واشنطن بحثت استخدام الاسلحة الكيماوية ضد العراق ، مراسل سي.بي. إس يكشف سر التحرك الجوي الأمريكي الى الخليج في المنعطف السابق من مناقشتنا لهذا الكتاب توقفنا عند اللحظة التي أخذت فيها واشنطن تحرك آلتها الحربية نحو الخليج مع اقتراب القوات العراقية من حدود السعودية. وعندما أصدر كولن باول باعتباره رئيساً لهيئة الاركان المشتركة أوامره تحركت ارمادا جوية هائلة أوشكت ان تملأ السماء فوق المحيط الاطلسي. ولكن باول يشير الى أن أمن تلك العملية بالغة السرية ضاع بالكامل، ففي مساء اليوم الذي أصدرت خلاله أوامري دخل توم كيلي الى مكتبي وقال: «لقد فعلوها ثانية». وعندما يبدأ جسر جوي بهذا الحجم الهائل فلا بد أن تنتشر مئات الرسائل السرية من القوة الجوية 21 الى القوة 22 لتستنفر القواعد، ومخازن الامدادات، ومحطات الاتصال في جميع أنحاء العالم، وهذه الأوامر خرجت من المستويات الدنيا من دون تشفيرها. وقد حدثت هذه الثغرة الامنية في الوقت الذي كان الرئيس يثور غضباً لانكشاف العمليات السرية. ويقول باول: «لقد انفجر غضبي وصحت قائلا: يجب أن تلغي الرسالة اللعينة.. ألغها فوراً» وتساءل توم كيلي: ألغيها؟ هل تريد أن تبدأ هذه العملية الهائلة أم لا؟ وتوقف باول عن الصياح، وطلب من الضابط المسئول عن الصحافة فحص نشرات الأخبار والصحف راجيا الا يكون أحد الصحافيين موجوداً في إحدى القواعد الجوية الاساسية، ولكن مراسلا نشيطا في البنتاجون يعمل لحساب محطة سي.بي.إس ويدعى لايف مارتن، نشر الامر وكان ذلك شيئا محرجا، مع ذلك فقد كتمت اضطرابي، ذلك ان الاحتفاظ بسرية تحرك هائلة لمدة طويلة، امر يتجاوز المستحيل. يمضي باول في سرد قصة بداية التحرك العسكري الامريكي فيقول ان اوامره لقيادة النقل الجوي صدرت في 6 اغسطس في الساعة 8.45 مساء، وفي صباح اليوم التالي، في الساعة 9.45 صباحا انطلقت اول طائرة مشحونة من طراز سي ـ 141 من قاعدة تشارلستون الجوية في جنوب كارولينا. وقد علمنا من تقديرات وكالة المخابرات المركزية ان لدى العراقيين ألف طن على الأقل من المواد الكيماوية. المواجهة .. بالكيماوي يعترف باول بأن الامريكيين فكروا في استخدام الاسلحة الكيماوية، ولكنه يقول انهم استبعدوا الفكرة. ويقول في كتابه: «كنا قادرين على مواجهة الخطر الكيماوي العراقي، فقد كانت قواتنا مزودة بملابس الحرب الكيماوية وأجهزة لاكتشاف المواد الكيماوية والتحذير منها. وفي المعركة كان علينا ان نتحرك بسرعة في الصحراء المفتوحة، لا أن نقع في مصيدة كما قد يفعل المدنيون. وقد يكون هجوم كيميائي مجرد أزمة علاقات عام، ولكنه لن يكون كارثة في ميدان القتال. وكان السؤال الذي ظل يقلقنا هو: كيف نتصرف إزاء مقدرة العراق البيولوجية؟ وفي مساء يوم 14 أغسطس جمع باول الفريق المسئول عن رسوم الجرافيك وقال لهم: «اسمعوا أنا لست ذاهبا لاقدم تقريراً للجنرالات، بل سأذهب لاخاطب القادة السياسيين، لذلك اجعلوا الامر سهلا فأنا لا أريد مجموعة خرائط.. أريد خارطة واحدة». ويقول باول: «في اليوم التالي كان مقررا أن يأتي الرئيس بوش الى البنتاجون ليستمع الى تقرير من رؤساء الاركان ثم يلقي كلمة. وأردت انتهاز الفرصة لاطرح عليه جدولا لتعزيز القوات في الاسابيع المقبلة ليكون على علم بالقرارات التي قد نحتاج اليها منه في لحظات حاسمة. وكنت قد ذهبت في اليوم السابق لمقابلة شوارزكوف، فوجدته قلقاً، وبادرني قائلا: اريد أن أعرف أين سنتجه بهذه العملية اللعينة؟» وكنت متفهما لما انتابه من شعور بالقلق ذلك انه كقائد مناوب، على وشك التوجه الى السعودية ليقود قوات وسفنا وطائرات، ويريد تلقي تعليمات واضحة. وكانت الاجابات لدي جاهزة لكنني كنت محتاجاً لتمهيد المسرح للرئيس لتقديمها بنفسه». زرع الأفكار يكشف حديث باول كيف يزرع العسكريون افكارهم في رؤوس الرؤساء الامريكيين. وامامنا مثل شديد الوضوح في السطور التي كتبها عن الاجتماع الذي حضره الرئيس الاسبق بوش مع العسكريين في البنتاجون. ويشرح باول كيف احضر الفنيون الخريطة المبسطة التي طلبها منهم وكانت تتضمن خطاً واحداً رأسياً يبين تزايد القوات العسكرية، بينما بين الخط الثاني الأفقي عدد الاسابيع حتى شهر ديسمبر. ويقول باول صراحة في كتابه: «كان هدفي أن أزرع خطا زمنياً في عقل الرئيس ليعرف متى عليه ان يعطينا موافقته للوصول بحجم القوات الى مستوى معين». وقد رتب تشيني لاجتماع في مكتبه ضم جورج بوش وتشيني وسكوكروفت وسنونو وباول. وجلس الجميع حول مائدة مستديرة، ووضع كولن باول خارطته امامهم قائلا: «السيد الرئيس، سأوضح لك كيف تسير عملية حشد القوات» واشار باول الى تاريخ يوم الاجتماع المثبت على الخارطة وقال: «حتى هذه اللحظة لدينا تقريبا ثلاثون الف جندي في السعودية. ومهمتنا الحالية هي الردع والدفاع عن المملكة.. وخلال اسبوعين سنكون قد أتممنا عملية الحشد الكفيلة بالردع، ويجب ان تكون لدينا قوة تكفي لثني العراق عن شن هجوم اذا كان يفكر في ذلك. واذا ظلت القوات والمعدات في التدفق فقد نتحرك من مرحلة الردع الى مرحلة الدفاع في أوائل سبتمبر، وبحلول 5 ديسمبر سوف تصل قواتنا الى 184 الف رجل وبذلك لن يكون هناك شك في قدرتنا على الدفاع عن السعودية». واخذ بوش ينصت باهتمام، بينما اخذ باول ينتقل به من عملية الى عملية موضحاً تكاليفها قائلا انها ستكون 1.2 مليار دولار حتى 30 سبتمبر، وملياراً شهرياً بعد ذلك. وقال باول مخاطباً الرئيس الامريكي: «إذا ظل ايقاعنا بهذه السرعة الحالية فإن الامر قد يحتاج الى ان تصدر اوامرك باستدعاء قوات الاحتياطي، وقد يستدعي الامر ذلك خلال نحو أسبوع.. ان هذا الاستدعاء يعني سحب الناس من وظائفهم، وسيؤثر ذلك على الاعمال. ومعنى ذلك ايضا تمزيق ألوف العائلات، وهذا قرار سياسي كبير. كذلك سوف يقتضي الأمر في القريب العاجل تنفيذ خطة طواريء تسمى خطة الأسطول الجوي المدني الاحتياطي والتي تعني تحويل الطائرات التجارية الى الخدمة العسكرية». وكان مجلس الامن الدولي قد صوت بالاجماع قبل ستة ايام على فرض حظر تجاري ضد العراق، وقد شجع ذلك القرار كولن باول على ان يخاطب بوش قائلا: «اذا كان هدفك هو فقط الدفاع عن السعودية والاعتماد على العقوبات للضغط على العراق لمغادرة الكويت، فإننا يمكن ان نوقف تدفق قواتنا ربما في يوم ما من شهر اكتوبر». وهز بوش رأسه وقال انه لا يعلم اذا كانت العقوبات سوف تفعل فعلها في زمن مناسب. ويقول باول إنه اذا كان بوش يفكر في اخراج العراقيين من الكويت، على افتراض فشل المفاوضات أو العقوبات، فإنه في حالة لأن يعرف ذلك خلال شهر أكتوبر، حتى يستمر في حشد القوات بدلا من سحبها، وتوجه باول الى رئيسه قائلا: «إذا كنا سنقوم بطرد العراقيين من الكويت، فهل يكون الهدف هو تحرير الكويت فحسب أو تدمير قدراته على القتال الى مستوى معين؟ ذلك ان كل خيار يتطلب مستوى مختلفا من القوة، كما يؤثر على الجدول الزمني». ويذكر باول انه اوضح انه لا يتوقع قرارات فورية وان امام الرئيس الوقت الكافي لكي يصل الى قرار، ثم يتحدث باول عما دار في ذهنه من تساؤلات حيث أخذ يسأل نفسه: هل نريد ان نذهب الى ما وراء الكويت.. إلى بغداد؟ وهل سنحاول اسقاط الرئيس العراقي وإلى أي مدى نريد اضعاف العراق؟ ويضيف باول ان بوش شكرهم على تقاريرهم وتوجه الى مدخل البنتاجون حيث اقام فريق البيت الابيض منصة للخطابة خلال الليل، وتجمع عدد كبير من موظفي البنتاجون. وتحدث بوش فشكر كل فرد منهم على انجاز الاستعدادات اللازمة ثم اسفر بعد ذلك عن هدفه قائلا انه «انسحاب جميع القوات العراقية من الكويت انسحاباً كاملاً وفوريا وغير مشروط واعادة الحكومة الكويتية الشرعية». ويقول باول انه تبادل النظرات مع شوارزكوف، إذ كان واضحا لهما ان الرئيس بوش لا ينوي الانتظار طويلاً حتى تفعل العقوبات فعلها. هل تريد التورط؟ يتضح من السيرة الذاتية لباول ان ديك تشيني وزير الدفاع الامريكي لم يكن مقتنعا بان القوات الامريكية التي كانت قد حشدت ذلك الوقت تكفي لصد أي هجوم عراقي. ويبدو شكه ذاك في رواية كولن باول لما دار بينهما عبر خط هاتفي مغلق، بينما كان تشيني يطير الى الرياض يوم 17 اغسطس لاجراء مزيد من المشاورات مع المسئولين السعوديين، يقول باول «اتصل بي تشيني في منزلي من طائرته، وكان واضحا انه يشعر بالقلق، وقال لي: لدينا هناك عدد قليل من المظليين وسرب واحد من الطائرات أو ما يقارب ذلك. فقلت له: أعرف ذلك، ولكن تدفق القوات مستمر. قال تشيني: ليس لدينا من القوة بعد ما يكفي لوقف أي شخص. واعتقد أن كل ما نفعله هو استفزاز العراق ودفعه الى غزو السعودية، ولايوجد في يدنا شيء نستطيع عمله». وحاول كولن ان يطمئنه فقال له: أتذكر ما قلته للجميع منذ البداية؟ لقد قلت ان علينا ان نبعث بعض الرجال والمعدات كإشارة للعراق الى نوايانا، انه لا يريد محاربة الولايات المتحدة.. انا متأكد من ذلك، وهذا هو سبب ارسال تلك القوة المبكرة الى هناك، وهذا هو الردع الحقيقي.. ان نضع العلم الامريكي في الصحراء قائلين: ليكن.. هل تريد أن تتورط معنا؟! وعلق وزير الدفاع قائلا: «ولكن إذا تحرك العراق فلن نستطيع حماية السعودية.. الآن على الاقل» وقال له باول: «لو كان العراقيون يريدون غزو السعودية لكانوا قد فعلوها الآن.. وتذكر ان العراق لم يحاول ان يتوسع من قبل، فقد كان يعمل دائما ضمن خطوط اتصال داخلية.. ضد ايران بجوار حدوده، وضد الكويت الآن، اما حقول النفط السعودية فهي شيء آخر بعيد، كما أنه لم يدفع بقواته من قبل إلى مثل تلك المسافة البعيدة في صحراء مكشوفة ومعادية». ويروي باول انه ظل يطمئن وزير الدفاع تشيني مدة عشرين دقيقة على الاقل» ثم يمضي باول قائلا: «لقد أصبح للعملية في