في ظل الضباب الذي بات يلف المسيرة لحل الازمة السياسية في السودان وعديد الاسئلة الذي تطرحه تداعيات وتجليات هذه الازمة، اجرى مكتب «البيان» في القاهرة هذا الحوار الطويل الصريح مع التجاني، الطيب عضو هيئة قيادة التجمع الوطني المعارض الامين العام للحزب الشيوعي السوداني. ينشر الحوار متزامنا مع الزميلة «الخرطوم»: ـ ما زال أمر الحل السياسي مجرد تعبير يتردد بين الاطراف بالرغم من ظهور العديد والعديد من المبادرات بالنسبة لكم في التجمع . .هل هذا الوضع يرضيكم؟ ـ التجمع من بين كل اطراف القضية السودانية، هو الطرف الوحيد الذي يملك موقفا واضحا وثابتا وراسخا ومبدئيا دون اي لبس او غموض اذا كان هناك لبس وغموض فهو يأتى من آخرين يدعون عدم وضوح موقف التجمع. التجمع لديه موقف واضح وقد حدد باشياء موثقة ومعلومة من ـ على الاقل ـ يونيو 95 يوم صدور البيان الختامي عن مؤتمر القضايا المصيرية في اسمرة، في ذلك الوقت اعلن التجمع انه يفضل حلا سلميا للنزاع السوداني، وفي هذا الصدد يؤيد اعلان المباديء الصادر عن مبادرة الايجاد سنة 94. منذ 97 قلنا اننا نقبل التعامل مع المبادرات التي تسعى لحل سياسي للازمة السودانية، ولكن تنبأنا بأن المبادرات يمكن ان تكون كثيرة. لذلك طالبنا بتوحيد المبادرات حتى يسهل التعامل معها وتأتي بنتائج عملية، وفي يونيو 99 حددنا بوضوح. 1ـ استعدادنا للعمل عبر حل متفاوض عليه مع التمسك بوسائلنا الاخرى المتاحة مثل العمل المسلح والانتفاضة الشعبية لكننا مستعدون للعمل بكل جدية من اجل حل متفاوض عليه. ولهذا السبب وفي نفس القرار. 2ـ حددنا رؤيتنا التفاوضية والاهداف المراد تحقيقها بالتفاوض اي اننا لم نعلن القبول بالحل السلمي فقط، بل قلنا اننا نريد الوصول لكذا، وكذا . فمثلا حددنا موضوع الديمقراطية، والسلام، وقف القتال والفترة الانتقالية .. الخ وكل هذا موثق. 3ـ طالبنا بتهيئة مناخ ملائم للتفاوض حتى يكون هناك تشجيع للتفاوض، وفرصة افضل لكل الشعب السوداني واجهزة الاعلام وذوي الرأي للمشاركة في العملية التفاوضية حتى لا تصبح عملية مغلقة ومحصورة داخل غرف، اردنا ان تكون عملية التفاوض عملية مكشوفة وذات شفافية. هذا موقفنا الكامل وما زال منذ يونيو 99 وقرارات هيئة القيادة في ذلك الوقت هي التي اصبحت الاساس في اعلان طرابلس في اغسطس 99، وفيما بعد سمي ذلك الاعلان بالمبادرة الليبية، ثم سمي بالمبادرة الليبية المصرية المشتركة. وفي طرابلس في اغسطس 99 طالبنا بالتنسيق باعتبار ان لدينا مبادرة جديدة قائمة وليست افتراضا مثلما كان قبل ذلك. طالبنا بالتنسيق مع مبادرة الايجاد، وفضحنا احتمال مناورات النظام بالاستفادة من تعدد المبادرات هذا امر واضح الآن. في سبتمبر وبعد اعلان طرابلس باسبوعين تقريبا اعلنت الحكومة في مناورة مكشوفة انها قبلت اللجنة التحضيرية وسمت مندوبيها، لكن نحن على الفور كشفنا انها مناورة غير امينة. وكلنا نرى النظام عندما تأتي مسألة