هناك شيء اسمه دليل التعامل مع النكبات ، واينبرجر يقلب مواجع باول ويشعره بجهله وتدنيه الثقافي في شهر اكتوبر 1978 حانت الفرصة لكولن باول لكي يقوم برحلته الأولى الى الشرق الأوسط اذ كان آنذاك يعمل مساعداً تنفيذياً لنائب وزير الدفاع تشارلز دنكان وكان مقرراً ان يقوم الاخير برحلة الى ايران، السعودية، كينيا ومصر، ويقول باول في سيرته الذاتية: «كانت ايران في ذلك الوقت تمثل حصناً لأمريكا في منطقة الشرق الاوسط، اذ كانت تحتل موقعاً مركزياً في وسط هلال النفط، وتقف في وجه المطمع التاريخي للاتحاد السوفييتي المتمثل في الوصول الى المياه الدافئة وكان يحكم آنذاك الشاه محمد رضا بلهوى، الذي كنا نعتقد ان شعبه يحبه وكانت امريكا تدعم حكمه بامداده بالاسلحة الحديثة. وكان الهدف الظاهري لرحلة دنكان هو تقدير مدى استيعاب القوات المسلحة الايرانية لتلك الاسلحة ولكن كان آية الله الخميني ينادي ـ من منفاه في ايران ـ باسقاط الشاه، ولذلك كان دنكان يتجه الى ايران ليرى مدى صمود وضع الشاه. وبدأت الرحلة في يوم 23 اكتوبر 1978 واستقبلهم رئيس البعثة العسكرية الامريكية في ايران الماجو جنرال فيليب جاست ويقول باول انه قابل في طهران لأول مرة جنرالات ايران المعتزين بأنفسهم والذين كانوا يجيدون اللغة الانجليزية اجادة تامة وبعد تناول وجبة دسمة من الطعام في نادي الضباط توجه الجميع الى منصة لمشاهدة استعراض القوات الايرانية المسماة «الخالدون». واخذ الضابط الجالس بجوار باول يشرح له الأمر قائلاً ان افراد هذه القوة يدينون للشاه بالولاء المطلق، وانهم مستعدون للقتال حتى آخر رجل منهم دفاعاً عنه. القلب أم القشرة؟ يروي كولن باول ما دار أثناء هذه الزيارة، فقد قام نائب وزير الدفاع الامريكي بزيارة اصفهان، حيث شهد تشكيلات لأحدث الطائرات المقاتلة آنذاك من طراز إف-14 واثناء مأدبة اخرى اقامها الضباط المحليون سمع الضيوف اصوات جلبة مألوفة آتية من الشوارع، وقد بدت وكأنها طلقات رشاشات، ولكن مضيفيهم الايرانيين لزموا الصمت التام، وتظاهروا بأنهم لم يسمعوا شيئاً. ويقول باول: «قمنا بعد ذلك بزيارة مطار في شيراز حيث توجد قاعدة طائرات الفانتوم 14 وهي قاعدة متطورة لا تقل عن مثيلاتها في الولايات المتحدة وقد انتحيت جانباً بطيار امريكي شاب مكلف بتدريب الايرانيين، وسألته عن مدى كفاءة سلاح الطيران الايراني وبدا الطيار في البداية متردداً ثم انطلق في الحديث قائلاً: «يوجد في طائرة الفانتوم نوعان من الرجال وطبقتان اجتماعيتان: قائد الطائرة الذي ينتمي الى الطبقة العليا في المجتمع، وهو قادر على الانطلاق بالطائرة وأداء كل العمليات مثل الطيران بسرعات عالية وعلى ارتفاعات منخفضة والعودة سالماً الى الأرض، ولكن الرجل الثاني الذي اعنيه حقاً هو ضابط نظم الأسلحة في الفانتوم 14 وهو يتولى تشغيل اجهزة يبلغ ثمنها ملايين الدولارات وهي اجهزة ذات تقنية بالغة التطور بما في ذلك نظم القتال الجوي، وهذا النوع من الرجال هم من