الخليج اسم الآن، وقد طرح مساعدو شوارزكوف وأنا عدة اسماء، وظهرت صورة الدرع في أذهاننا مبكراً مثل: «درع شبه الجزيرة».. ولكنه ليس جيداً، ثم اسم: «درع الهلال» ولكنه بدا ذا طابع عربي جدا.. وأخيرا استقر الأمر على اسم اعتقدنا جميعاً انه مناسب، ووافق تشيني عليه، وبهذا أصبحت عملية التعبئة في رمال السعودية، للدفاع عن المملكة تحمل اسم «درع الصحراء» وعندما بدأنا في تطوير الخيار الهجومي إلى جانب المرحلة الدفاعية، تحدثنا أنا وشوارزكوف عن كيفية التفرقة بين العمليتين، هل نسمي الثانية «درع الصحراء ـ المرحلة الثانية»؟ ولكن شوارزكوف اقترح اسم «عاصفة الصحراء» ووافق الجميع على ذلك. وكان شوارزكوف في ذلك الوقت قد جعل مركز قيادته في مبنى وزارة الدفاع في مدينة الرياض، وبحلول شهر سبتمبر أخذ الحشد يبلغ حجماً هائلاً، وكانت هناك عشرات الألوف من الجنود الجاهزين في منطقة الخليج أو في الطريق إليها، قادمين من المطارات والموانئ من جميع الولايات المتحدة، وسمح الرئيس باستدعاء 200 ألف من جنود الاحتياط ورجال الحرس، وتطوع كثير منهم حتى قبل الاستدعاء، ولم نكن نستطيع الذهاب إلى الحرب بدون هؤلاء الرجال، كما يذكر باول. وكانت أربع حاملات طائرات ومجموعتها القتالية على وشك ان تكون في مواقعها بعد قليل مع دعمها بمدمرات وغواصات تحمل صواريخ كروز، وتم تشغيل سفن نقل كانت راكدة لمدة طويلة، وأخذت مئات الطائرات المقاتلة والقاذفة وطائرات الشحن تذرع شبه الجزيرة العربية بحثاً عن أماكن تهبط فيها، وكانت كتيبة المشاة الخفيفة التابعة للفرقة 82 المحمولة جواً وقوة الحملة البحرية الأولى على وشك أن تنضم إليها تشكيلات مدرعة من فرقة المشاة الرابعة والعشرين التي أبحرت من جورجيا، وفرقة الفرسان من تكساس، وكان من اللازم بناء قواعد ضخمة في المملكة العربية السعودية لاستقبال ذلك الفيضان من القوات والمعدات. الرعد الفوري الغريب ان الجنرال باول وهو في ذلك الوقت رئيس هيئة رؤساء الأركان المشتركة للقوات المسلحة للولايات المتحدة، يبعث بكل هذا الحشد المخيف من آلة الحرب الأمريكية براً وبحراً وجواً ثم يتساءل بعد ذلك في كتابه قائلاً: «في تلك المرحلة المبكرة كنا لا نزال لا نعرف على وجه التحديد ما إذا كان الرئيس بوش سوف يلجأ إلى الحرب للوفاء بما كان قد تعهد به من قبل إذ قال عن الغزو العراقي للكويت: «لن يستمر هذا الوضع» ثم يردف باول قوله: «على الرغم من ذلك فقد كانت لدينا استراتيجيات لمواجهة الأمر وجاهزة لكل خيار، ويتحدث باول عن خطة اقترحها الكولونيل جون واردن الذي وصفه بأنه قائد جوي ذكي وفي مقدمة المفكرين والمثقفين في السلاح الجوي، وهو على دراية جيدة باستخدام القوة الجوية، وكانت هذه الخطة تحمل اسم «الرعد الفوري» وقد اقترح هذا الكولونيل واردن مهاجمة العمق العراقي داخل العراق وتدمير منشآت القيادة والسيطرة ونظم المواصلات ومنشآت الانتاج والتخزين، وشبكات الدفاع الجوي ويقول باول: لقد تأثرت جدا بهذه الخطة التي يمكن ان تدمر وتشل النظام العراقي بقسوة، ولكن ما زلنا أيضا نحتاج إلى خطة جوية تساعدنا على طرد العراق من الكويت ـ وطلبنا شوارزكوف وأنا ـ من واردن توسيع خطته الاستراتيجية لكي