بين الاعتراف بالمجاعة والاختلاف في تفسيراتها وقع الفأس في الرأس وتكسرت مرآة الريف ومناطق شتى في السودان فانعكست صور شتى للمعاناة تمثل المجاعة (حقيقة) والفجوة الغذائية (تأدبا) وصلت مراحل قساوتها، الى درجة (الادمان) التي اجبرت المعنيين اخيرا الى توزيع الغلال مجانا في ولايات بعينها اعادت الى الاذهان فصول مأساة حلت بها مطلع الثمانينيات حينما داهمت العاصمة الخرطوم وفي منطقة المويلح غربي ام درمان جيوش الجوعى الحفاة مستجيرة بالحضر الذي ساهمت بتوفير اسباب الحياة فيه. وفضل من اثر البقاء تملؤه رغم مرارة الحرمان عزة النفس وكبرياء الشموخ يتكيء على ما جادت به خزائن العالم من اغاثات واغطية شهد على توزيعها في ذلك الوقت نائب الرئيس الامريكي حينذاك رونالد ريجان، جورج بوش الاب الذي شارك النازحين في معسكراتهم مأساتهم التي البستهم الجدب والحاجة. حدث ذلك لأن من كان على سدة الحكم غفل او تعمد الغفلة بدفن الرؤوس في الرمال بعدم الاعلان عن تردي الاوضاع التي تفجرت وذاع خبرها وعم القرى والحضر وصار كونيا. تقاطرت الاغاثات من كل حدب وصوب لنجدة الملهوفين الذين اثر بعضهم البقاء في الحضر فيما بعد بينما عاد جلهم ادراجه حيث مراتع الصبا التي تشهد الآن نفس الفصول المأساوية بكل احداثها والامها. ويتكرر الشريط ويبدو وكأنه نسخة منقحة لمواكبة الالفية الثالثة؟ فعلى الرغم من صرخات اتحادات المزارعين في دارفور وكردفان الباكرة بضرورة تدارك الموقف البائن قبل فوات الاوان لاسباب اجتمعت لتظهره جليا وبحجمه المأساوي المتفجر الآن اذ اضطر المواطنون معه في تلك المناطق قسرا للتخلص من مواشيهم بعد ان غاب العشب عن ساحاتهم بفعل الجفاف الناتج من قلة هطول الامطار وانعكس ذلك بدوره على المحاصيل التي قلت وندرت الى مرحلة العدم.. هذه المسألة صارت مطروحة وبعنف في اكثر من صعيد .. ومع ذلك ابدى القائمون على الامر استعدادا محمودا لتطويق ما اسموه بالفجوة الغذائية وما اعتبره ماسكو الجمر مجاعة حقيقية فاعلنوا في سبيل التطمين انهم على درجة عالية من القدرة والامكانيات للسيطرة على الاوضاع وان ما يذاع وما يتناقل في هذا القبيل مبالغ فيه وان الانتاج اذا لم يكن كافيا للتغطية ففي المال وسع. لكن العالم ووفق تقارير ميدانية اعدتها منظماته وبرامجه العاملة في مجال الغذاء ورصد فجواته اقر ان الملايين في عدد من ولايات السودان وخاصة دارفور وكردفان وشمال النيل الابيض وولايات الجنوب في حاجة ملحة الى الغذاء بسبب الجفاف والنزوح بفعل الحرب وويلاتها وحذر من ان تجاهل الامر يؤدي الى مالا تحمد عقباه وهنا نهض المعنيون يفندون الحجج والدعاوى كأن المخاطب يرفل في حلل النعيم والسعادة في الوقت الذي كان فيه اصحاب الوجعة يستعدون للرحيل والزحف نحو الحضر لحاقا بمن فطن مبكرا لوقع السهام اذ ان الامر بات واضحا في ناظريهم اما البقاء مع اسوأ الاحتمالات او ان ينجوا بجلدوهم هربا من الجوع وكفره. وتتابع الحديث والتحذيرات من الداخل والخارج بالتطويق وسط زخم التقارير التي كشفت ان هناك من لا يملك ما يوفر له قوت يومه وانه اذا وصل الغذاء الى هناك فليس بمقدور الكثيرين الشراء وبالتالي اما ان يصلهم مجانا واما ان يترك اولئك الغلابة يضربون في