ضباط الصف وقد تلقوا تعليماً متواضعاً وينتمون الى الطبقات الدنيا من المجتمع، وقد يحتاج الأمر الى جيلين قبل ان يستوعب هؤلاء حقاً مهام عملهم، وكل ما سوف تراه طائراً هنا حولك هو مجرد نصف طائرة» هكذا صور الطيار الامريكي المسئول عن التدريب الحال اثناء زيارة الوفد الامريكي. وفي وقت متأخر من تلك الليلة كان المفروض ان يذهب نائب وزير الدفاع الامريكي ومعه مساعده كولن باول لحضور مأدبة عشاء رسمية في القيادة الايرانية للسلاح الجوي، وجلس الضيفان الامريكيان في بهو الفندق، حتى جاءهما ضابط ايراني انيق، واعتذر لهما بشدة قائلاً انهم لن يستطيعوا الذهاب الى العشاء، ولن يستطيع الضيفان مغادرة الفندق، لأن قتالاً نشب في الشوارع بين الجماهير وقوات الشرطة ولذلك فإن شوارع شيراز لم تعد آمنة. ويستطرد باول: «في اليوم التالي ذهبنا الى المطار في طريقنا الى السعودية وألقيت نظرة على طائرات الفانتوم 14 التي اصطفت على أرض القاعدة وأخذت افكر فيما قاله ذلك المدرب الامريكي، وفي الاضطرابات التي سادت الشوارع في الليلة الماضية، وأخذت اتساءل: هل رأى تشارلز دنكان وأنا قلب ايران حقاً.. ام ان ما رأيناه هو مجرد القشرة الخارجية؟». ويمضي باول في ذكرياته قائلاً: «وبعد أقل من ثلاثة اشهر بعد رحلتنا، وفي 16 يناير 1979 اطيح بشاه ايران ورأيت في صحيفة «واشنطن بوست» صوراً لجثث بعض الجنرالات الذين اعدموا ممن كنت قد رأيتهم في طهران ولم يقاتل الجنود «الخالدون» حتى آخر رجل منهم بل تحطمت قواتهم منذ اول يوم مثل كوب من الزجاج وازدادت شكوكي في تلك النخب وفي عروض وحدات الخيالة وفي النهاية ضاعت استثماراتنا في فرد واحد من ايران لا في دولة بأكملها، وعندما سقط الشاه، سقطت معه سياستنا في ايران، وقد ساهمت المليارات التي أنفقناها في ذلك البلد في تهيئة الظروف والمساهمة في قيام نظام معارض لنا حتى يومنا هذا». في صحراء طبس اذا نحينا جانبا حديثه المفصل عن ترقيته الى رتبة الجنرال وانتقاله الى وزارة الطاقة للعمل لفترة قصيرة من الوقت، نصل مع باول الى الصباح المبكر ليوم 25 ابريل عام 1980 حيث كان يجلس عدد من المسئولين الامريكيين في البنتاجون في غرفة نائب وزير الدفاع حول جهاز تلفزيون، حيث أطل عليهم الرئيس الامريكي جيمي كارتر بوجه شاحب ليشرح ما حدث في اليوم السابق حيث جرت محاولة لاطلاق سراح الرهائن الامريكيين الثلاثة والخمسين الذين احتجزهم الطلاب الايرانيون في السفارة الامريكية في طهران خلال الاشهر الخمسة السابقة وقال كارتر ان المهمة فشلت وذكر ان قرار القيام بالمحاولة كان قراره هو وانه هو الذي قرر وقفها عندما تطورت المشكلات، واقر كارتر بأن المسئولية الكاملة تقع على عاتقه هو. وبدأت تفاصيل المأساة تتسرب بعد وقت طويل للعملية التي كانت تحمل اسم «ديزرت-1»، والتي اشتركت فيها ثماني طائرات هليكوبتر تابعة للبحرية الامريكية من طراز آر.