تشمل توجيه ضربات تكتيكية ضد الجيش العراقي المنتشر في الكويت، وتوجه واردن إلى السعودية وبدأ العمل مباشرة مع اثنين من جنرالات السلاح الجوي الأمريكي، وقد خضعت خطته الأصلية لكثير من المناقشة وأجريت عليها تعديلات كثيرة، ونوقشت الأهداف، ولكن جوهر الخطة بقي كما هو بالنسبة للحرب الجوية لعاصفة الصحراء، وشكل شوارزكوف فريقاً للتخطيط البري معادلاً لخطة واردن من عدد من أبرز ضباط الجيش برتبة لفتنانت كولونيل لوضع خطة لهجوم أرضي لطرد الجيش العراقي خارج الكويت. وفي أول سبتمبر ذهب كولن باول إلى مدريد لحضور اجتماع لحلف شمال الأطلسي، وقرر ان يقوم برحلة إلى السعودية فوصل إلى مطار الرياض يوم 12 سبتمبر حيث قام بجولة سريعة تفقد فيها القوات الأمريكية البرية والجوية، كما زار بعض القطع البحرية، ثم يقول باول ان الروح المعنوية لجنوده كانت عالية في تلك المرحلة المبكرة، ولكن الصحراء شيء صعب بالنسبة للعالم الغربي، والحياة فيها كما يقول باول صارمة في ظل الأوضاع التي لم يتعود عليها الجنود الأمريكيون. أسطورة صهر الجيوش يقول باول انه شهد أثناء وجوده في السعودية بدايات حشد هائل للقوة، إذ كان حلفاؤنا قد بدأوا في الوصول فجاء البريطانيون أولاً ثم قوات دول الخليج، ففرنسا وكندا وإيطاليا ومصر وسوريا وغيرهم حتى وصل عدد الدول إلى ثمان وعشرين دولة، ويروي باول في كتابه أنهم في حلف شمال الأطلسي كانوا يخططون لمثل هذا النوع من الحرب واسعة النطاق، ولكنهم افترضوا ان القتال سوف يدور بين التلال والغابات وضد العدو السوفييتي، وليس عبر كثبان الرمال وضد خصم عربي، ويقول باول: ان قيادة قوات متعددة مثل هذه القوات المتحالفة كانت تمثل تحديا يختلف عما واجهه الجنرال ايزنهاور كقائد أعلى لقوات الحلفاء في أوروبا في الحرب العالمية الثانية، ذلك ان كل دولة اشتركت قواتها في الخليج كانت تريد تأكيدات حول كيفية استخدام قواتها، ومن المؤكد ان أكبر انجاز أحرزه شوارزكوف هو قدرته غير العادية على صهر تلك الجيوش في قوة مقاتلة واحدة من دون إغضاب عشرات من رؤساء تلك الدول، كذلك كان هذا القائد العسكري بارعاً في التعامل مع مضيفيه العرب، فقد عاش في المنطقة عندما كان ضابطاً شاباً، وكان دارساً جادا للثقافة العربية، وقد عين الأمير خالد بن سلطان قائداً للقوات العربية، وكان التعاون بينه وبين شوارزكوف وثيقاً. وبعد أن يسرد باول تفاصيل كثيرة يصل إلى يوم 24 سبتمبر، حيث أخذ يشعر بشيء ما يضايقه في الموقف، فتوجه إلى وزير الدفاع الأمريكي ليقول له: ان الرئيس فقد صبره بالفعل، فقد ظل يسأل: هل لا نستطيع إخراج العراقيين من الكويت بالغارات الجوية؟ وأجابه تشيني قائلاً: بالفعل انه يحس بأن الوقت يضيع منه، ويقول باول انه وتشيني كانا يتفهمان سبب قلق بوش رغم انه كان قد أخبره يوم 15 أغسطس السابق انه حتى يوم ما من شهر اكتوبر يستطيع ان يختار بين استمرار العقوبات أو الحرب، وكان جورج بوش قد استثمر رأسمال سياسياً ضخماً في عملية درع الصحراء ، وتوقفت ادارته تقريبا عن إدارة الشئون الداخلية، إذ أن الموقف في الخليج استولى على اهتمامه، ولم يكن يعتقد انه يستطيع ان يبقي على الائتلاف الدولي متماسكاً إلى مالا نهاية.