الرئيس الكيني دانيال آراب موى نجده يؤيد «الايجاد» وعندما يأتي اهل «المشتركة» يؤيدها ويراها الوحيدة، ويبحث عن آخرين جنوب افريقيا وغيرها، ويبحث عن اجاويد، ولا اعتقد انه يوجد اي مانع في انه الذي دفع بالاجاويد للتوسط وهو بهذه الطريقة يكسب وقتا، والنظام يعتقد ان مرور الوقت في صالحه، ولكني اقول بصراحة انه يخدع نفسه اذا ظن ان مرور الوقت في صالحه، الا اذا غير طبيعته وسياسته وقبل بوجود الازمة وسعى لحلها .. لكن اذا استمر في مواصلة سياساته وممارساته وبرنامجه الحضاري، اي مزيد من الوقت يضيف مزيدا من الوقود ومن عوامل الانفجار الشعبي، ضده. اي وقت يمر مالم تحل المسألة ـ قد تتأجل ـ يضيف زيادة عوامل انفجار شعبي . وهي علاقة طردية كلما زاد الوقت كلما زاد الانفجار واتسع مداه وقوته التدميرية. النظام يواصل في سياسته القمعية، ويوالي تصعيد الحرب الاهلية، ويوالي رفع يده عن الخدمات والاحتياجات للشعب، والنظام هو السبب الرئيسي للفساد والافساد الذي يحدث في السودان، كذلك النهب المسلح والارهاب في الشارع السوداني، وفقدان الشعب لقدرته على التحرك والتعبير. الشعب السوداني شعب غير بسيط، ولا يرضى ان تتخذ اخطر قراراته بعيدا عنه وخارج ارادته او دون تفويضه، لا انتظر شيئا من الشعب السوداني سوى استعداده لاستعادة حريته. واذا كان لا يملك قياداته في الوقت الحالي، فالشعب السوداني، «ولاد» وستأتي من داخل صفوفه قيادات تجعله يتحرك. ـ عند ظهور اي مبادرات نجد النظام السوداني اول المسارعين الى القبول بها، واطلاق التصريحات على الجانب الآخر نجد ترددا من جانب التجمع او بطء في الدراسة او القبول . هذا الموقف يجعلكم في التجمع كمن يرفضون سرعة التوصل الى حل للازمة .. ماهو تعليقكم؟ ـ هذا صحيح ودائما ما توجه لنا انتقادات. من هذا النوع لكن موقفنا المبدئي واضح ومرتين طلبوا منا ان يحدث لقاء وتم قبول الطلب .. واذا كان المقصود ان الحكومة سمت وفدها في اللجنة التحضيرية ونحن لا، فهذا امر شرحه كالآتي: امر اللجنة التحضيرية جاء في المبادرة الليبية المشتركة، ونحن من الآن ننتظر مذكرة المبادرة المشتركة التي كان المفترض تسليمها في الشهر الماضي. واللجنة التحضيرية المذكورة هي واحدة من آليات المبادرة المشتركة وقد وافق عليها التجمع، وطالبنا بأن تكون خطوات تلك اللجنة واضحة بحيث يقدم النظام رؤيته التفاوضية ويهييء مناخ ذلك التفاوض. وعدم وجود ذلك يظهر عدم جدية النظام وحتى الآن الطرف الذي قام بخطوات محلية حقيقية هو التجمع وهي الخطوات التي ذكرتها في بداية حديثي .. وحدث بالفعل لقاء تمهيدي فماذا بعده؟ كان المفترض ان يكون هناك تفاوض وقد قدمنا مذكرة برؤيتنا في ذلك التفاوض .. ولم تحدث اي خطوة من الطرف الآخر .. ومثلما يقال في التعبيرات الجارية: ان الكرة الآن في ملعب النظام .. ومطلوب منه تحديد رؤيته. ـ ماهو دور التجمع الوطني الديمقراطي في الداخل الآن؟ وهل تجمد نشاطه باعتقال سكرتاريته منذ اربعة شهور وهل هناك صلة بين التجمع في الخارج وفي الداخل في هذه المرحلة؟ ـ اولا التجمع الديمقراطي نشأ في الاساس في الداخل، ففكرة التجمع وصيغته التنظيمية وميثاقه واعلانه والتوقيع عليه في 21 اكتوبر 89 في ذكرى ثورة اكتوبر كان بالداخل ايضا. التجمع في الخارج تطور حدث فيما بعد بعوامل كثيرة كان اهمها القمع الذي مارسه النظام ومع ممارسة الحياة السياسية العادية. هذا القمع هو الذي خلق وضع التجمع في الداخل حيث لم يعلن النظام رؤيته التفاوضية او ماذا يريد من التفاوض، ولم يكن لديه اي استعداد او اتخذ اي خطوة نحو تهيئة المناخ الملائم. في ديسمبر 99 في كمبالا فصل التجمع اكثر واكثر رؤيته التفاوضية بصياغة واضحة، في يوليو 2000 قبل التجمع اقتراحا مصريا بلقاء تمهيدي بينه وبين النظام، وحدد رئيسه ليكون ممثله في ذلك اللقاء، بغض النظر عمن سيحضر من الطرف الآخر . وكتبنا مذكرة برؤيتنا التفاوضية وسلمناها لوزير الخارجية المصري عمرو موسى وللآن لم يأتنا اي رد سواء من الوزير المصري او من النظام. في سبتمبر 2000، المؤتمر الثاني للتجمع في مصوع أخذ التجمع قرارا بخطوة ابعد، وهو قبول اللقاء المباشر مع النظام، بالرغم من اللقاء التفاوضي الذي وافق عليه من قبل يعتبر لقاء مباشرا، كل ذلك من اجل الوصول الى حل سلمي متفاوض عليه، وفي نفس الشهر قبل التجمع اقتراحا من الرئيس الاريتري اسياسي افورقي، بعقد لقاء تمهيدي بين رئيس التجمع ورئيس النظام، وقد تم ذلك اللقاء بالفعل في 23 سبتمبر، وفيما بعد وبناء على طلب الرئيس افورقي كتب التجمع مذكرة عن رؤيته التفاوضية، ونحن متأكدون من استلام النظام لتلك المذكرة عند زيارة الرئيس افورقي للخرطوم في ذلك الوقت، ولكن، حتى الآن النظام لم يرد. فهذا موقفنا وهو موقف واضح .. من الناحية الاخرى .. ماذا نجد؟ في المبادرة المشتركة واضح تماما عدم حدوث اي نوع من التقدم، قالوا انهم سيرسلون مذكرة في اول مارس حتى تتم دراستها في اجتماعنا في منتصف مارس ونرد عليها في آخره .. والآن نحن في منتصف ابريل .. ولم تصل هذه المذكرة. من ناحية «الايجاد» يتضح من تصريحات الرئيس موي وما يكتب، انها مازالت تتجاهل التجمع، وما زالت تصر على حل جزئي وعدم وجود ازمة وطنية عامة، بل هي ازمة بين النظام والحركة الشعبية فقط، وهنا لابد من التساؤل: من الذي يملك الحق في عمل حل للقضية السودانية؟! بالتأكيد ليس النظام الحالي، لانه نظام لا يمثل الشعب السوداني ... فالذي لديه ذلك الحق هو الشعب السوداني وعبر ممثليه الذين يأتون بالشرعية المعروفة. هنالك افكار متناثرة من امريكا وغيرها كالدول الاوروبية، وايضا نجد ان الشيء المشترك بينها جميعا هو عدم الاعتراف بوجود ازمة سودانية عامة، او لا تريد اختراق الازمة الوطنية للوصول لحل حقيقي يتفاوض عليه. فأي مبادرة لا تعترف بوجود ازمة وطنية في السودان لن يكتب لها النجاح ابدا، حتى لو حدث اتفاق من ناحية شكلية صحبته احتفالات، فلن يكون دائما او سياسيا لان الشيء الاساسي هنالك ازمة في السودان بالفعل هنالك ازمة بين الشعب السوداني وازمة حكم، ازمة سلطة والشعب السوداني مقهور .. المستقبل سيكون فقط لمبادرة تعترف بذلك وتخاطبها وتقدم لها حلا. ـ ماذا عن مبادرات الشخصيات القومية او ـ الاجاويد ـ هل هم يخاطبون تلك الازمة باعتبارهم يعايشونها؟ ـ اي مبادرة او اي اجاويد اذا اعترفوا بان هناك ازمة حلها يتم من جهتين محدودتين يمثلان الشعب السوداني والنظام الذي سرق السلطة من الشعب السوداني، سيتوصلون لحل، سواء كانوا اجاويد او خلافه طالما ان اولئك الاجاويد يعتقدون انهم سيجعلون المعارضة تقبل النظام الموجود، وان تذهب لتستسمحه، وان يعفو النظام الموجود عن المعارضة والمجرمين والمتمردين . الخ، فلن يكون هناك حل. المسألة اننا نرى ان هذا النظام اغتصب السلطة وان الشعب السوداني مازال محروما من حريته . والنظام بالطبع مستمتع للغاية بـ «الزوغان» من طبيعة المشكلة الموجودة في السودان، والتجمع في الخارج .. ووجودنا في الخارج لم يأت بعد قرار بأن يكون التجمع في الخارج، وانما نشأ تجمع الخارج من القيادات السياسية والتي كانت في بعض الاحيان قيادات وسيطة او ليست قيادات احزابهم داخل السودان، كانوا قادة نقابيين وقادة سياسيين ومستقلين كانوا موجودين في القاهرة ولندن واسمرة، قاموا بتنظيم انفسهم في هيئات صغيرة للعمل، وفيما بعد وفى مواجهة الظروف نشأت الحاجة لكيان يعبر عن الازمة واصبح ممثلو الفصائل الموقعين على ميثاق التجمع هم لجنة التنسيق بالخارج والتي عقدت مؤتمرات التجمع وقبلت حق تقرير المصير واعلان نيروبي، وفيما بعد تبلورت بصورة اكبر في مؤتمر القضايا المصيرية وصاغت قرارات بشكل واضح في يونيو 95. الصلة بين الداخل والخارج كانت موجودة باستمرار حيث كان ناس الداخل مقهورين، ومعظم قادة التجمع الوطني الديمقراطي من كل الاحزاب مروا على بيوت الاشباح. الشيوعيين، حزب الامة الاتحادي الديمقراطي، النقابيين ومختلف الفصائل، ولم تكن لديهم اي فرصة لعقد اجتماعاتهم او تنظيم عملهم، كل هذا اعطى للتجمع في الخارج وزنا واصبح لسان تجمع الداخل. فالحقيقة ان التجمع الوطني نشأ وما زال بناؤه الاساسي في داخل السودان .. في الخارج يوجد هيكل مهمته الضغوط الدبلوماسية ـ والآن يمكن اداء هذا العمل من الداخل ايضا ـ كذلك تجمع الخارج طور اساليب نضال الشعب السوداني مثل العمل المسلح والخط الاساسي للتجمع هو تفجير انتفاضة في الداخل، فالعمل الدبلوماسي والحل السياسي كلها اشياء تعتمد على وجود تحرك جماهيري في الداخل في شكل انتفاضة والتجمع الوطني الديمقراطي لديه وضع باختيار ورضاء كل التجمع .. وفي مؤتمر التجمع الثاني بمصوع قننا حقيقة ان التجمع جسم واحد لديه تجليان واحد في الداخل وآخر في الخارج، ولكل تجل مهام، ولا تمييز بينهما وكل الفصائل المنضوية في التجمع في الداخل لها الحق في الانضمام في الخارج والعكس صحيح. وتتكون هيئة القيادة من اعضاء من الداخل والخارج على قدم المساواة وليس بكرم من تجمع الخارج، وهذا حق للجميع وهيئة القيادة هذه تجتمع في الخارج لظروف نعرفها جميعا وهي امكانية اعتقال اي شخص في اي وقت. ـ ماذا الوضع الآن بالنسبة للتجمع في الداخل خاصة بعد اعتقال سكرتارية التجمع، هل العمل متوقف ام ماذا؟ ـ القمع في الداخل قمع مستمر، ونضال التجمع الوطني ضد هذا القمع مستمر ايضا، قد يبدو انه لا يوجد صوت عال من التجمع، ولكن قيادة التجمع اوضحت رؤيتها واستنكارها للاعتقال منذ وقت مبكر، وقامت بتوصيل تلك الرؤية لكل الجهات المعنية بحقوق الانسان، وفروع التجمع في الخارج في كل مكان تعمل لفضح ذلك القمع. وبالطبع الموجودون في الميدان انفسهم من يملكون قدرة اكبر ومدى اوسع في التعبير ضد الاعتقال. في هذه الحالة نتمنى ان يتولى الناس عملية الاحتجاج بصورة عملية اكبر وهذا جزء من النضال ضد الاعتقال . ويمكن التصرف حسب الظروف التي يعملون بها. وقد تابعنا بسرور المظاهرتين اللتين صحبتا المحاكمتين لاعضاء سكرتارية التجمع . ولكن ما لانقبله هو ان سكرتارية التجمع الحالية اخذت خطوة للوراء بان تعمل سرا وفي الخفاء في الوقت الذي فيه نضال التجمع في الداخل والخارج ونضال الشعب السوداني فرض علنية نضال التجمع والشكل التنظيمي للتجمع في الداخل واصبحت هناك سكرتارية تجمع بصورة علنية وواضحة ومكشوفة وقدمت مذكرات، ليست السكرتارية فقط هي التي كشفت عن وجهها، ايضا هنالك مناضلون بارزون قد لا يكونوا الآن داخل التجمع ولكنهم معارضون للنظام، وقد شاركوا سكرتارية التجمع في تقديم مذكرة عام 98 والتي تعد خطوة كبيرة في العمل المعارض. فمن هذا المستوى الذي وصل اليه الناس، هذا المستوى المتقدم الذي فرض حضور سكرتارية التجمع لاجتماعات هيئة قيادة التجمع في خارج السودان سواء في كمبالا او اسمرة او القاهرة، وقد شارك اكثر من اربعين عضوا من التجمع الوطني من الداخل في المؤتمر الثاني في مصوع .. وهذه خطوات كبيرة للامام وللعلنية ولانتزاع حقوق وهامش الحريات في داخل السودان .. فهل يعقل بعد ذلك ان يتراجع الناس مرة اخرى للعمل السري؟ في رأيي ان هذا تراجع غير مقبول ويجب التخلي عنه فورا، وعلى سكرتارية التجمع في الداخل الاعلان عن نفسها وان ترفع صوتها حتى لو ادى هذا الى اعتقالها. ـ هل يعني هذا ان العمل المعارض في الداخل رجع لنقطة الصفر نتيجة للقمع؟ ـ لا .. لا يمكن ان يعود للصفر، فالمكاسب التي انتزعها الشعب السوداني هي مكاسب حقيقية وباقية، ولكن التراجع عنها يؤدي الى عدم الاستفادة منها او من هامش الحريات، يجب ان نناضل من اجل الحلم حتى ولو ادى الى سحب حريتنا مؤقتا. فالموقف الصحيح هو ان يتمسك التجمع الوطني بما حققه من مكاسب ولا يتراجع عنها، وهذا اختبار امام الرأي العام العالمي .. وهل هناك حقيقة هامش الحريات؟ وهل هذا الهامش هو منحة من السلطة ام حق انتزعه الشعب السوداني؟ فلابد لقيادات التجمع في الداخل من الظهور والتمسك بقوتها والقبول بمواجهة المخاطر. ـ هل يمكن ان تضع هيئة قيادة التجمع شرطا للافراج عن سكرتارية التجمع حتى تقبل التفاوض مع النظام؟ ـ لقد طالبت هيئة القيادة في التجمع بتهيئة مناخ للتفاوض، وعدم وجود اعتقالات، والغاء القوانين التي تتيح الاعتقال التحفظي وتعديلات القوانين الامنية ورفع حالة الطواريء وبالطبع مطالبتنا تشمل الا يكون هنالك معتقلين من اي جهة، فما بالك عندما نريد التفاوض ويكون المعتقلون من التجمع نفسه!! واعتقد انه لا يمكن ان يحدث تفاوض ما لم يطلق سراح المعتقلين كجزء من تهيئة مناخ التفاوض. ـ الا يمكن ان ترى ناحية ايجابية او خطوة سليمة قام بها النظام ـ لنقل في الثلاث سنوات الاخيرة ـ الا ترى اي ايجابية من جانب النظام؟ ـ النظام لم يتخذ اي خطوة ايجابية الا بضغط، وليس باختياره او تغييرا لطبيعته. بالعكس كل ما يجد النظام فرصة للتراجع من اي حاجة ايجابية يفعل ذلك. الدليل الاعتقالات، والاستدعاءات، يمكن ان تفهم اعتقال من يمارس نشاطه السياسي بصورة معلنة وتتهمه بانه نشاط ضد قانون الطواريء، ولكن لا يمكن ان نفهم اعتقال اشخاص فقط لمجرد انهم اعضاء في الحزب الشيوعي .. هذا يكشف ان هناك غرضا آخر غير الاعتقال وخطة اخرى. فالاعتقالات التي يمارسها النظام ليست رد فعل لفعل وانما سياسة معينة لمواجهة المعارضة، والنظام ينتهز أي فرصة للتراجع عن اي خطوة ايجابية اجبر عليها، والتراجع يكون لخطوات بعيدة تحتاج لمعارك اخرى لاجباره للتخلي عنها. والمؤسف انه في الوقت الذي يمدد في حالة الطواريء وتعديل قانون امن الدولة توجد جرائم وخلل في النظام مثل الحوادث الاخيرة التي تشهدها البلاد مثل مسجد الجرافة، والانفلات الامني في الشارع السوداني، دون ان تكون هناك اي جدية لمعالجة ذلك، لكن في مواجهة عمل سياسي سلمي دون اي عنف يحدث الاعتقال. ـ مذكرة التفاهم بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي، هل يمكن ان نراها بزاوية جهوية، خاصة بعد سعي د. علي الحاج لضم فصائل جهوية للمذكرة؟! ـ مذكرة التفاهم هي مذكرة في اتجاه توسيع تحالفات، ولا اعتبر المؤتمر الشعبي حزبا جهويا فهو يضم افرادا من جهات عديدة، وفي تقديري ان علي الحاج طيلة ممارساته السياسية ورغم جهويته الواضحة جدا، الا انه مارس سياسة سودانية مركزية، حيث كان يعبر عن حزب يريد بسط نفوذه على السودان بواسطة ناس من كل السودان، بمعنى ان يبسط نفوذه على منطقة شرق السودان بواسطة ناس يأتوا من غرب السودان. بالرغم من ان في داخل اي حزب يمكن ان توجد عناصر جهوية، يمكن ان تؤثر على سياسات الحزب المعين ويتخذ مواقف بعينها الا انه من الصعب لحزب ذي طبيعة مركزية ان يقبل شيئا مثل هذا في داخله باستمرار. فمثلا في الحزب الشيوعي البعض يعملون من مناطقهم واماكنهم وبهذا الشكل يمكن اعتبارهم جهويين، لكنهم ينفذوا السياسة المركزية للحزب مما ينفي عنهم صفة