مرت السياسة الأمريكية تجاه القدس منذ قيام اسرائيل وحتى الآن بثلاث مراحل أساسية الأولى من 1948 وحتى الاحتلال الاسرائيلي للقدس الشرقية وهي المرحلة التي تحمست فيها الولايات المتحدة لفكرة تدويل القدس، المرحلة الثانية من 1967 وحتى توقيع اتفاق المبادئ الاسرائيلي الفلسطيني في أوسلو 1993، وهي المرحلة التي نطلق عليها عدم الاعتراض على تدويل القدس، ثم المرحلة الثالثة والتي بدأت من عام 1995 وحتى الآن والتى تبنت فيها الولايات المتحدة سياسة جديدة تجاه القدس تقوم على أساس ان وضع القدس يتم تحديده من خلال الاتفاق والتفاوض بين اسرائيل والفلسطينيين في المرحلة التي أطلق عليها مرحلة التسوية النهائية بين الجانبين. ولاشك في ان المرحلة الثانية تمثل بدء تراجع الادارات الأمريكية المتتالية عن فكرة تدويل القدس، وتبنى موقف جديد يقوم على تسوية قضية القدس بعيدا عن قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى وفي ضوء الواقع الجديد الذي فرضته اسرائيل على المدينة في أعقاب احتلالها للقدس الشرقية، حيث قررت الحكومة الاسرائيلية في 11 يونيو 1967 البدء في استيطان المدينة وضواحيها، وأعقب ذلك قرار أصدره الكنيست في 27 يونيو 1967 يخول الحكومة الاسرائيلية ضم القدس الشرقية وتوحيد المدينة واتخاذها عاصمة موحدة وأبدية لاسرائيل، وقد وضعت اسرائيل خطة لتحقيق هذا الهدف أنجزت المرحلة الأولى منها عام 1977 ثم بدأت المرحلة الثانية والتي قامت على تكثيف الاستيطان داخل المدينة، ثم طرحت الحكومة الاسرائيلية مؤخرا خطة تطوير القدس الكبيرة حتى عام2010. والملاحظ ان تطور الموقف الأمريكي تجاه القدس كان متناغما باستمرار مع الرؤى الاسرائيلية بصدد هذه القضية وقد وصل الى درجة أو مستوى التطابق شبه التام منذ توقيع اتفاق أوسلو، ففي ظل الرعاية الأمريكية لعملية السلام أصدر الكونجرس الأمريكي قرارا عام 1996، يقضي بالاعتراف بأن القدس عاصمة موحدة لاسرائيل ويوحي بنقل السفارة الأمريكية الى القدس، وهو قرار يخالف أحكام الشرعية الدولية والقانون الدولي، كما أنه قرار ليس من حق الأمريكيين اتخاذه لأن القدس مدينة عربية محتلة ولا يحق لأي دولة أن تعترف بكونها عاصمة لمن يحتلها، والجدير بالذكر ان قرار الكونجرس قد أتاح الفرصة أمام الادارة الأمريكية لتنفيذه في الوقت المناسب، وقد أكد كولين باول وزير الخارجية الأمريكية التزامات الادارة الأمريكية الجديدة بتنفيذه في الوقت المناسب. وفيما يلي نعرض لتطور المواقف الأمريكية تجاه القدس وأهم العوامل المؤثرة فيه والموقف العربي القائم والمحتمل بصدد قضية القدس. أولا: تطور الموقف الأمريكي تجاه القدس: كما سبق القول تبنت الولايات المتحدة فكرة التدويل ثم لم تعترض عليها حتى عام 1993، حيث حددت العديد من القراءات الدولية بصدد القدس ولم تستخدم الولايات المتحدة حق الاعتراض عليها في مجلس الأمن، فقرار مجلس الأمن رقم 242 يعتبر القدس أرضا محتلة، والقرار 252 الصادر عام 1968 يطالب اسرائيل بالغاء جميع الاجراءات التي اتخذتها لتغيير وضع القدس، والقرار 56 الصادر عام 1980 دعا اسرائيل الى تفكيك المستوطنات القائمة والتوقف عن بنائها خاصة في القدس، والقرار 478 الصادر في نفس السنة رفض ادعاء اسرائيل بأن القدس عاصمة أبدية لها وأكد على عدم الاعتراف بذلك ودعا القرار دول العالم الى عدم التعامل مع القدس كعاصمة لاسرائيل. ولكن الموقف الأمريكي تجاه القدس تغير بعد توقيع اتفاق أوسلو في 13/19/1993 حيث نص على ان مفاوضات الوضع النهائى التي يحين موعدها في بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية، سيعالج قضايا محددة هي القدس واللاجئين، والمستوطنات، الترتيبات