بيان الاربعاء : أعاد حادث خطف الطائرة الروسية على يد مجموعة من الشيشان فتح باب الجدل في قضية خطف الطائرات كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية. ولعل أقدم عملية معروفة من عمليات خطف الطائرات تلك التي وقعت عام 1930 عندما سيطر نفر من الثوار البيروفيين (نسبة إلى بيرو) على إحدى الطائرات، وألقوا منها بعض المنشورات الدعائية. وبعد الحرب العالمية الثانية اختطفت مجموعات من أعداء الشيوعية طائرات مختلفة بغية الفرار من بلدان المنظومة الاشتراكية. وما هي غير فترة حتى تكاثرت عمليات خطف الطائرات، وبوجه خاص من الولايات المتحدة الأمريكية إلى كوبا. وفي السبعينيات من القرن العشرين اتخذ الثوار الفلسطينيون من خطف الطائرات وسيلة للفت نظر العالم إلى قضيتهم العادلة وللمطالبة بإطلاق سراح رفاقهم المعتقلين في سجون إسرائيل وغيرها. واختلف الموقف في حينها بين من اعتبر خطف الطائرات إرهابا يتعين القضاء عليه ومكافحته بشتى السبل ومن رأى فيه وسيلة لتذكير العالم بقضية شعب احتلت أرضه واغتصبت حقوقه على مرأى ومسمع من عالم لم يعد يستمع إلا إلى منطق القوة. بينما العرب مازالوا بعد يلعقون جراح هزيمة يونيو 1967 الأليمة، إبان الفترة التي عرفت بحالة اللاسلم واللاحرب، بدا أن القضية الفلسطينية بسبيلها إلى أن تسقط من حسابات القوى الدولية الفاعلة، بعدما تبين افتقارها إلى قوة حقيقية تساندها. أفاق العالم على سلسلة من عمليات فدائية شنها فتية من أبناء الشعب الفلسطيني تميزت من بينها عمليات خطف طائرات إسرائيلية في الأساس أو تابعة لقوى مساندة للإسرائيليين، ولن تنسى ذاكرة العالم حادث خطف طائرة العال الإسرائيلية قبل أكثر من ثلاثين عاما عندما حبست الدنيا أنفاسها من وقع الحدث الضخم في حينه، وتراوحت الآراء بين مؤيدين لهذه العمليات، من العرب ومسانديهم بالتحديد، باعتبارها سلاحا فعالا للضغط وإظهارا لصدق النية وعقد العزم على استعادة الحقوق واسترخاص الحياة في سبيل هذه الغاية، فأكبر الجميع أسماء ستظل محاطة بالإعجاب لسنوات طويلة مقبلة من بينها أسماء فتيات مثل ليلى خالد ورفاقها الذين لا ينطق اسم أي منهم حتى الآن إلا ويسبقه ذلك اللقب النبيل «المناضل». كما لم تعدم هذه العمليات بالقطع هجوما حادا عليها باعتبارها عمليات إرهابية تروع الآمنين. وشن الإعلام الغربي المساند لإسرائيل حملة مسعورة لشحن الرأي العام العالمي ضد هذه العمليات وغيرها من العمليات الاستشهادية، وتجاهلت هذه الحملة مدنيين وآمنين آخرين ارتكبت قوى الغدر الصهيونية مذابح ضدهم في وضح النار من لم يهتز لها الضمير الغربي كما اهتز إشفاقا على المدنيين الصهاينة الذين ما كانوا ليتعرضون لمثل هذه العمليات لو انهم ظلوا في بلادهم الأصلية ولم تأخذهم أطماعهم من الأصل إلى اغتصاب أرض الغير بالارهاب والمذابح. وكان اعتبار هذه العمليات موجهة ضد مدنيين مردودا عليه بأن هؤلاء «المدنيين» يستطيعون إعفاء أنفسهم من هذه الأخطار بالعودة من حيث أتوا إلى بلادهم الأصلية التي جاءوا منها شذاذا ليستوطنوا فيها ويتحولوا جميعا بعد ذلك نساء ورجالا واطفالا الى احتياطي للجيش الاسرائيلي فحق عليهم القصاص. وتخلى الفدائيون الفلسطينيون عن هذا السلاح بل أن تيارات منهم تخلت رسميا عن شعار الكفاح المسلح بعدما جرت في النهر مياه جديدة ودخلت القضية الفلسطينية في مسارات التسوية السلمية والمفاوضات على النحو الذي نعرفه جميعا. فبعد أن كان الكفاح المسلح أسلوباً وحيداً للنضال والتحرير حسبما ورد في برامج المجلس الوطني وجميع الفصائل الوطنية. أصبح الكفاح المسلح «أحد الأشكال» وتحول «النضال السياسي الجماهيري» داخل الوطن المحتل من الناحية العملية إلى أسلوب رئيسي، وباتت الأعمال المسلحة تحتل مرتبة أدنى من وجهة نظر السلطة الفلسطينية التي اتفق دوليا على انها الممثل الرسمي الوحيد للشعب الفلسطيني. وجاءت مقولة «التنوع في أشكال النضال» على قاعدة التطور الذي طرأ على البرنامج السياسي الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة. وتم عمليا ايقاف العمليات الخارجية وخاصة خطف الطائرات وضرب الأهداف الاسرائيلية في الخارج من قبل الجبهة الشعبية ومنظمة أيلول الاسود. والاستثناءات التي حدثت كانت في معظمها من تدبير منظمات خارجة أو منشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية وكذلك تراجع التوجه لأهداف مدنية اسرائيلية في إطار أعمال مقاومة ضد الاحتلال باستثناء بعض العمليات التي لجأ منفذوها لاحتجاز رهائن مدنيين اسرائيليين. خلط الأوراق غير أن القضية وإن بدت أكثر التباسا من النظرة الأولى فما يراه البعض كفاحا مشروعا يعتبره آخرون ضربا من الإرهاب، لكن التحليل الصادق غير المغرض يمكن أن يحدد بوضوح الخيط الأبيض من الأسود في هذا المجال. فأسلوب خطف الطائرات المدنية بالذات،بل وخطف الأفراد، أصبح مرفوضا على نحو بعدما ابتذل وتعددت أنواع الخاطفين من إرهابيين إلى معارضين سياسيين لحكوماتهم يطلبون اللجوء السياسي في بلدان أخرى، حتى أن بعض مختلي العقول دخلوا دائرة اختطاف الطائرات التي باتت بالفعل تروع آمنين ليس لهم ناقة ولا جمل في قضايا الخاطفين إن كانت لهم قضايا أو مطالب. لكن هذا بالطبع لا ينسحب مثلا ـ في رأينا ـ على عمليات خطف الضباط الإسرائيليين التي تقوم بها منظمات مثل حزب الله في لبنان ولا حتى عمليات خطف مدنيين إسرائيليين بغرض مبادلتهم بالرهائن الذين اختطفتهم إسرائيل أو الذين تعتقلهم في سجونها لا لشيء إلا لأنهم هبوا للمطالبة بحقوقهم واستعادتها. ولا يخفى أن الآلة الإعلامية الجهنمية لها تأثيرها الجلي في هذا الإطار، فهي تسعى بدأب لخلط الأوراق وإلباس الجناة لباس الضحايا، فمن ذا الذي قال أن المدنيين في إسرائيل هم مدنيون بحق، الأمر المؤكد أن جميعهم محتلون وجميعهم رصيد احتياطي لجيش الاحتلال ستجري تعبئتهم في حالة الحرب. ألم يكن باروخ جولدشتاين مقترف مذبحة الحرم الإبراهيمي مدني إسرائيلي؟ أولا يرتكب المستوطنون «المدنيون» الإسرائيليون يوميا جرائم بحق الفلسطينيين المدنيين، أصحاب الحق، العزل بالفعل لا يفرقون في هذا بين طفل وشاب، امرأة أو رجل؟ لا شك أنه من قبيل خلط الأوراق لأغراض إعلامية ودعائية وضعت جميع حالات خطف الطائرات أو الأفراد في خانة الإرهاب، فخطف مواطنين مختلفي الجنسيات للمساومة بهم من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو الحصول على اللجوء السياسي أو ما إلى ذلك يصح بالفعل تصنيفه ضمن خانة الإرهاب لكن خطف أفراد من المحتلين ـ عسكريين كانوا أو مدنيين ـ بغرض استخدامهم للضغط على المحتل لا ريب أيضا أنه من قبيل الأساليب المشروعة في حالة حرب مثل التي يعيشها الفلسطينيون اليوم أو الجنوب اللبناني أو الجولان المحتل . بقلم: إكرام يوسف