الجهوية .. دون ان ينفي ان للحزب برامج تجاه المناطق المختلفة في السودان لمخاطبة المشاكل الخاصة بكل منطقة .. ولا اظن انه يوجد حزب وطني سوداني لا يملك سياسة معينة مثلا على شرق السودان، او جبال النوبة، او المناطق المختلفة. هنالك احزاب في طبيعتها جهوية لظروف خاصة بها حتى في اماكن متفرقة من دول العالم المتطورة ديمقراطيا نجد احزاباً كهذه لكن الحزب الوطني الذي يسمح بظهور منابر وتكتلات جهوية في داخله لاشك سيؤدي هذا الى انهيار وتشتيت الحزب. ـ وقعت في العامين الاخيرين كثير من الاتفاقات الثنائية بين القوى السياسية السودانية هل تتوقع ان يوقع او ينضم حزب المؤتمر الشعبي للتجمع الوطني الديمقراطي وفق تلك التطورات؟ ـ سيكون بالطبع هناك اختلاف في وجهات نظر احزاب وفصائل التجمع تجاه المؤتمر الشعبي، فالبعض قد يكون لديه رأي في المؤتمر الشعبي والآخر في شخص الترابي نفسه، او مواقف حزبه، ولكن لن يكون هناك اختلاف في اهمية الموضوع، بمعنى من الاهمية وجود مناقشة ووضع وجهة نظر في قضايا مثل هذه ، ولذلك هذا يجعل من المفترض ان تناقش هذه القضية داخل التجمع وطالما لم تحدث اي مشاورات قبل توقيع احد فصائل التجمع لاتفاق مع حزب الترابي، فيجب على الاقل ان تتم المشاورات بعد ذلك وهذا لا يمنع حتى اذا كان لسبب من الاسباب او لمجموعة اسباب التجمع رفض قبول المؤتمر الشعبي في عضويته ان تظل علاقة خاصة موجودة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي. كذلك نفس الشيء بالنسبة للعلاقة بين حزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي او حزب الامة والحزب الشيوعي او بين حزب الامة وأي حزب آخر موجود داخل التجمع، لكن حتى نخرج المسألة من شكل العلاقات الخاصة الى العامة او نمشي الى الامام فنحن نعتقد انه من الاهمية بالنسبة بما يختص بوضع حزب الامة، ان يكون هناك تنفيذ لقرار مؤتمر مصوع للعمل على اعادة حزب الامة الى التجمع، وهذا شيء مختلف عن الاتفاقات المختلفة الثنائية بين اي فصيل داخل التجمع وحزب الامة. كما يجب علاج المشاكل التي تمنع عودة حزب الامة من العودة للتجمع، ومخاطبة تلك المشاكل، ولا اعتقد ان هناك شيئا موضوعيا يمنع الحزب من العودة .. وبالتالي يعود، او يصبح الامر غير ممكن ويصبح حزب الامة خارج التجمع، جار او صديق للتجمع يلتقوا في اشياء ويختلفون في اشياء، وتكون هنالك العلاقات الخاصة بين فصائل التجمع وحزب الامة او اي حزب خارج التجمع، وفي هذا الشكل يمكن ان ينطبق على الحركة الشعبية والمؤتمر الشعبي. وما لم يناقش الموضوع داخل التجمع حول الاسس التي عليها يمكن قبول او رفض لحزب المؤتمر الشعبي، ومن ثم يكون هناك تقديم طلب ويطبق عليه تلك الاسس، يحتاج الامر لمناقشة الامر بطريقتين، الاولى: تنفيذ قرار مؤتمر مصوع في العمل على اعادة حزب الامة الى داخل التجمع، والثانية: اجراء مناقشة داخل التجمع حول الامكانية من عدمها من ناحية مبدئية بأن يقبل المؤتمر الشعبي أم لا. ـ ممكن .. ؟ ـ اذا كانت هناك شروط معينة .. كل الاحزاب في الدنيا ارتكبت اخطاء على تاريخها، حتى الاحزاب الموجودة داخل التجمع الوطني من الممكن ان تكون اخطاء مثل اخطاء المؤتمر الشعبي بالرغم من ان البعض يقول ان الاخطاء التي ارتكبها الترابي لا يمكن غفرانها. ـ وماذا عن تحالف قوى الشعب العاملة؟ ـ والله من ناحية نظرية يمكن ان يفتح المجال، لكن من الناحية العملية هنالك بحور من الدماء بين فصائل التجمع وتحالف قوى الشعب العاملة. ـ ماهي امكانية تحقيق طرح تكوين «التجمع القومي الوطني الديمقراطي». ـ التجمع الوطني الديمقراطي انغرس في قلب ودم الشعب السوداني واصبح جزءا منه ولا يستطيع انسان او فصيل او اي جهة من ان ينتزع ذلك او التفريق بين التجمع والشعب السوداني، ومثلما قلت سابقا ان التجمع هو كذلك ليس لانه يضم الفصائل الكبيرة، ولكنه تجمع لانه يضم الفصائل المهمشة الصغيرة التي تعبر في مجموعها عن الهموم الحقيقية للشعب السوداني. انا أؤكد هنا وجود الحزب الاتحادي الديمقراطي ووجود الحركة الشعبية هو تأكيد لهذه الصفة للتجمع الذي تمثل خريطته خريطة السودان .. ولست محتاجا كل مرة ان اقول بأن وجود الحركة الشعبية والاتحادي الديمقراطي داخل التجمع عن اقتناع، وان الفصائل والقوى الحالية في التجمع تقبل قيادة التجمع عن اقتناع ايضا. بالطبع كل شيء قابل للتغيير، ما عدا وجه ربك ذو الجلال والاكرام، لكن من منظوري الحالي فأرى ان التجمع هو اوسع واكبر واقوى واعمق تحالف حققه الشعب السوداني حتى الآن وسيظل موجودا .. واعتقد ان جماهير حزب الامة وقياداته باستثناء عدد قليل جدا هي مع التجمع، لذا أنا مؤمن بصحة قرار مؤتمر مصوع الذي اتخذ بصورة العمل على اعادة حزب الامة للتجمع، ومهما كانت المشاكل التي ادت الى خروج حزب الامة رسميا من التجمع الا ان جماهيره وقواه الاساسية مع التجمع، ولابد ان يأتي وقت تنظم فيه الامور بصورة تنظيمية، فهي موجودة بصورة سياسية وفكرية، لان مكان حزب الامة الحقيقي في التجمع. وطرح حزب الامة هذا هو محاولات لايجاد بديل «مبلوع» للتجمع، التجمع اسمه التجمع الوطني الديمقراطي اي لكل الوطن .. وهو ليس اختراعا حديثا فمنذ نهاية مايو عندما تكون التجمع الوطني لانقاذ الوطن الذي وقع على ميثاقه في 6 ابريل 85، والحكومة التي تكونت «حكومة الوحدة الوطنية» هي حكومة التجمع الوطني، وعندما حدث الانقلاب لم تكن هناك صعوبة، ولكنه حدث تطوير عميق جدا وادراك بان التجمع كتنظيم وكبرنامج وكصيغة شيء اساسي ومهم حتى لا يتمزق السودان ويحافظ على كيانه. هذا التجمع لن ينتهي مهما بذل الناس لو وضعوا له اسما جديدا او تنظيما موازيا له. بالمناسبة النظام الآن يسعى لتفتيت التجمع وتوجيه كل اساليب القمع ضد التجمع، لان التجمع في الحقيقة هو الشيء العملي الوحيد ببرنامجه وتكوينه وادوات نضاله هو الأمل الوحيد المرتجى للشعب السوداني في ان يصبح حرا ديمقراطيا.