فى روايته لأسرار مباحثات كامب ديفيد الثانية ، قال وزير الخارجية الإسرائيلى السابق شلومو بن عامى إن الرئيس الأمريكى السابق كلينتون استمع فى أحد الاجتماعات إلى الموقف الفلسطينى من القضايا المطروحة على لسان أحمد قريع (أبو علاء ) ثم صرخ فى وجهه قائلا : (هنا يا سيدى ليس مجلس الأمن وليس الجمعية العمومية، إذا كنت تريد إلقاء محاضرة فأذهب إلى هناك ولا تهدر وقتى )! وهذا هو عصب المشكلة التى تتحمل القيادة الفلسطينية جزءا كبيرا من مسئوليتها حين وافقت فى أوسلو على أن تبقى القضايا الأساسية (القدس والحدود والدولة .. الخ ) رهنا بالتفاوض لا بتطبيق قرارات الشرعية الدولية. وتحول الأمر إلى مهزلة حين أصبحت المفاوضات تدور حول مساحة الأمتار التى ستستولى عليها إسرائيل من الأقصى ، وحين طرح كلينتون اقتراحه (الإسرائيلى الأصل والجنسية) بأن تكون السلطة الإسلامية على الأقصى قاصرة على ما هو فوق الأرض، وأن تكون السيطرة على ما تحت الأقصى لإسرائيل ، ليتحول الأقصى (كما قال) إلى أعجوبة سياحية يضمن لها ملايين السياح فى كل عام! الآن .. وبعد أن قضت الإنتفاضة على هذا المنطق الكسيح ، يأتى شارون إلى الحكم فى إسرائيل بكل تاريخه الإجرامى ليقود حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطينى، وتتوافق إدارة الرئيس الأمريكى بوش مع حكومة مجرمى الحرب فى تل أبيب على منهج جديد يترك القضايا الاساسية فى الصراع (وفى مقدمتها القدس) للزمن، ويركز على خطوات مرحلية تضمن إنهاء الإنتفاضة وإجبار الفلسطينيين بالقوة على قبول ما لايمكن قبوله. وبدلا من أن تحاول واشنطن منع الإنفجار القادم وإنقاذ مصالحها ومصالح كل الأطراف فى المنطقة، تلجأ إلى دعم العدوان الإسرائيلى وتحميل القيادة الفلسطينية مسئولية المذابح التى تجرى للشعب الفلسطينى ،وتستخدم الفيتو لمنع مجلس الأمن من توفير الحماية الدولية للفلسطينيين . والرد هنا لايكون بيانات الاستنكار أو الشجب التى تحولت أخيرا إلى (استياء) ولا بتهنئة شارون في الأعياد اليهودية كما يفعل عرفات! وإنما بأن تستمر الانتفاضة وتتصاعد المقاومة ويتضاعف الدعم العربى لها ، وبأن تتم مواراة نهج أوسلو بكاملة فى مثواه الأخير ، وبأن يدرك الجميع وأولهم أمريكا أنه لا مفر من احترام قرارات الشرعية الدولية، وبأنه لا أمن ولا استقرار إلا بعودة كل شبر من الأرض المحتلة فى 67، وضمان الحقوق العربية كاملة. جلال عارف