلسطين أول من أطلق عليه لقب «الإرهابي» وعلى عصابة «الأرجون» التي كان يتزعمها لمسئوليته عن بعض أفظع العمليات الدموية ضد المدنيين الفلسطينيين ومنها على سبيل المثال مذبحة دير ياسين التي راح ضحيتها 250 فلسطينيًا في العاشر من أبريل عام 1948 . وكل ذلك لم يمنعه من التحول إلى داعية سلام فيما بعد . وعندما أبرم اتفاقية السلام مع الرئيس المصري السابق أنور السادات كوفئ على ذلك بمنحه جائزة نوبل عام 1978 . وهكذا يمكن أن تطول قائمة «الإرهابيين السابقين» الذين اكتسبوا بعد نجاحهم أو نجاح قضيتهم مشروعية جديدة، إلى مالا نهاية لتشمل كافة قادة الحركات الوطنية المناوئة للاستعمار في آسيا وأفريقيا بدءاً بقادة جبهة التحرير الجزائرية وانتهاء بنيلسون مانديلا . ذلك لأن الحدود متداخلة إلى حد بعيد بين الإرهاب والمقاومة الوطنية، وغالبًا ما يكون «الإرهابي» هو الاسم الثاني للمقاوم الوطني، ولكن من منظور الدولة المستعمرة التي تعتبر كل خروج على شرعيتها هو خروج على الشرعية بإطلاقها . وفي هذا الإطار أيضًا يرجح محللون سياسيون أن يسفر القانون البريطاني الجديد باتباعه أسلوب المعالجة الأمنية «الأمريكي» لظاهرة الإرهاب عن دخول بريطانيا في حلقة جديدة من الأعمال الإرهابية على أرضها وبالفعل أول هذه الأعمال في الرابع من الشهر الجاري عندما انفجرت سيارة مفخخة أمام مبنى هيئة الإذاعة البريطانية بلندن، وتبعه في نفس اليوم عثور الشرطة البريطانية على عبوة ناسفة قرب محطة فيكتوريا بوسط لندن . التهويل الأمريكي ثانيًا: الإرهاب بين الخطر الحقيقي والتهويل المفتعل : ما فتئت الولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصًا خلال العقد الماضي عقب انهيار الاتحاد السوفييتي تطرح نفسها في صورة الفاعل الدولي الأكثر استهدافًا لهجمات الإرهابيين، وأخذت من ثم على عاتقها مهمة مكافحة الإرهاب في كل شبر من العالم وتكفي الإشارة إلى أن مخصصات الإنفاق السنوي للمخابرات الأمريكية تبلغ نحو 30 مليار دولار . وتسوق واشنطن العديد من المبررات للتدخل في شئون الدول والمنظمات باعتبار أن هذا التدخل يأتي في إطار جهود مكافحة الإرهاب الدولي . وعلى سبيل المثال بررت الولايات المتحدة قيامها بضرب مصنع الشفاء السوداني بأنه كان ينتج مواد لازمة لصناعة الأسلحة الكيماوية كما بررت قصفها الصاروخي لأفغانستان، الذي تزامن مع قصف مصنع الأدوية السوداني، بأنه كان موجهًا لمعسكرات أسامة بن لادن التي خصصها لإيواء وتدريب الإرهابيين . وحول هذه القضية انقسم الخبراء إلى التحليلين الآتيين :- الأول: يذهب إلى التأكيد على أن للولايات المتحدة مبررات وجيهة في حربها المعلنة ضد الإرهاب وأن هناك خطرًا حقيقيًا يتهدد الأراضي والمصالح الأمريكية، ويشير أصحاب هذا الرأي إلى ما يلي :- الصورة التقليدية للإرهاب الدولي بدأت تختفي، وبدلاً منها سوف تكون هناك صورة جديدة تستغل التكنولوجيا الحديثة واختفاء كثير من الصعوبات والقيود التي كانت مفروضة على امتلاك أسلحة الدمار الشامل، فعلى سبيل المثال يرى البعض أن احتمالات استخدام الأسلحة البيولوجية على أيدي الإرهابيين ازدادت زيادة كبيرة في الآونة الأخيرة وبإمكان المجموعات الإرهابية حتى تلك التي لا تمتلك سوى موارد مالية وعلمية متواضعة أن تطور سلاحًا بيولوجيًا فعالاً بكلفة قليلة . وأكثر هذه الأسلحة البيولوجية خطورة مع كون احتمال سقوطه في يد الإرهابيين أكبر هو فيروس الجمرة