اتش53. وست طائرات نقل هيركيوليز سي-130، مع قوة من الكوماندوز من الاسلحة الاربعة بالقوات المسلحة الامريكية كان معظمهم من رجال المظلات التابعين للجيش الامريكي وقد توجهت القوة الى صحراء طبس الايرانية وكانت الخطة تقضي بأن تحلق الطائرات واحدة وراء الاخرى لتستقر في منطقة قريبة من طهران وكان مقرراً ان يقوم عملاء للولايات المتحدة في ايران بتحضير عدد من سيارات النقل لنقل الكوماندوز من طائرات الهليكوبتر الى السفارة الامريكية حيث يقومون بمداهمة الحراس وكان على طائرات الهليكوبتر ان تطير من مخابئها وتهبط في مجمع مباني السفارة لالتقاط الرهائن بعد تحريرهم واخذهم حيث تربض طائرات النقل في مطار قريب تم الاستيلاء عليه وكان واضعو الخطط قد قدروا ان العملية تحتاج الى ثماني طائرات هليكوبتر على الأقل، ولكن سقطت منها طائرتان قبل الموعد في الصحراء واصاب خلل هيدروليكي طائرة ثالثة عند وصولها وعندما وصلت تلك الانباء الى الرئيس كارتر امر بوقف العملية. وعلى الرغم من الفشل التقني لم يكن شيء قد أعلن عن تلك المهانة والمأساة الانسانية، بل ما تلا ذلك كان ادهى وامر فبينما كانت احدى الطائرات تناور لتأخذ وضع تزويدها بالوقود من اجل رحلة العودة اصطدمت مراوحها بجسم طائرة نقل طراز سي-130 وشبت النيران في كلتا الطائرتين وانفجرت الذخيرة فيهما ولقي ثمانية رجال مصرعهم على الفور واصيب اربعة آخرون بحروق جسيمة. ويبدي كولن باول رأيه الخاص في هذه العملية العسكرية الفاشلة فيقول: «ان لدي خبرة كافية في عمليات الهليكوبتر نتيجة اشتراكي في الحرب في فيتنام وكوريا والفرقة 101 المحمولة جواً وتنتابني الدهشة من الطريقة التي تم بها التخطيط لهذه العملية وادارتها، ومعروف ان طائرات الهليكوبتر طائرات متقلبة الاحوال، وكان يجب تخصيص عدد منها اكبر بكثير من ثماني طائرات لعملية من هذا النوع حتى يمكن التأكد من بقاء ست منها صالحة للقيام بالمرحلة الثانية من المهمة. والخطأ الآخر في عملية «ديزرت -1» يكمن في التقاط بضعة رجال من كل سلاح من الاسلحة الاربعة للقوات المسلحة وتكوين فريق منهم لهذه العملية التي كان بعض رجالها من سلاح ما يقود طائرات الهليكوبتر التابعة لسلاح آخر، فضلاً عن ضعف تسلسل القيادة والاتصالات والتنبؤات الجوية والاعتبارات الأمنية مما ساهم في ذلك الفشل. ويقول باول انه فهم الدرس من هذه العملية في مستقبل حياته، عندما اصبح مسئولاً عن وضع خطط العمليات القتالية على أعلى المستويات المسئولة ومن خلال ما يذكره باول تبدو سمات واضحة لما يعتنقه الجنرال الاسود اذ يقول: «يجب عليك ان تضع خطة شاملة، وان تدرب فريق العمل، وان تهيئ الفريق العسكري للتلاؤم مع الأهداف السياسية، من دون الاعتماد على مجرد الأماني». دليل التعامل مع النكبات بعد ذلك يضع باول عدة مبادئ للتعامل مع الجماهير اذ انه يرى ان عملية «ديزرت -1» كانت تمثل ايضاً فشلاً في الاتصال الجماهيري، ولهذا يقوم بوضع ما أسماه «دليل معالجة النكبات» ويصف هذا الدليل ايضاً بالطرافة.. واليك عزيزي القارئ تلك المبادئ الغريبة التي وضعها الجنرال باول: «افرج عن الحقائق ببطء بعد الايقاع الذي تكون قد تسرب به بالفعل الى الجمهور ولا تذكر القصة كاملة الا بعد ان تضطر الى ذلك وركز كلامك على الجوانب الجيدة وهون من شأن الاخطاء، اظهر سخطك من اي اشارة الى سوء التقدير او الاخطاء، سفه اية حقائق اخرى غير الحقائق التي تذكرها انت، وجه الاتهامات الى النقاد بأنهم يلجأون الى التعميم، وفي النهاية يجب ان تبدي قبولك للمسئولية العامة باعتبار انك تحتل قمة المسئولية تاركاً الأخطاء لمن هم دونك». هذه المبادئ التي وضعها صاحب السيرة الذاتية في دليله لوزارة الدفاع الامريكية تنبئ عن براعة وذكاء في تضليل الجماهير عندما تحدث نكبة مماثلة لنكبة عملية صحراء ايران الفاشلة. وظل باول يخدم ادارة جيمي كارتر كمساعد لوزير الدفاع حتى سقط الرئيس الامريكي، وخلفه رونالد ريجان وبعد ان كان كولن باول قد انتخب كارتر عام 1976، غير رأيه في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 1980 وادلى بصوته الى جانب رونالد ريجان ويبدو انه قرر ذلك عندما مال الميزان لصالح الاخير ويبرر الجنرال الأسود تذبذبه في موقفه الانتخابي بأنه لم يستطع انتخاب كارتر مرة ثانية، وبأن التضخم تضاعف في عهد ادارته، وبالاذلال الذي نال امريكا من منظر الرهائن الامريكيين في ايران، كما ان عملية «ديزرت -1» كانت نكبة نفسية وعسكرية ويذكر باول ان العمل كان قد بدأ في تطوير جميع نظم الاسلحة في ظل وزير الدفاع هارولد براون في عهد كارتر وان هذه الاسلحة قد نضجت في الوقت الذي نشبت فيه حرب الخليج. كوابيس بيروت بعد ذلك عمل باول في ظل وزير الدفاع في ادارة الرئيس التالي ريجان، وهو كاسبر واينبرجر، واسندت اليه وظيفة كبير المساعدين العسكريين لوكيل وزارة الدفاع فرانك كارلوتشي ثم مساعداً لوزير الدفاع نفسه. ويعود باول في سرد سيرته الذاتية الى الاحداث التي شهدها اثناء ادائه لمهام وظيفته ومن بينها انه في يوم 23 اكتوبر 1983 تلقى مكالمة هاتفية في منتصف الليل من مركز القيادة العسكرية القومية، ولم يملك ازاءها الا ان يوقظ وزير الدفاع واينبرجر على الفور كانت المكالمة تخبره بانفجار شاحنة ملغومة في ثكنات مشاة البحرية الامريكية في مطار بيروت بلبنان، وبدأت الانباء تأتيه قطرة فأخرى فيضطر الى نقلها الى الوزير الذي يعلم باول جيداً انه يكره اخبار الموت وقد وصل عدد الضحايا في النهاية 241 من جنود المارينز ويقول باول ان هجوما متزامناً آخر يصفه بأنه ارهابي وقع في الوقت نفسه تقريباً على ثكنة في قلب مدينة بيروت، مما ادى الى مصرع سبعة وسبعين جندياً فرنسياً. ويذكر ان واينبرجر عارض تورط المارينز في لبنان منذ بداية الامر ولكن وجهة نظر ماكفارلين مستشار الامن القومي وجورج شولتز وزير الخارجية آنذاك انتصرت في النهاية وفي رأيه ان امريكا ارسلت قوات المارينز الى لبنان لمجرد فكرة مشوشة هي تحقيق «وجود» لها هناك وهو يضع كلمة «وجود» بين قوسين في كتابه، ويقول ان