الأمنية، العلاقات والتعاون مع الدول الأخرى المجاورة، وقد رأى بعض المحللين العرب آنذاك ان اسرائيل بتوقيعها على اعلان المبادئ (أوسلو) تكون قد التزمت لأول مرة بأن قضية القدس تشكل موضوعا للتفاوض، وهو ما يعنى تراجعا عن الموقف السابق بأن قضية القدس غير قابلة للتفاوض، وهو ما تردد أيضا أثناء مفاوضات كامب ديفيد، في حين رأى فريق آخر من المحللين ان الأمر لا يعدو مناورة اسرائيلية لكسب الوقت حتى تستكمل اسرائيل خططها لتهويد القدس وتشكيل أمر واقع جديد في المدينة يصعب علاجه. ولقد قام الموقف الأمريكى الجديد استنادا الى تفسير اتفاق الطرفين على اعتبار ان قضية القدس من القضايا المتبقية لمفاوضات الوضع النهائي على أنه يعني أن قرارات الأمم المتحدة السابقة بشأن القدس بما فيها قرارات مجلس الأمن في هذا الشأن لم تعد تشكل المرجعية الأساسية لتسوية قضية القدس وأن التسوية ستتم وفقا للأوضاع الجديدة القائمة وطبقا لما ستسفر عنه المفاوضات بين الجانبين، ومن ثم فإن الولايات المتحدة أصبحت في حل من الالتزام بالقرارات الدولية السابقة بشأن القدس وهو ما يتبلور عمليا منذ عام 1995 وحتى الآن حيث استخدمت حق الفيتو لاسقاط أى مشروع قانون يعرض على مجلس الأمن بشأن القدس والحق العربي الاسلامي فيها، باعتبار ان أى قرار في هذا الشأن يؤدي الى عرقلة مفاوضات الوضع النهائي للقدس بين اسرائيل والفلسطينيين، وقد طرحت الادارة الأمريكية في عهد كلينتون بعض الأفكار بصدد تسوية قضية القدس جاءت بعيدة كل البعد عن أحكام الشرعية الدولية ومتطابقة مع الأفكار والأهداف الاسرائيلية تجاه القدس، الأمر الذى أدى الى انهيار عملية التسوية السلمية خاصة بعد رفض الجانب الفلسطيني لهذه الافكار. ولاشك في ان هناك العديد من العوامل التي أدت الى هذا الموقف الأمريكى المتحيز تحيزا سافرا لاسرائيل بصدد هذه القضية خاصة في السنوات الأخيرة، وأهم هذه العوامل، موقف الولايات المتحدة على الساحة الدولية بصفة عامة، وعلى الساحة العربية بصفة خاصة، بعد تفكك الاتحاد السوفييتى وانتهاء الحرب الباردة، وانفراد الولايات المتحدة بموقع القوة العظمى الوحيدة في العالم، الضعف العربى بسبب الظروف التي عاشتها المنطقة العربية منذ أغسطس 1990 وحتى الآن، تنامى قوة تأثير اللوبى اليهودي في السياسة الأمريكية في الفترة الأخيرة لدرجة غير مسبوقة، فعلى سبيل المثال أصدر اللوبى اليهودى ايباك أجندة عمل في ختام مؤتمره السنوى الأخير الذى عقد في يونيو عام 2000 تضمنت رؤيته لمستقبل القدس كعاصمة لاسرائيل، وبتوجيه رسالة للادارة الأمريكية بتقديم المزيد من الدعم لاسرائيل وتأكيد الالتزام التاريخي الأمريكي بحماية اسرائيل، وتأتي السياسة الأمريكية القائمة الآن في اطار هذه الرؤية وتسعى الى تلبية هذه المطالب خطوة خطوة. ثانيا: الموقف العربي القائم والمحتمل بصدد قضية القدس: يقوم الموقف العربي على أساس ان القدس الشرقية أرض محتلة ينطبق عليها ما ينطبق على الأراضي المحتلة الأخرى، وتخضع لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة هذا بالاضافة الى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بصدد القدس، ومن ثم ترى الدول العربية ضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، إعمالا لقواعد القانون الدولى وأحكام الشرعية الدولية، هذا بالاضافة الى الحقوق التاريخية والقانونية للعرب مسلمين ومسيحيين في القدس حيث لم تنقطع السيادة العربية على القدس منذ القرن السابع الميلادي، ويختلف الموقف العربى عن الموقف الأمريكي بصدد مرجعية تسوية مشكلة القدس، فهذه المرجعية وفقا للعرب هى أحكام الشرعية الدولية والقانون الدولي، حيث ان قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة لا تسقط بالتقادم. وبالرغم من الأسانيد القانونية للحق العربي في القدس الشرقية، إلا ان الواقع العملي هو أن الحق وحدة لا يكفي وإنما يحتاج الى قوة تساعده وتدعمه وتحققه، وهو ما يفتقده العرب حتى الآن، خاصة في ظل غياب رؤية استراتيجية عربية متكاملة للتعامل مع قضية القدس واسترداد الحقوق العربية فيها. ويزداد موقف الحكومات العربية صعوبة في الفترة الحالية مع انهيار عملية السلام وازدياد الضغوط الأمريكية، وانفجار الانتفاضة الشعبية في الأراضي العربية المحتلة، وازدياد الضغوط الشعبية الداخلية في جميع الدول العربية، خاصة وأن موضوع القدس ليس من الموضوعات القابلة لتقديم تنازلات، وهو ما أدركته القيادة الفلسطينية في مفاوضات كامب ديفيد 2، بل وأن موضوع القدس قد صار العامل المحدد لنجاح عملية السلام أو اخفاقها في المستقبل، ويمثل قرار القمة العربية في عمان بشأن القدس والذي يقوم على قطع الدول العربية لعلاقاتها الدبلوماسية مع أي دولة تنقل سفارتها الى القدس وتعترف بها كعاصمة لاسرائيل ليقدم موقفا عربيا هاما بصدد هذه القضية. إلا ان السؤال الذى يطرح نفسه هو ماذا ستفعل الدول العربية اذا ما اتخذت الادارة الأمريكية قرارا بنقل السفارة الأمريكية الى القدس؟ هل ستستطيع تنفيذ قرار القمة أم ستواجه بصعوبات في هذا المجال في ظل الروابط القوية التى تجمع بين الولايات المتحدة والعديد من الدول العربية إن لم يكن معظمها؟ خاصة في ظل وضع الولايات المتحدة القائم الآن على المستوى الدولي؟ والاجابة عن هذا السؤال في ظل المعطيات الراهنة معروفة وهي صعوبة اتخاذ قرار بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة، ومن ثم يثور تساؤل آخر حول ما يمكن القيام به الآن خلال الفترة المقبلة لمنع صدور مثل هذا القرار بنقل السفارة الأمريكية الى القدس؟ للاجابة عن هذا التساؤل نقدم المقترحات التالية: ـ اجراء اتصالات عربية مكثفة مع الادارة الأمريكية لإيضاح الآثار السلبية التي يمكن ان تنتج عن نقل السفارة الأمريكية الى القدس سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو لعملية السلام أو للاستقرار والأمن في المنطقة. ـ اجراء اتصالات عربية مع جماعات المصالح الأمريكية خاصة الشركات التي ستتعرض مصالحها لمخاطر شديدة في المنطقة في حالة اتخاذ هذا القرار. ـ تشجيع قوى المجتمع المدنى العربية وتقديم الدعم والمساندة المالية والفنية لها لاجراء اتصالات بالمنظمات الأمريكية المختلفة لايضاح وجهة النظر العربية بصدد قضية القدس، ومكانتها الدينية والتاريخية المقدسة لدى الشعوب العربية والاسلامية، والمخاطر التى ستنجم عن تجاهل مشاعر الشعوب العربية والاسلامية بصدد هذه القضية. ـ تنظيم حملة اعلامية منظمة توضح الحقوق العربية والاسلامية فى القدس، وتؤكد على ان القرار بصدد هذه القضية ليس قرارا فلسطينيا وإنما هو قرار عربى اسلامي. ـ تنفيذ القرارات العربية السابق اتخاذها بصدد تقديم الدعم المالى للحفاظ على الطابع العربى للقدس، واقناع الادارة الأمريكية بضرورة الضغط على اسرائيل من أجل رفع الحصار عن الفلسطينيين، وتجنب اتخاذ اجراءات استفزازية فى القدس المحتلة. ومن ثم فإن على الدول العربية خلال الأمد القصير التركيز على ضرورة عدم اتخاذ الادارة الأمريكية لقرار نقل السفارة الأمريكية الى القدس بكافة الوسائل والسبل، والبدء في ذات الوقت بدراسة امكانية وضع استراتيجية عربية متكاملة على المستوى الشعبى والرسمى للتعامل مع هذه القضية الشائكة التي تخرج عن دائرة التنازلات. بقلم: د. محمد سعد أبو عامود ـ استاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان - مصر