الخبيثة وفيروس الجدري . وقد اعترف أحد مساعدي أيمن الظواهري أمير تنظيم الجهاد والحليف البارز لأسامة بن لادن أثناء التحقيق معه بعد سقوطه أن الظواهري حصل بالفعل على كميات من فيروس الجمرة الخبيثة . ويؤكد المسئولون الأمريكيون أن استعدادات الولايات المتحدة لمواجهة هجوم إرهابي بالأسلحة البيولوجية لا تزال قاصرة سواء من حيث نقص أعداد اللقاحات المطلوبة أو من حيث عدد أماكن العزل الصحي الطارئ، بحيث أن أي هجوم من هذا النوع سوف يؤدي في حالة نجاحه إلى حدوث كارثة مروعة، وما ينطبق على الخطر البيولوجي ينطبق بصورة أكثر وضوحًا على المواد المشعة ووسائل صناعة الأسلحة النووية والتي شهدت عمليات ضبطها ومراقبتها حالة من الفوضى الشديدة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي. ـ الحوادث السابقة لا تدع مجالاً للتراخي في مقاومة الإرهاب . ويشار في هذا الصدد إلى بضعة حوادث كلفت الولايات المتحدة عددًا هائلاً من الضحايا يتجاوز مئات القتلى و الجرحى مثل تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993 وتفجير أوكلاهوما سيتي عام 1995 وتفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام في عام 1998 والانفجار الذي أصاب مبنى الخبراء الأمريكيين في مدينة الخبر السعودية عام 1996 وغيرها . اختصاصيون في التكنولوجيا ـ عدم افتقار الإسلاميين الأصوليين وهو فصيل مهم تعتبره واشنطن أحد أبرز أوجه الخطر على الولايات المتحدة إن لم يكن أبرزها إلى اختصاصيين مؤهلين لاستخدام الكمبيوتر والإنترنت. ـأما التحليل الثاني : الذي يذهب إلى أن الولايات المتحدة بالغت كثيرًا في حجم المخاطر التي يمكن أن يشكلها الإرهاب الدولي على مصالحها فقد استندت إلى التالي : ـ تشير كافة التحقيقات التي أجرتها أجهزة الأمن بما فيها الأجهزة الأمريكية ذاتها إلى أن تنظيم القاعدة الذي دأبت واشنطن على التحذير من خطورته على مصالحها ليس بمنظمة حقيقية وإنما هو أشبه بحركة إسلامية مهلهلة وأن بن لادن نفسه مشغول بتأمين حياته في ظل المراقبة المستمرة لتحركاته في أفغانستان والقيود الشديدة التي تعرقل حريته في التنقل فضلاً عن تشكيل خطر على أقوى دول العالم . ـ معظم القضايا التي يشتبه في انتماء المتهمين الرئيسيين فيها إلى تنظيم القاعدة تسفر عن نتائج مخيبة تمامًا . وأحيانًا عكسية . ومثال ذلك ما سمي بمخطط «تفجيرات الألفية» الذي قالت الولايات المتحدة أثناء الاحتفال بالألفية الثالثة في نهاية ديسمبر الماضي لإيقاع أكبر عدد من القتلى، أعربت المخابرات الكندية عن اعتقادها بأن جميع من اعتقلتهم سلطات الأمن الكندية على الحدود وتقول واشنطن بأنهم عملاء لابن لادن، هم في الحقيقة يعملون مع المخابرات المركزية الأمريكية «سي آي إيه». ـ بررت الادارة الامريكية تدميرها لمصنع الشفاء في الخرطوم بحجة أنه ينتج مادة كيميائية تستخدم في إنتاج مادة «في إكس» كأحد مكونات الأسلحة الكيميائية . وقالت حينئذ إن لابن لادن والعراق علاقة بتشغيل المصنع وتمويله، وهو ما نفته الخرطوم وبغداد، ثم رفضت واشنطن تقديم الدليل على اتهاماتها، إلى أن اعترفت بخطأ المعلومات التي استندت إليها . وفي الوقت نفسه أكد مسئولون بحركة طالبان التي تسيطر على أكثر من 90% من الأراضي الأفغانية إن القصف الصاروخي الأمريكي الذي قالت واشنطن انه يستهدف قواعد ومعسكرات بن لادن، لم يصب أيا من هذه القواعد وإنما أصاب أهدافًا مدنية وأخرى