خشاش الارض هائمين على وجوههم. ومع الاقرار بالنقص في الغذاء لجملة اسباب سلفت الاشارة اليها الا ان عدم الاعلان عنه صراحة دفع المانحين الى التراخي في المدد الامر الذي عده القائمون شكلا من الضغط السياسي يتجاوز بوضعه هذا مسألة تقديم المساعدات. لكن حينما يلح برنامج الغذاء العالمي ويصر ان عدة مناطق بالسودان مهددة بخطر المجاعة وان حاجتها العاجلة للغذاء تقدر باكثر من مئة مليون دولار يبرز حجم المأساة التي صارت ملهاة صناعة امام وقائع القاصي والداني على دراية بها، تصبح المسألة غير قابلة للتجاهل او التستر عليها. واخيرا تحت وطأة الجوع وملحقاته وملاحقة البيانات والتقارير المتتابعة اذعنت وزارة المالية لحقيقة الاوضاع المتفاقمة بدار فور التي عكسها خلال الايام الماضية وفد يمثل الهيئة الشعبية لتنمية دارفور لوزير المالية عبدالرحيم حمدي بحضور المفوض العام لمفوضية العون الانساني دكتور سلاف الدين صالح ومدير جهاز المخزون الاستراتيجي وتمخض اللقاء عن توجيه اصدرته المالية يحكى عن ابعاد المأساة وحقيقتها اذ وجهت بتوزيع تسعة الاف جوال من الذرة وتسعة الاف طن اخرى من القمح مجانا للفئات الاكثر تضررا بولايات دارفور الثالث كما وجهت كذلك بتوزيع ستة الاف طن من القمح لولايات كردفان. د. سلاف الدين صالح من جهته اتبع خطوة المالية باعلانه ان هذه الكميات تعتبر دفعة اولى وان هناك بواخر تحمل 90 الف طن من القمح ستصل تباعا حتى نهاية مايو المقبل. بعين على الوضع المأساوي الماثل واخرى على درء اثار المسألة على المدى البعيد ناشدت الهيئة الشعبية الجهات الرسمية والشعبية بضرورة الالتزام بايصال هذه المنحة الى مستحقيها على جناح السرعة فيما تعد هي العدة لانطلاق نفيرها القومي لدرء اثار الجفاف بغرب السودان وهو اتجاه ينبغي ان يجد الدعم والمساندة من كل الجادين والمعنيين في وقت اعلنت فيه الدولة ان الزراعة هي اولوية اولوياتها وركيزتها الاساسية في مسيرة بنائها. وتبقى مسألة الحوجة او طلب الغوث والمساعدة من الآخرين عرفا واحدى الثوابت الدولية التي لاحرج في الصدع بها ومن هنا فان الامر اذا كان مقدورا عليه فلا داعي الى دق طبول الهلع بما يمكن وضعه في خانة القرض وبالتالي رهن المساعدات وتقديمها بالاعلان عنه وفضحه وهذا ما تميز به الموقف الرسمي للخرطوم التي تمسكت بقدرتها على السيطرة على المسألة وفسرت تمنع المانحين بانه شبيه بالضغوط السياسية وتعد خطوة توزيع الاف الاطنان من الغلال مجانا على المناطق الاكثر تضررا اشارة على الاحاطة بجوانب المسألة تحسب لصالح ولاة الامر اذا كان منطلقهم من ارضية ثابتة . اما اذا كان ما حملته تقارير المنظمات هو عين الحقيقة وان تراخي المانحين مرده الى عدم اعتراف القائمين بحجم المحنة فان الحريق سيعم كل الاركان بهبوب العواصف التي سيكبحها ويصدها الاعلان الواضح عنها ان المجاعة او ان شئت فجوة الغذاء لان العالم لن يقف مكتوف الايدي ليتفرج على اناس منوط ببلدهم توفير الغذاء له ضمن قطرين اخرين، ثم لاحرج في ذلك ولا داعي لدفن الرؤوس في الرمال وان كان في التوزيع بالمجان مايدعو الى اعادة ترتيب فصول المسألة في الاذهان، حتى لا يقف الاخذ والرد عند نقطة (ليس في الامكان احسن مما كان).