الاسرائيليين كانوا قد غزوا لبنان قبل ذلك في يونيو 1982 في هجمة واحدة نهائية لطرد من يسميهم «ارهابيي منظمة التحرير الفلسطينية» وهو هنا يتبنى بوضوح وجهات النظر الاسرائيلية في تزوير الحقائق ووصف حركات التحرير الوطني في الوطن العربي بالارهاب ويستطرد قائلاً ان هذا التحرك الاسرائيلي اخل بالتوازن غير المستقر في منطقة الشرق الاوسط، ونتيجة لذلك كانت الولايات المتحدة تحاول ان تقوم بمهمة الحكم في انسحاب جميع القوات الاجنبية من لبنان، وتم نشر قوات المارينز حول مطار بيروت تحت اسم ابتدعه مبتكرو التعبيرات المخففة وهو «القوة الفاصلة» بما معناه أن قوات المارينز تقف بين برميلي بارود هما الجيش اللبناني و«الوحدات الشيعية» المدعومة من سوريا ـ كما يقول ـ والتي كانت تقاتل الجيش اللبناني في جبال الشوف. ويسرد الجنرال الامريكي أرقام الخسائر التي تكبدتها قوات المارينز قبل حادث التفجير فيقول ان اثنين من الجنود لقيا مصرعهما بنيران الهاون «الاسلامية» هكذا يسميها!! وذلك في الثالث من شهر سبتمبر، ثم قتل اثنان آخران يوم 16 اكتوبر ثم اثنان آخران ورغم معارضة واينبرجر توجه ماكفارلين الى بيروت وحث الرئيس الامريكي على الموافقة على ان تقوم المدمرة الامريكية نيوجرسي بتوجيه ضربات بطلقات مدافعها من عيار 16 بوصة الى الجبال المطلة على بيروت، على طريقة الحرب العالمية الثانية وكأننا نقوم بمسح شواطئ احدى جزر المحيط الهادي تمهيداً لغزوها وعندما بدأت القذائف تسقط على «القوات الشيعية» افترضت تلك القوات ان «الحكم الامريكي» بدأ ينحاز ضدهم، وما داموا لا يستطيعون ان ينالوا المدمرة فقد وجدوا في قوات المارينز في المطار هدفاً أسهل منالاً وينتهي باول في سرد هذا الجانب المأساوي بقوله انه «كان يرى من مكتبه في البنتاجون ان امريكا كانت تضع يدها في عش للدبابير عمره الف عام، متوقعة ان مجرد «وجودنا» يكفي لتهدئة الدبابير وعندما اندلعت نيران الكراهية العرقية القديمة في يوغسلافيا السابقة عام 1991 وظن بعض حسنى النية في امريكا ان علينا ان نفعل شيئاً في البوسنة لم تغادر خيالي جثث جنود المارينز المبعثرة في مطار بيروت. وفي نقلة مفاجئة وبعد الحديث عن غزو جرينادا في 25 اكتوبر، يتناول باول بعض جوانب شخصية كاسبار واينبرجر وزير الدفاع الامريكي آنذاك والذي عمل معه فيقول انه الى جانب كونه شخصاً عنيداً وأنه قد يقاتل كالأسد ضد اي عضو معاد في الكونجرس او اثناء مناقشات مجلس الوزراء ولكنه مع ذلك لم يكن يريد اغضاب ارق الرجال في الادارة الامريكية وهو رونالد ريجان اذ كان ارتباطه به وولاؤه له عميقاً جداً، ونتيجة لذلك لم يشأ واينبرجر ان يواجه ريجان عندما اقتنع بارسال قوات المارينز في موقع سيء ولهدف غير محدد في بيروت. ويروي باول جانباً آخر في شخصية وزير الدفاع الامريكي اذ يقول انه كان مثقفاً ويميل الى الكلاسيكيات في الادب وفي الموسيقى وقد اشترينا له جهاز راديو وكاسيت صغيراً، وكان عندما يعمل وحده في