أمريكا الحليف الراسخ الأكبر والأقوى بين كل دول العالم لـ «اسرائيل»، أطلقت مؤخراً سلسلة من المواقف العدائية ضد فلسطين وسوريا والعراق ولبنان، ولعل أخطرها الموقف الأمريكي من مدينة القدس العربية المحتلة، التي كانت ومازالت عنوان صراع ومواجهة بين الكيان الصهيوني الذي احتل المدينة المقدسة عام 1948 و1967 والتي يمكن وصفها بـ «العدائية المطلقة» بل أشبه بـ «إعلان حرب» ضد العرب. ففي شهادة مطولة أمام الكونجرس الأمريكي كشف وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في 6/3/2001م عن توجهات لدى هذه الادارة تجاه المنطقة تعتبر خطيرة للغاية، لا سيما ما يتعلق منها بالصراع العربي ـ «الاسرائيلي» حيث وصف القدس المحتلة بأنها «عاصمة اسرائيل» مؤكدا التزام ادارة جورج بوش الابن بنقل السفارة الأمريكية لديها، وقد تزامن ذلك مع تولي الارهابي ارييل شارون رئاسة الحكومة في الكيان الصهيوني، مشيرا في شهادته أمام لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب إلى أن عملية نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس المحتلة تتقدم باستمرار دون تحديد موعد لذلك. هذا الموقف يشكل أخطر تصعيد أمريكي منذ بدء عملية التسوية، ويهدف إلى شن حملة ضغوط لم يسبق لها مثيل على الجانب الفلسطيني، وبالتالي العربي، ويطرح العديد من الأسئلة: متى بدأت المساعي الصهيونية ـ الأمريكية لنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس المحتلة؟ وما هو موقف الأمم المتحدة من موضوع القدس؟ وما هي أهداف وأبعاد المحاولات الصهيونية ـ الأمريكية لنقل السفارة؟ وما هو المطلوب من الحكومات العربية والإسلامية لمواجهة هذا الموقف الأمريكي المتطرف بشأن القدس الشريف؟ ولكي يتسنى الإحاطة بالدلالات والمضامين التي ينطوي عليها هذا الموقف الأمريكي المعادي المتطرف حيال مدينة القدس العربية المحتلة إحاطة كاملة، فلابد لنا من التذكير بالمحاولات الصهيونية ـ الأمريكية لنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس. دور الكونجرس وتواصلت المساعي والمحاولات لنقل السفارة في السابع من شهر أكتوبر 1991 حين أبلغ 93 عضواً بمجلس الشيوخ الأمريكي وزير الخارجية وارن كريستوفر بضرورة ان تبدأ الولايات المتحدة بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس. وقالت رسالتهم: «نؤمن بأن سفارة الولايات المتحدة مكانها القدس، وسيكون من الملائم للغاية البدء في التخطيط الآن لضمان مثل هذا التحرك بمرور مايو عام 1995 عندما يبدأ سريان اتفاقات سيجري التفاوض عليها بشأن الوضع الدائم للمدينة. ومع اقتراب موعد 31 مايو المحدد في قانون نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة والصادر عام 1995، جددت القوة المناصرة لاسرائيل في الكونجرس الأمريكي مع مطلع شهر مايو تحركها للضغط باتجاه التقيد بهذا التاريخ. والمعروف ان ذلك القانون أعطى الرئيس الأمريكي صلاحية تأجيل هذا الموعد لفترة ستة أشهر صالحة للتجديد والتكرار بقدر ما يرى البيت الأبيض ذلك ضرورياً، والجدير بالذكر ان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد تعهد علنا باستخدام هذه الصلاحية لغاية انتهاء المفاوضات حول المسائل الرئيسية العالقة. وفي 8/3/2001 ومع تولي الارهابي ارييل شارون رئاسة الحكومة الصهيونية أكد وزير الخارجية الأمريكي كولن باول التزام الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بنقل السفارة الأمريكية لدى الدولة العبرية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، التي وصفها بأنها عاصمة «اسرائيل». هذا التلويح والتصريح الأمريكي مدروس تماماً من قبل واشنطن، التي تعمل من خلاله، على تنفيذ سلسلة من الضغوط على الجانب الفلسطيني والجانب العربي والإسلامي بشكل عام، وفق مصالحها في السيطرة على المنطقة. فهي إلى جانب اسرائيل بالطبع، إلا انها لا تندفع معها إلى آخر الشوط دفعة واحدة حتى لا تخسر أصدقاءها المقربين في الدول العربية، أو وهو الأصح حتى لا تنفتح أبواب الرأي العام العربي والإسلامي على مصاريعها ضدها وضد هؤلاء الأصدقاء في قطيعة متفجرة جداً. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية لم تقم حتى الآن بنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس المحتلة، فإنها بإعلانها الدائم عن نيتها لنقل السفارة وصولا بها في العام الماضي إلى تعيين وتسمية قطعة الأرض المقدسية التي سيتم إليها هذا النقل وبناء قلعة السفارة. وهذا الاجراء يكفي لمساعدة الدولة العبرية على تشجيع الدول الصغيرة التي تقيم علاقات باسرائيل على هذا النقل وكسر الحلقة المحكمة حول «اسرائيل». والجدير بالذكر ان الدكتور وليد الخالدي الباحث المقدسي قد ألقى ضوءًا كاشفاً على الموقع المرتقب للسفارة الأمريكية في القدس. وقد أثبت البروفيسور الخالدي في دراسته التي استغرق اعدادها ستة أعوام ونشرتها مجلة الدراسات الفلسطينية أن الأرض التي ستقوم عليها مباني السفارة وأجرتها الدولة العبرية للولايات المتحدة بدولار واحد لمدة 99 عاما، تعود ملكيتها إلى الأوقاف الاسلامية وإلى أفراد فلسطينيين، يحمل كثيرون منهم الجنسية الأمريكية، وهذا يعني قانونياً أنه لا يحق لـ «اسرائيل» تأجير الموقع، وأن في وسع المواطنين الأمريكيين من أصل فلسطيني رفع دعاوى قضائية لنقض عقد الايجار. ولا شك ان موقف أمريكا في نقل السفارة يشجع ويشرع مصادرة الاسرائيليين لأراضي الفلسطينيين في القدس، وتدعم توسع القدس على حساب الأملاك العربية، وتؤدي المواقف الأمريكية إلى مساعدة تل أبيب على تشجيع الدول الصغيرة والمهمشة على نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، وهذا ما حدث فعلا بإقدام كل من كوستاريكا والسلفادور وهما دولتان صغيرتان في أمريكا اللاتينية تدوران في فلك السياسة الأمريكية على كسر الاجماع العالمي المتواصل منذ العام 1967. القدس والأمم المتحدة في عام 1947 قررت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين بين العرب واليهود ووضع القدس تحت وصاية الأمم المتحدة، وعندما تمت الموافقة على انضمام «اسرائيل» للأمم المتحدة في 11 مايو 1949 جرى التأكيد على تدويل القدس. وأكدت اسرائيل نواياها التوسعية واعتبرت ان القدس عاصمة لها متحدية بذلك المجتمع الدولي وأعلن ديفيد بن جوريون في الخامس من ديسمبر 1949 ان القدس قلب قلوب دولة اسرائيل ولا نتصور ان تحاول منظمة الأمم المتحدة المتحدة اقتطاع القدس من «دولة اسرائيل». ورداً على ذلك أقدمت الجمعية العامة للأمم المتحدة على رفض مزاعم «اسرائيل» وأعادت تأكيدها على وضع القدس الدولي، حسب التقسيم إلا ان «اسرائيل» ردت بوقاحة متجاهلة الهيئة الدولية، وأعلنت رسميا في 11 ديسمبر 1949 أن القدس كانت عاصمة «اسرائيل» منذ أول يوم من وجودها. وفي 14 يوليو 1967 أقرت الجمعية العامة مشروع قرار نص على استنكار الأمم المتحدة للموقف الاسرائيلي واستنكرت الأمم المتحدة عدم تنفيذ اسرائيل للقرار رقم 2253 الصادر في 4/7/1967 وكررت دعوتها إلى إلغاء جميع الاجراءات التي اتخذت والامتناع عن اتخاذ أي عمل من شأنه تغيير وضع القدس. وفي 21 مايو 1968 صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 522 يعلن ان اقدام اسرائيل على اتخاذ القدس