تحتل مدينة القدس مكانة خاصة بالنسبة للقضية الفلسطينية ليس باعتبارها عاصمة فلسطين التي احتلها الغزاة الصهاينة واقاموا على انقاضها كيانهم الباطل فحسب وانما لانها تمثل رمزا مقدسا للديانتين الاسلامية والمسيحية ولها مكانة عالمية قلما احتلتها اية مدينة اخرى في التاريخ. وانطلاقا من اهميتها هذه وقداستها الكبيرة حاول منظرو الحركة الصهيونية ربط نشاطاتهم باسمها واستغلال موقعها في التاريخ لحشد الجماهير اليهودية من حولها ولذلك فإنه ليس من قبيل الصدفة استخدام مصطلح صهيوني نسبة الى جبل صهيون القريب من القدس ونسج مئات القصص الخيالية حول علاقة اليهود بهذه المدينة المقدسة والادعاء بان المسجد الاقصى المبارك انما بني فوق ما يسمونه بالهيكل. على الرغم من ان كل الدراسات التاريخية المعمقة اثبتت زيف الادعاءات الصهيونية التي لاتجد سندا لها الا في عقول الصهاينة انفسهم الذين يحاولون منذ انطلاقة الحركة الصهيونية تسييس الديانة اليهودية وتسخير اليهود وغير اليهود لخدمة اهدافهم التي تتطابق مع اهداف القوى الاستعمارية الكبرى سواءً في القديم او في أيامنا هذه. لقد انتقل الثقل الصهيوني العالمي الى الولايات المتحدة التي تمثل القوة الامبريالية الاستعمارية الاكبر في العالم حيث نجح الصهاينة في التغلغل داخل العقل الامريكي وقاموا بعملية غسل ادمغة كبيرة استنادا الى اساطيرهم الكاذبة. يقول الدكتور احمد سوسة وهو احد المؤرخين المعروفين بتعمقهم في التاريخ اليهودي يقول في كتابه «العرب واليهود في التاريخ»: التوراة المتداولة اليوم والتي يترنم بها اليهود ويرددها الاسرائيليون في معابدهم لايعترف بها القرآن، بل سجل في عديد من الآيات انها مزورة زيد عليها وانقص منها فشوهت بما استحدث فيها وحرفت بما نقص منها». والحقيقة اننا ونحن نتكلم عن القدس في هذه العجالة فانما نطرق او يجب ان نطرق ابواب التاريخ اذا اردنا استجلاء الحقيقة عن الدور القذر الذي لعبه الصهاينة لاستغلال قداسة هذه المدينة من اجل خدمة اهدافهم وتضليل الرأي العام العالمي ولاسيما في الولايات المتحدة التي تشكل مع الأسف السند والظهير القوي الداعم للكيان الاسرائيلي بدون تحفظ سواء فيما يتعلق بادعاءات الصهاينة حول القدس بانها عاصمة الكيان الصهيوني الباطل في اساسه او متفرعات الصراع العربي الصهيوني الاخرى. ولعله من الملاحظ هنا ان جميع السياسيين الامريكيين الذين كانوا يسعون الى الوصول الى السلطة او معظمهم وما ان يعلنون عن ترشيح انفسهم لمناصب عليا في الادارة الامريكية حتى يكررون صباح مساء تصريحات موالية للكيان الصهيوني وبشكل خاص اعتبار مدينة القدس العربية المحتلة عاصمة لهذا الكيان وفي هذا المجال نستذكر مواقف الرئيس الامريكي الحالي جورج دبليو بوش الذي كان عنوان حملته الانتخابية هو انه سينقل السفارة الامريكية في حال فوزه في الانتخابات الى مدينة القدس رغم ان العالم كله لم يعترف بذلك كما ان وزير الخارجية الامريكي كولن باول اختار هذه المدينة المقدسة لتكون مدخلا يساعده على التقرب من الصهاينة عندما اعلن ان المدينة المقدسة عاصمة الكيان الصهيوني وانها يجب ان تبقى كذلك. وعلى الرغم من ان الادارة الامريكية حاولت ان تخفض من اثر تصريحات وزير خارجيتها ومع انه تراجع بعض الشيء عما قاله فيما بعد الا ان مثل هذه المواقف التي تصدر عن الساسة الامريكيين في الادارة الحالية او التي صدرت ان اقرانهم في الادارات السابقة تجعلنا نتساءل هل يولد الامريكي معاديا للعرب بالفطرة ام ان هناك عوامل تدفعه الى ذلك؟ وللاجابة عن مثل هذا التساؤل البسيط نقول ان ولادة الامريكي على كراهية العرب ليست بالامر المقبول من الناحية المنطقية خاصة وان هناك جزءاً من الامريكيين يناصرون القضية الفلسطينية وان كانت اعدادهم قليلة نسبيا ولذلك نقول جازمين بأن سيطرة اللوبي الصهيوني على مفاصل الحياة في الولايات المتحدة هي السبب في عداء الامريكيين للعرب خاصة اذا علمنا ان وسائل الاتصال الجماهيري واجهزة الاعلام على اختلاف انواعها في امريكا تخضع بشكل كلي تقريبا للحركة الصهيونية التي ادركت منذ البداية اهمية وسائل الاعلام في توجيه الرأي العام العالمي وتضليله بحيث يخدم فيما بعد توجهات وسياسات الحركة الصهيونية العالمية. ويكفي للتدليل على ما نقول ان نرى كيف ان كل الصحف الامريكية البارزة وشبكات التلفزة المعروفة تجاهلت في تغطيتها للاوضاع على الساحة الفلسطينية مؤخرا الاسباب الحقيقية في اندلاع انتفاضة الاقصى ابرزها تدنيس الارهابي الصهيوني ارييل شارون للحرم القدسي الشريف في الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي وركزت بدلا من ذلك على مقولة وقف العنف التي يروجها الاعلام الصهيوني المسعور في العالم، حتى تحولت وسائل الاعلام الامريكية بشكل خاص والغربية عامة مجرد صورة طبق الاصل لمنطق الاعلام الاسرائيلي المشوه. وبالعودة الى قضية القدس التي هي محور هذه العجالة يمكننا ان نقول ان مدينة القدس العربية شأنها شأن الحقوق العربية المغتصبة الاخرى ضحية سياسة التجهيل وذر الرماد في العيون التي تتبعها الحركة الصهيونية العالمية ليس في الولايات المتحدة فقط وانما على مستوى العالم. ولكن أين دورنا نحن العرب اصحاب القضية في هذه المسألة؟ وهل لعب الاعلام العربي الدور المطلوب منه في معركة فلسطين والقدس بصفة خاصة؟ بكل بساطة ان من يتابع موضوع القدس المحتلة وقضية الصراع العربي الصهيوني عامة يرى انه في الوقت الذي شحذ فيه الصهاينة حراب وسائل اعلامهم لغسل ادمغة العالم لخدمة الاهداف الصهيونية وترويج المقولات والاساطير الصهيونية الملفقة عن مدينة القدس وغير القدس كان الاعلام العربي وعلى مدى عشرات السنين غارقا في بحر من التخلف والديماغوجية والفوضى وبدلا من ان يستغل العرب وسائل الاعلام للتعريف بقضاياهم العادلة وايصال صورتهم وصوتهم على حقيقته للعالم غرقت هذه الوسائل الاعلامية في مهاترات فارغة عكست طبيعة العلاقات التي كانت سائدة بين الدول العربية وهي علاقات يعرف الجميع طبيعتها وبذلك تحولت اجهزة الاعلام العربية الى مجرد ابواق سخرت فقط في خدمة الانظمة السياسية العربية تاركة الساحة خالية ومفتوحة في العالم امام الهجوم الاعلامي الصهيوني الذي راح يصور العرب بالطريقة التي يريد مما خلق تعاطفا عالميا مع الكيان الاسرائيلي على حساب الشعب العربي الفلسطيني بشكل خاص والعرب عامة. ولعل من المؤسف حقاً ان مدينة كمدينة القدس لم يستطع الاعلام العربي ان يعرفها جيدا حتى للعرب انفسهم اذ ان قلة من المثقفين او المتابعين مع الاسف يعرفون مساحة وجغرافية هذه المدينة التي فجر الخلاف حولها مفاوضات التسوية الاخيرة في عهد الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون او ماعرف بمفاوضات كامب ديفيد ناهيك عن جهل عدد كبير من العرب تاريخ مدينة القدس العربية والسبب في ذلك يعود لضعف الاعلام العربي وفشله في مواجهة الاعلام الصهيوني. ولعلنا اذا اردنا ان نسوق امثلة على فشل الاعلام العربي في هذا المجال فسوف نصدم حقا اذ انه على سبيل المثال اجاب طالب جامعي عربي عن سؤال حول موقع القدس الجغرافي بانها تقع على البحر المتوسط في حين لم يعرف الكثيرون مساحة القدس الحقيقية او معلومات كافية عن تاريخ هذه المدينة. على أية حال ومما تقدم نستطيع ان نقول ان القدس التي تواجه حاليا خطرا صهيونيا كبيرا انما هي ضحية الضعف السياسي والاعلامي العربي وان مواقف الساسة الامريكيين او الغربيين ازاءها ما هي الا انعكاس لحالة الفراغ الاعلامي الذي يعاني منه الوطن العربي وضعف الرسالة الاعلامية العربية ولذلك فإن من حق هذه المدينة المقدسة على الاعلام العربي ان يوليها جل اهتمامه ويشرح قضيتها للعالم بوضوح كما انه يجب على الاعلاميين العرب المخلصين ان يصوغوا رسالة اعلامية نشطة تبين زيف المزاعم الصهيونية ليس فيما يتعلق بمدينة القدس فقط، وانما كل العرب والقضايا العربية عامة. وهنا لابد من القول انه اذا صحونا متأخرين افضل بكثير من ألا نصحوا ابداً. بقلم: نبيل سالم ـ كاتب فلسطيني