بعض العاملين في الخدمة المدنية يعتقدون ان الوحدات الادارية التي ينتمون اليها امبراطوريات خاصة بهم، وهم (اباطرة)، لهم الحق في التصرف فيها كيفما يشاءون، ويسخرون آلياتها والعاملين ، فيها لاهداف بعيدة كل البعد عن مصالح العمل ومصلحة المواطنين!! .. يهيمنون على كل شيء، حتى في مصير (الموظفين المقهورين) وترقياتهم، ضاربين بقوانين ولوائح النظام الاداري عرض الحائط، وفي نفس الوقت يغدقون على بطانتهم من صغار الموظفين الذين يدورون في فلكهم، ببعض الفتات ونصيب من الحظوة!! امثال هؤلاء، خطر ساحق زلزل اركان الخدمة المدنية واصابها في مقتل!! فبسبب (الشللية)، او الانتماء للامبراطورية، والخصومات، وتصفية الحسابات الشخصية، انتشرت في بعض دواوين الخدمة المدنية (سياسة لي الذراع)، واساليب (القهر الاداري)، هذه السياسات تسببت في الحاق الدمار بالنظام الاداري في بلادنا، وعصفت به عصفا، وعد احد اسباب وعوامل تشريد او هجرة اكفأ العناصر الادارية المقتدرة في الخدمة العامة، بعضهم اجبر مكرها على الاستقالة، والبعض الآخر رفض مثل هذه الممارسات فانسحب في هدوء! الانتحار الوظيفي من الامراض الخطيرة التي علقت بجسد الخدمة المدنية، واصابته بالوهن، ان الموظف المختلس اصبح في كثير من الاحيان يكافأ على جريمته بنهبه للمال العالم، بنقله الى وظيفة اخرى في وحدة حكومية اخرى، بدلا من نقله الى السجن! في السابق، وعندما كانت الخدمة المدنية في اوج قوتها، كان الاختلاس بالنسبة لموظف الحكومة يعني (الانتحار الوظيفي)، ولا يتم اعادة تعيينه مرة اخرى في اية مصلحة حكومية مهما قل شأنها .. وكان النظام القديم المعروف بنظام (الكارديكس) يضبط ويحسم هذه المسألة، بحيث لا يتم تعيين اي موظف دولة تجرأ ومد يده لمال الشعب! ومن المفارقات الغريبة في مجال الخدمة المدنية، تلك التي تتعلق بالاجور، فتجد مثلا اثنين من الموظفين متساويين في الدرجة الوظيفية وطبيعتها، الاان احدهما يتقاضى مرتبا اعلى من الثاني، ليس عن جدارة او استحقاق، فقط لانه احد اعضاء الحاشية المقربين لاحد اباطرة الخدمة المدنية! ومن الامراض الخطيرة الاخرى التي تفشت في جسد الخدمة المدنية (القفز بالزانة) او (الوثب الوظيفي العالي)! هذه الممارسة تسببت هي الاخرى في قهر الموظفين الشرفاء الاكفاء الذين منعتهم اخلاقهم وكرامتهم من ارتياد مثل هذا المسلك والانحناء له، لكونه يقوم على الظلم والتجني على حقوق الزملاء!! وفي هذا الشأن ذكر لي احد خبراء الخدمة العامة ان (هناك خللا واضحا في تقويم الاداء في الخدمة المدنية، ويجب الاسراع في تصحيحه قبل فوات الاوان). مزاد علني اجتمع والي سابق بكبار موظفيه وطلب منهم عدم صرف مرتباتهم الا بعد ان يقبض جميع معلمي الولاية متأخرات رواتبهم، الا انهم لم ينفذوا توجيهات الوالي، وقاموا بقبض مرتباتهم قبل صرف متأخرات المعلمين، فاستدعاهم لمكتبه ونزع منهم مفاتيح سياراتهم الحكومية، ثم قام ببيعها في مزاد علني سريع، وبقيمتها سدد جزءا من