الموحدة عاصمة يهودية عمل غير قانوني، وفي 20 أغسطس 1980 صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 478 يستنكر بشدة دعوى «اسرائيل» في قانونها الأساسي بشأن القدس. التزام إدارة جورج بوش الابن بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس ذو دلالات مهمة، يمثل هذا الموقف الأمريكي تراجعاً واضحاً عن السياسة المعلنة لأمريكا إبان حكم الادارة الديمقراطية ولا يغير في واقع الأمر التملص الذي حاول به كولن باول تصحيح الموقف، والأدلة هي: أولاً: عزم الولايات المتحدة الأمريكية برغم الادعاء بموقف محايد على تأكيد تبعية مدينة القدس المحتلة لـ «اسرائيل» حتى لو كان هذا الموقف يناقض الدور السياسي الأمريكي في عملية السلام، كما يُعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقات «أوسلو» التي وقع عليها الرئيس كلينتون في واشنطن في سبتمبر 1993 جنباً إلى جنب مع روسيا ومصر والأردن والنرويج كشهود. ثانيا: ان القرار يمثل استمراراً للخط الأمريكي الثابت في دعم اسرائيل والتحالف معها ضد البلدان العربية لرغبتها في استخدام دولة الصهيونية مخلباً لها ضد العرب وبصورة خاصة للاستيلاء على موارد الدول النفطية في هذه المنطقة. ثالثا: ان توقيت هذا الموقف الأمريكي بشأن القدس المحتلة قد جاء حين أشرفت عملية السلام على الانهيار، وهي رسالة للدولة العبرية باستمرار التصرف من طرف واحد في القدس، ضاربة عرض الحائط باتفاق أوسلو، الذي يقضي بعدم وجود أي مسوغ لأي من الطرفين للتصرف بشأن القدس، وهو ما شجع شارون يوم 5/4 على دعوة اليهود لزيارة ساحة المسجد الأقصى. رابعاً: هذا الإعلان الأمريكي الجديد بشأن مدينة القدس المحتلة هو تعمد أمريكي انتهاك قرارات الأمم المتحدة منذ قرار التقسيم الذي تبنته وفرضته واشنطن مراراً بعشرات القرارات من الجمعية العامة ومجلس الأمن والوكالات المتخصصة التي تؤكد على عدم مشروعية أي تصرف في القدس بانتظار الاتفاق الدائم بين الأطراف، وهذا لا يمكن ان يخرج عن سياسة أمريكا في الاستخفاف والاستهتار بالعرب لأنهم مضمونون في الجيب كأصدقاء (معين محمود). ما هو المطلوب؟ إن القدس قضية إسلامية ومسيحية وهي بهذا عالمية ولا يمكن ان يكون الموقف العربي إلا على هذا الأساس، والأخطار التي تتعرض لها القدس اليوم كالتهويد والاستيطان وربطها بالأجزاء الأخرى من أراضي الاحتلال الصهيوني، هي بتشجيع السياسة الأمريكية المعادية ؟؟ العربي. قضية القدس بما تعنيه للعرب والمسلمين تتطلب اليوم قبل الغد، إحياء سلاح المقاطعة في وجه أمريكا، وغير أمريكا ومعه سلاح إعادة النظر بكل ما كان منذ مدريد حتى الآن، لأن السماح بتطويب المدينة المقدسة للدولة العبرية يعني انتهاء كل شيء، أما الاستمرار في التعاطي مع قضية القدس الشريف على ما هو عليه الآن فلا نتيجة له سوى نجاح المخطط الأمريكي ـ الصهيوني الخاص بالمدينة المقدسة، ويشكل في الوقت نفسه ضربة لعملية السلام وجهود إحيائها واستفزازاً لمشاعر الأمتين العربية والإسلامية لجهة أن القدس جزء لا يتجزأ من الأرض العربية و مركز ديني مهم للإسلام والمسيحية لا يمكن القبول بأي تغيير يمس هويتها العربية ومركزها الديني الكبير. إن التصرف الأمريكي مع العرب يمثل غطرسة وصلفاً لا تستخدمهما أمريكا مع الصين في حوادث طائرات التجسس فلقد اعتذرت هناك حفظاً لمصالحها، وإن توسط أمريكا في كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان نوع من التشويش على روسيا الغرض منه السيطرة على موارد النفط في بحر قزوين تلك هي مصالح أمريكا، فليعتبر العرب. بقلم: نعيم قداح ـ سفير سوري سابق في الأمم المتحدة