ما أن تبدأ تباشير فصل الصيف الحاد تلوح في أفق سماء محافظة عدن الساحلية، حتى يعود مسلسل «الانقطاعات الدائمة» الى الظهور أو كما يسميه السكان هنا ـ من باب السخرية ـ بمسلسل «طفي لصي»! الحياة في عدن لا تطاق وبالأخص في فصل الصيف، فالسكان أمام طريقين كليهما صعب بل صعب جداً، فالحر الشديد من أمامهم وانقطاعات التيار المتواصل من خلفهم.. فإلى أين المفر؟ جرم الطيور أعلنت المؤسسة العامة للكهرباء فرع عدن قبل أيام حالة الاستنفار القصوى في أوساط فنييها وعمالها وذلك استعداداً لمواجهة موجة الصيف الحار التي تزيد من لهيب جو عدن، اشتعالاً بشكل لا يطاق، وتفادياً لأية انقطاعات تزيد الطين بلة، وهي العادة التي دأبت عليها المؤسسة تحت ذرائع شتى في السنوات الماضية.. وتتلخص هذه الذرائع والأسباب في ارتفاع نسبة الرطوبة في عدن بحكم قربها من البحر، وتأثير الرطوبة المرتفعة على خطوط الكهرباء الهوائية، وثانياً بسبب العجز في الطاقة، حيث أن مقدار الطاقة المتوفرة بعدن (150 ميجاوات) من أصل 217 محطة منها 110 ميجاوات توفرها محطة «الحسوة» الكهروحرارية التي أنشئت عام 82 بمساعدة الاتحاد السوفييتي «السابق»، والباقي توفره محطتي «المنصورة» و«خورمكسر» اللتين مضى عليهما ما بين 20 ـ 25 عاماً وبحاجة الى اعادة تأهيل لرفع الجاهزية، في حين تقدر نسبة الطاقة المطلوبة للمدينة (170) ميجاوات، ويزيد هذا المقدار مع اشتداد فصل الصيف خاصة في حالة حدوث عطب أو خروج أحد المولدات عن الجاهزية، وثالثاً بسبب ربط بعض المواطنين العشوائي للتيار من الخط الرئيسي وإيصاله الى منازلهم ومحلاتهم بطريقة غير مشروعة تحرم بقية المشتركين من انتظام التيار، ورابعاً لجوء بعض المشتركين الى التحايل بوضع قطعة من المغناطيس على العدادات أو إيصال سلك الى العداد يحول دون تدوين مقدار الاستهلاك الفعلي، وطرق التحايل عديدة تؤدي جميعها إلى إرباك في مقدار الطاقة الفعلية في المدينة.. ومن الذرائع والأسباب أيضاً بناء الطيور لأعشاشها على الأعمدة الكهربائية وتحديداً في فصل الصيف وما ينجم عن ذلك من حدوث بعض الأعطاب والانقطاعات، وكذلك البناء العشوائي للمنازل وبالذات في المناطق الشعبية كمنطقة «الممدارة» و«الدرين» و«الشيخ الدويل» وغيرها بالاضافة الى الزحف العمراني الواسع.. الى ما هناك من ذرائع وأسباب. والمواطن المتتبع لتصريحات وأحاديث قيادة المؤسسة العامة للكهرباء بعدن ومساعيها الحالية لتفادي أي اختلالات، ربما تنشأ في موسم الصيف الذي بدأت تباشيره تلوح في أفق المدينة، يشعر بشيء من التفاؤل في إصلاح ما خربه دهر الاهمال وخربته الأيدي العشوائية وأعشاش الطيور. يؤكد مدير عام فرع المؤسسة بعدن المهندس أحمد الصافي بالقول إن المؤسسة قامت بإنجاز بعض المشاريع العاجلة استعداداً لمتطلبات فصل الصيف ولأجل تفادي أي اختلالات قادمة وكذلك لتخفيف الانقطاعات في التيار الكهربائي خلال هذا العام 2001، حيث سارعت المؤسسة باستبدال بعض المحولات في عدد من المناطق لتواكب زيادة الاحمال في تلك المناطق، بالاضافة الى عمليات الصيانة الطارئة والدورية التي تتم للشبكة والخطوط الهوائية مرتين كل عام، تبدأ الأولى قبل دخول الصيف والثانية في أكتوبر بعد انتهاء موسم الرياح والأتربة، الى جانب ان لدى المؤسسة بعض الاعمال التي في طريقها للتنفيذ بمجرد وصول الكابلات الخاصة بالاعمال الميدانية من الخارج. ولا تقف جهود المؤسسة عند ذلك الحد، بل هناك عدد من المشاريع الهادفة عموماً الى تقديم خدمات افضل للمستهلكين وعلى مدار العام، فقد تم وضع حجر الأساس لمشروع «خط 132 كيلوفولت» في مطلع العام الحالي، ويقوم الخط ما بين محطة «الحسوة» التوليدية الرئيسية مروراً بمنطقة خورمكسر ووصولاً الى منطقة العريش، ويبلغ طوله حوالى «17» كيلومتراً، كما تعمل المؤسسة هذا العام على استكمال مشروع «الطاقة الثالث» ومد روافد جديد للشبكة القائمة من المحطات التي تم انشاؤها ضمن هذا المشروع الأخير الذي تبلغ نسبة انجازه حتى منتصف الشهر المنصرم ـ مارس ـ 90% وتتمثل في تأمين التيار لعدد من المناطق وخصوصاً كريتر والمنصورة وخورمكسر.. والسؤال هنا: ماذا عن بقية المناطق في عدن وبقية نسبة العجز في الطاقة؟ أوضاع صعبة هناك من يرى أن جهود فرع المؤسسة بعدن رغم أهميتها وفائدتها الجزئية إلا انها تتسم بسياسة الترقيع وتفتقر للتخطيط السليم، يقول المهندس أحمد محمد إن قيادة الفرع تعتمد في معالجة الاختلالات والانقطاعات المتكررة بل والدائمة على أسلوب الترقيع، فهي تصلح محطة هنا وتهمل محطة هناك وعند حدوث خلل في الأخيرة تهتم به فيما تهمل الأولى وهكذا، ثم أن خطط الانشاءات والبلديات والإسكان في واد وخطة المؤسسة في واد آخر، فالتوسع العمراني الزاحف بشراهة يكاد بعيداً عن بال وخطط المؤسسة، ثم أن تغطية النقص عبر المنظومة الوطنية الموحدة ليس كافياً، فالتغطية تتم على حساب سكان المحافظات والمناطق الأخرى يعانون هم من الانقطاعات وأزمة في الطاقة، كما أن نفقات الدولة على الطاقة ومنها الكهرباء في تدن واضح، فقد انخفضت النفقات من 7.99% عام 96 الى 2.70% عام 98.