منذ اللحظات الاولى لانتخابه رئيسا للحكومة الاسرائيلية، اعلن ارييل شارون انه سيحافظ على القدس كعاصمة لاسرائيل، وجاء هذا الاعلان ليعكس غطرسة جامحة هي احد عناوين العهد الشاروني، باعتبار موضوع القدس الى جانب اللاجئين والمستوطنات هي اكثر القضايا خطورة في مجرى التسوية السلمية التي ادخلها شارون الى غرفة الانعاش وقد تصير، بمزيد من عنجهياته، الى ثلاجة الموتى. وفي الوقت نفسه نشط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الامريكية «خصوصا إيباك» لتجديد وتصعيد الدعوة المحمومة بنقل السفارة الامريكية الى القدس، بعد ان ظلت هذه الدعوة تتردد ـ بين مد وجزر ـ منذ عهد الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان، بتغذية مباشرة من اللوبي الصهيوني النافذ في المؤسسات الرسمية والاعلامية والمالية الامريكية، وبتنسيق مطرد مع الحكومات المتلاحقة في تل ابيب وواشنطن معا، غير انه من الحقائق الواضحة اليوم في هذا المشهد، ان الادارة الامريكية الجديدة غير متحمسة البتة لممارسة الدور المتقدم الذي اضطلعت به ادارة كلينتون كوسيط مباشر وراعٍ رئيسي لعملية السلام في الشرق الاوسط، بل انها تنصلت من كافة الوعود والالتزامات، بل والمقترحات، التي تركها كلينتون وراءه وهو يغادر المكتب البيضاوي في البيت الابيض لاخر مرة، بل ان هذه الادارة تسعى اليوم الى تشتيت الانظار عن هذه القضية الى قضايا اخرى اقل اهمية كالموضوع العراقي او الليبي او الايراني. لكن يمكن القول إنه بات من المؤكد ان الادارة الامريكية لن تغامر بنقل سفارتها الى القدس، لادراكها التام ان ذلك سيشكل استفزازا قاسيا للعرب والمسلمين، وبالتالي لن تسلم المصالح الامريكية من هجمات جهادية، ليس في القدس وحدها، ولا في اسرائيل فحسب، انما في بقاع اخرى في العالم، وربما داخل الولايات المتحدة ايضا. ان موضوع القدس لم يعد محل مراهنات ولا مساومات من كافة العرب والمسلمين، وقد ظل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يردد دائما بأن الفلسطينيين ـ مسلمين ومسيحيين ـ يرفضون التنازل عن الاماكن المقدسة في القدس الشريف لصالح الدولة العبرية، وخلال زيارته الاخيرة للولايات المتحدة، اكد الرئيس المصري محمد حسني مبارك على عدم توافر اية نوايا لدى اي طرف عربي للتهاون في موضوع القدس، وهو الخطاب ذاته الذي تقوت لهجته منذ المؤتمر الدولي الاخير في شرم الشيخ، وفي القمتين العربيتين الاخيرتين في القاهرة وعمان، وكذا في القمة الاسلامية التي استضافتها الدوحة مؤخرا، ويبدو ان هذا الخطاب سيتصاعد في اجواء الازمة الشديدة التي تشهدها كافة مسارات عملية السلام في المنطقة اليوم. حسن عبدالوارث