لم تستمع واشنطن كثيرا لكلمة «أسف» منذ الاعتذارات اليومية التي كان يصدرها الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون في ذروة فضيحة مونيكا لوينسكي. ومع تسوية الازمة الدبلوماسية الحادة التي استمرت أحد عشر يوما مع الصين أخيرا، وإطلاق سراح طاقم طائرة التجسس الامريكية، وجد المسئولون الامريكيون أنفسهم في غصة لقول كلمة «أسف» للصينيين. لقد كان الرئيس جورج.دبليو.بوش الذي أمضى اثنين وثمانين يوما في منصبه، في محاولات لفرض شخصية مناقضة لسلفه كلينتون هو الذي حث الشعب الامريكي على «الانضمام إليه في الاعراب عن الاسف لموت الطيار الصيني». ومفضلا إعلان الفوز والتأكيد على العودة الوشيكة لطاقم الطائرة، تفادى بوش التطرق إلى كلمة «الاسف» أو مشتقاتها في تصريحاته اللاحقة طوال اليوم. غير أن مسئولين أمريكيين آخرين بالخارجية تولوا سد هذه الفجوة. ومن هؤلاء المسئولين، جوزيف بروهر، السفير الامريكي في بكين الذي قام بتسليم الخطاب الحرج إلى السلطات الصينية الذي قالت فيه الولايات المتحدة إنها «آسفة جدا» لموت الطيار (الصيني) وأنها «آسفة جدا» لعدم طلب طائرة التجسس الامريكية تصريحا بالهبوط اضطراريا بعد حادث التصادم الذي وقع بينها وبين طائرة مقاتلة صينية في الجو، في الاول من إبريل الجاري. وقد استمع الجميع في وقت لاحق لبروهر وهو يكرر كلمة «آسف جدا» أمام الصحفيين على شاشة شبكة سي.إن.إن الاخبارية الامريكية. وفي حوار موجز مع الصحفيين في باريس استخدم وزير الخارجية الامريكي كولين باول، من جانبه كذلك، كلمه «آسف» مرتين وكلمة «آسف جدا» ثلاث مرات وكلمة «ندم» مرتين أخريين. وقال جندي المشاة السابق «إن وفاة أي شخص يحط من قدرنا جميعا بصورة أو بأخرى» واستطرد يقول «ولهذا فإننا نعبر عن حقيقة أسفنا، أسفنا البالغ وندمنا عن وفاته (الطيار الصيني)». ووصف باول بعد ذلك «العمل الرائع» الذي قام به قائد طائرة التجسس في الهبوط بها بسلام برغم ما أصابها من أضرار. وقال باول «لقد كان عليه إنقاذ حياة ثلاثة وعشرين شخصا بالاضافة إلى حياته شخصيا. دون توافر أي تفاصيل أو إجراءات لديه في تلك اللحظة». وأضاف قائلا «إلا أنه دخل الاجواء (الصينية) دون تصريح وهبط بطائرته دون إذن ولهذا فإننا آسفون جدا، ولكننا سعداء بأنه فعل ذلك». وأكد وزير الخارجية الامريكي أن ذلك لا يجب أن يؤخذ على أنه يمثل «اعتذارا». وذكر باول «لم يكن هناك شيء لنعتذر من أجله» وأوضح أنه «كان من المفترض لكي نعتذر، أن يكون هناك خطأ ارتكبناه وأن نعترف بمسئولية هذا الخطأ، إلا أننا لم نرتكب أي خطأ ولهذا فلم يكن من الممكن أن نعتذر». وفي الخارجية الامريكية اتخذ نائب المتحدث بلسان الوزارة فيليب ريكر موقف الامتعاض عندما أشار صحفي إلى الخطاب الامريكي بأنه خطاب «اعتذار». وطالب الصحفيين بعدم «الخروج عن معاني القواميس». وملتزما بالنص المعتمد في هذا اليوم قال ريكر كلمة «نأسف» مرتين و «آسفون» خمس مرات و «آسفون للغاية» ثماني مرات. وقال ريكر في صيغة على نفس النموذج «إننا آسفون جدا لموت (الطيار)» واستطرد يقول «إننا نعرب للشعب الصيني وبصفة خاصة لاسرة الطيار عن أسفنا لفقده .. إننا آسفون لدخول (طائرتنا) المجال الجوي الصيني والهبوط دون تصريح شفوي. مرة أخرى إننا آسفون للغاية لذلك». وكان مفتاح الصياغة الدبلوماسية للخطاب الامريكي هو - على الاقل في اللغة الانجليزية - في التمييز بين «الاسف» و «الاعتذار». هذا التمييز ليس واضحا تماما حتى في حالة الاستعانة بالقاموس، وذلك لان الاسف قد يتضمن «التوبة» و «الندم».د.ب.أ