متأخرات مرتبات معلمي الولاية! ورغم التحفظ على مثل هذه التصرفات الا انها تعكس بصورة واضحة الخلل الكبير في مسألة مرتبات المعلمين بمعظم ولايات البلاد، ويظهر جانبا من فشل الخدمة المدنية يتعلق بالمرتبات، بل وانه تسبب في هجر كفاءات تعليمية لحقل التعليم! فمن غير المعقول ان كبار الموظفين يمتطون عربات الدولة الفارهة، ويتحدثون بالهواتف السيارة، بينما المعلمون المسئولون عن تعليم وتربية الاجيال يعانون معاناة بالغة وغير كريمة في سبيل الحصول على مرتباتهم الشهرية الضئيلة، فمسألة مرتبات المعلمين تقف شاهدا ودليلا على تدهور الخدمة المدنية، وما انحدرت اليه من درك سحيق! عالة وظيفية اما ما يحدث داخل وحدات الخدمة المدنية بالولايات، خاصة النائية منها، فهو يحتاج لصحيفة كاملة !!! موظف كان يعمل باحدى الوحدات الحكومية التي ترتبط ارتباطا مباشرا مع الجمهور، سنحت له فرصة لمنحة مجانية باحدى الدول الاوروبية، الا انهم اشترطوا عليه ارسال شهادة تثبت انه يعمل وينتمي لاحدى المؤسسات العامة الاخرى، وبواسطة المحسوبية و (نظرية تبادل المصالح) والتي يعاني منها جهازنا الاداري، تحول الموظف او حول بقدرة قادر لتلك المؤسسة ليس لسبب سوى الحصول على شهادة التابعية لاستيفاء شرط المنحة، رغم ان عمله الاصلي وتخصصه لا علاقه له، لا من قريب او من بعيد بالمؤسسة الحكومية التي التحق بها! ولسبب ما الغت الدولة الاوروبية المنحة، فبقي الموظف داخل المؤسسة الثانية بدون عمل سوى قبض راتبه اول كل شهر، واصبح (عالة وظيفية) على تلك المؤسسة، بينما فقدت خبراته ومؤهلاته وحدته الاولى التي كان يعمل بها .. انه نموذج صارخ لحياكة وتفصيل القوانين المدنية وبيعها لمن يشاء مقابل منافع ومصالح شخصية .. ولتذهب الخدمة المدنية وقوانينها الى الجحيم. احدى وحدات الخدمة المدنية اكتشفت ان كثيرا من الالوان الصناعية المستخدمة في بعض الاغذية المحلية، والتي تباع داخل الاحياء، وتستهوي الاطفال مثل حلاوة قطن، وحلاوة مولد، وحلاوة قصب، اضافة للشنطة، اكتشفت انها تحتوي على الوان صناعية غير غذائية، وغير مسموح باضافتها للاغذية لخطورتها، ولتسببها في اصابة الاطفال لبعض الامراض الحساسة، قامت الوحدة المعنية برفع تقريرها الخطير لوحدة مدنية اخرى لمتابعتها وحماية اطفالنا من خطرها، الا انها ـ للاسف ـ (ضربت طناش)، ولتذهب صحة اطفالنا للجحيم!! هذه الواقعة تعكس مدى الاستهتار الذي نسج خيوطه حول جهاز الخدمة المدنية في بلادنا، لدرجة ان الروتين الحكومي القاتل اصبح يهدد حتى صحة الاطفال وارواحهم. لعودة الروح للخدمة المدنية، ولفك الحصار المضروب حولها من جانب اباطرتها، لا بد من مراجعة شاملة لقوانين الخدمة المدنية، نظام التعيين، والمرتبات، والعلاوات، والترقيات، والتقييم الوظيفي، فالخدمة العامة لا تصلحها المعالجات التقليدية التي تطفو الى السطح في بعض الاحيان، كزيادة المرتبات او البديل النقدي، او قوت العاملين، فجميعها ثبت انها معالجات فاشلة!!