تابعة للحركة . أغراض سياسية ـ التقرير السنوي الأمريكي عن أنماط الإرهاب العالمي أظهر أن كل الأعمال الإرهابية التي وقعت العام الماضي في مختلف أنحاء العالم لم تسفر في مجموعها سوى عن مصرع خمسة أشخاص وإصابة ستة . وهي أرقام تعكس حقيقة المبالغة الأمريكية . ـ الدول والمنظمات التي تصنفها الولايات المتحدة في خانة الإرهاب لا تتغير برغم الإشارات الإيجابية التي تبديها والتي تعترف واشنطن نفسها بحدوثها، مما يعني أن الأسلوب الأمريكي في التصنيف يستند إلى أغراض سياسية مصلحية وليس إلى أدلة حقيقية . على سبيل المثال تصر وزارة الخارجية الأمريكية على الإبقاء على ليبيا والسودان ضمن الدول الراعية للإرهاب، رغم تسليم الأولى للمتهمين في حادث تفجير طائرة لوكيربي، وبراءة الثانية من علاقتها بإنتاج الأسلحة الكيماوية وقيامها بتسليم كارلوس للسلطات الفرنسية فضلاً عن عودتها إلى الصف العربي وانتهاء حالة العزلة التي كانت تعاني منها . أما سوريا فتعد مثالاً أكثر وضوحًا بالنظر إلى الوعود والإغراءات الأمريكية لدمشق برفعها من قائمة الإرهاب في حالة نجاح قمة جنيف التي عقدها الرئيس الراحل حافظ الأسد مع الرئيس كلينتون قبيل وفاة الأول . ولكن فشل القمة والرفض السوري لأسلوب إدارة العملية السلمية في الشرق الأوسط أديا إلى بقاء سوريا في القائمة مما يوحي بأن تصنيف الدول الراعية للإرهاب يتحدد وفقًا للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يفسر تصنيف جماعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية في هذه القائمة رغم أن العنف الناتج عنها لا يقارن بالعنف الذي تتبعه تل أبيب مع الفلسطينيين . أسباب أمريكية مشبوهة وبصفة عامة يذهب أصحاب التحليل القائل بمبالغة الولايات المتحدة في توصيف خطر الإرهاب إلى أن لواشنطن جملة من الأسباب الخفية التي تدعوها إلى هذه المبالغة: فمن جهة ترسخ لدى صانع القرار الأمريكي اعتمادًا على تقارير العديد من علماء الاجتماع والنفس الأمريكيين عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، ضرورة خلق أهداف قومية كبيرة، والتحذير من مخاطر كبرى لا تقل عن مخاطر المعسكر الشرقي الذي انهار فجأة بغرض ضمان التقاء الأمريكيين حولها وإزكاء الروح القومية. ومن جهة أخرى يضمن وصف دولة ما بالإرهاب مبررًا سهلاً للولايات المتحدة كي تتدخل في شئونها الداخلية تحقيقًا لمصالحها الخاصة أو مصالح أحد حلفائها، كما في الحالة السورية وحالة كوريا الشمالية. تكريس الهيمنة ويعد تصنيف بعض الدول في خانة الدول الإرهابية (أو المارقة) تكريسا للهيمنة الأمريكية ودورها الريادي في العالم استنادًا إلى الأثر النفسي للعقوبات أو العقاب الذي تنزله واشنطن بهذه الدولة . ويذهب أنصار هذا التحليل كذلك إلى أن المبالغة الأمريكية في تضخيم وتهويل أخطار الإرهاب كان لها نتائج عكسية وآثار سلبية أبرزها أنها أوحت إلى كل الجماعات والدول والأفراد الذين لهم تحفظات على السلوك السياسي الأمريكي، بنمط معين من أنماط المعارضة من الممكن التحول إليه مستقبلاً بعد أن تحول بن لادن إلى أسطورة يسعى كثير من معارضي سياسات الولايات المتحدة إلى الوصول إليها والاقتداء بها . كما أن الجماعات الإرهابية التقليدية قد تتحول بالفعل إلى انتهاج أساليب جديدة غير تقليدية في هجماتها والتي قد تطول المصالح الأمريكية، سواء باستخدام الأسلحة البيولوجية أو الكيماوية أو حتى الأسلحة النووية