المكتب يديره ليسمع موسيقى باخ وبيتهوفن ويستطرد باول قائلاً ان ذلك الجانب الثقافي معدوم لدى رجال المشاة واحياناً كنت اشعر بجهلي معه. كذلك كان واينبرجر مغرماً بمظاهر الابهة، فمثلاً كانت وكالة المخابرات المركزية قد ذكرت ان مجموعة ضاربة من الرجال الليبيين في طريقها الى الولايات المتحدة لاغتيال الرئيس وقادة امريكيين آخرين وكان ذلك انذاراً كاذباً، ولكن كان من بين الاجراءات التي اتخذت وضع حراس يرتدون لباسهم العسكري خارج الجناحين اللذين يشغلهما الوزير ونائبه ووجود اثنى عشر رجلاً وامرأة يعملون في نوبات ويكلفون بواجبات لا فائدة منها نظراً لأن لدى البنتاجون قوة بوليسية بارعة ولما تسلمت عملي كمساعد عسكري، ونظراً لمرور وقت طويل على ذلك الانذار وما ثبت من انه مجرد اشاعة اردت انهاء مهمة هذه المجموعة من الرجال والنساء ولكن واينبرجر كان يحب منظرهم من حوله وهم بملابسهم المزركشة بحيث بدوا المثيل الامريكي للحرس الملكي الانجليزي وكان يحيي الحراس المناوبين في كل مرة يخرج فيها من مكتبه ثم يعود ليحييهم مرة اخرى عند عودته الى المكتب. عدو العزاب ويروي كولن باول حكاية حدثت معه اثناء خدمته كمساعد لوزير الدفاع فيقول: ذات يوم تلقيت مكالمة هاتفية من تشارلز ويلسون عضو الكونجرس عن ولاية تكساس، وكان من انصار الدفاع وكان ناشطاً بشكل خاص في جمع المساعدات لمن يحاربون النظام الشيوعي والقوات السوفييتية في افغانستان وكان تشارلي قد اتصل قبل ذلك بمكتب الشئون القانونية لتدبير طائرة عسكرية للقيام برحلة الى تلك المنطقة، واراد ان يأخذ معه صديقته ورفض طلبه، وهذا امر سليم، وعندئذ اتصل بي شاكياً من اولئك البيروقراطيين وكنت مدركاً اننا نعتمد على صوته في الكونجرس ولكنني اجبته قائلاً: «تشارلي.. هذا استخدام لطائرة حكومية غير مسموح به، ولا يستطيع الوزير الموافقة عليه» واجابني غاضباً: «ماذا تكون انت؟ هل انت عدو للعزاب؟ لعنة الله علي اذا سافرت في جميع انحاء العالم من دون صحبة سيدة جميلة» وظلت اجابتي مع ذلك بالنفي فسألني عضو الكونجرس: «وافرض انني اصطحبتها معي الى المطار؟» وقلت له: ان قائد الطائرة لن يسمح لها بالركوب وانت لن تضع ضابطاً في موقف كهذا» واصبت بخيبة امل عندما تسلمت بعد ذلك بأيام قليلة خطاباً من عضو الكونجرس ويلسون يذكرني فيه بأنه سوف يكون موجوداً اذا حدث ورشحت من اجل رتبة الجنرال ذي النجوم الثلاث وكتبت اليه رسالة اقول فيها: «من فضلك.. افعل ما تعتقد انه الصواب، وسوف استمر في فعل ما اعتقد انه في الصواب» وكان ما اعتبره هو صواباً ان يعمل على اقتطاع ثلاث من الطائرات طراز سي-12 من ميزانية الدفاع التالية وكانت حكاية الصديقة هي اول صدام مهم مع عضو في الكونجرس وقد وصلت الى قرار نهائي وهو انك قد تستطيع تحمل خصومك لا اعداءك وقد تعمدت ان نظل صديقين ـ انا وتشارلي ـ وان ألبي مطالبه الحقيقية، واستمر يدلي بصوته الى جانبنا في المسائل المهمة، ان خصم اليوم قد يكون حليف الغد!!».