رغم تعرض القدس للعديد من الغزوات واحتلالها من قبل اقوام عدة كالعبرانيين والاشوريين والبابليين والفرس والبطالمة والرومان الا انها احتفظت على الدوام بطابعها العربي. وقبل ان يحتلها الجيش الانجليزي سنة 1917 اثناء الحرب العالمية الاولى تحولت القدس الى معركة بين الكنائس المسيحية في العالم للحصول على الامتيازات الدينية تحت اسم حل المسألة الشرقية. وبصدور وعد بلفور في الثاني من نوفمبر سنة 1917 الذي قضى بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ومن ثم صدور قرار تقسيم فلسطين من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة في 29 نوفمبر 1947، واحتلال اسرائيل الجزء الغربي من القدس في 4 ابريل 1948، جعلت الصهيونية من القدس قضية سياسية ودينية وعرقية، وحولت اسرائيل معركة القدس الى معركة دينية، ولم تقبل بقرار تدويل القدس الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة سنة 1948 الا بعد ان اعترفت الامم المتحدة بقيام دولة اسرائيل، وفي سنة 1949 فاجأت اسرائيل العالم باعلانها القدس عاصمة لها، ومضت في ابتلاع كامل مدينة القدس، وعملت على تهويد المدينة واتبعت في سياستها العبث بالتراث الحضاري العربي الاسلامي والمسيحي. ولتحقيق هدف تهويد القدس عملت اسرائيل على طرد السكان العرب المسلمين والمسيحيين من المدينة، واطلقت سياسة مصادرة الاراضي الفلسطينية وهدم الاحياء العربية واقامة المستوطنات اليهودية، وتغيير المعالم الحضارية والثقافية والتراثية والدينية للمدينة. واذ هدمت اسرائيل عشرات المساجد والشواهد الاسلامية فقد طالت سياستها المسجد الاقصى فتعرض لمحاولات الحرق والنسف والهدم، ففي عام 1969 كان اكبر حريق تعرض له المسجد الاقصى واستولت على حائط البراق واسمته حائط المبكى وتعرض المسجد للحفريات بمزاعم من اسرائيل عن وجود آثار يهودية واسفرت هذه الحفريات عن وجود آثار اسلامية بدلا من اليهودية، وتعرض المسجد الى تشقق في الجدار نتيجة لتلك الحفريات. الصراع التاريخي الديني وقد احتدم الصراع حول مدينة القدس منذ القدم لاسباب متعددة دينية وسياسية وتاريخية اثنية، وقد ابتدأت اولى مراحل الصراع عندما دخل يوشع بن نون الى فلسطين يقود اتباع موسى واستمر صراعهم مع اليبوسيين والكنعانيين 140 عاما الى ان تمكن النبي داوود من السيطرة عليها واقامة مملكته فيها عام 1049 ق.م، واستمرت مملكة داوود وابنه سليمان قرابة السبعين عاماً. ولقد شهدت مدينة القدس اعمال التخريب والدمار على ايدي كل من حاول احتلالها على مر التاريخ الا ان الفتح الاسلامي كان محافظا على الناس والاعراض والاموال والكنائس والمعابد والممتلكات. ويمكن ملاحظة اهمية البعد الديني والاثني في الصراع حول المدينة والذي ساد اثناء مرحلتي الصراع الاخيرتين بشكل حاسم، وهما مرحلة الصراع الصليبي الاسلامي (1099 - 1187) ومرحلة الصراع بين الحلف الاستعماري الصهيوني والامة العربية الاسلامية (1949 ـ حتى وقتنا الحاضر). وبعد نجاح المسلمين في افشال الحملات الصليبية المتتالية على فلسطين غدت القدس رمزاً لجهادهم من أجل استعادة الارض والحقوق، فكان من أهم مسئوليات الكيانات السياسية المتتابعة المحافظة على القدس عربية اسلامية والعمل علي تعزيز هويتها وتراثها الاسلامي. ويعتبر الفلسطينيون البلدة القديمة هي قلب مدينة القدس المحتلة، وهي ليست مجرد قطعة ارض من الاراضي العربية المحتلة عام 1967، لكنها تعتبر مركز النضال الوطني بخصوص القدس لانها تتمتع برمزية دينية خاصة عند المسلمين والمسيحيين كما استغلت الحركة الصليبية هذه الرمزية لجمع اليهود فكريا وربطهم بالارض والمقدسات المزعومة في محاولة للبحث عن عمق حضاري في التاريخ وتقديمه بصورة حديثة. ان الصراع القائم اليوم على القدس بين الفلسطينيين والاسرائيليين يمثل حجر الزاوية في امكانية التوصل الى اي حل سياسي، فالدولة الفلسطينية تعتبر القدس عاصمتها ومجالها الحيوي حيث يسكن 10% من فلسطينيي الضفة الغربية في القدس الشرقية، وتحظى المدينة بأهمية دينية وتاريخية وثقافية وتجارية، كما تمثل ورقة مهمة لرسم دور فلسطيني معتبر على صعيد العالم العربي يسهم في الحصول على مساعدات من الدول العربية، وهو ما يوفر مبررات موضوعية للصراع. تطور النزاع في عام 1947 اصدرت الامم المتحدة قراراً بتقسيم فلسطين الى دولة عربية واخرى يهودية، ووضع مدينة القدس تحت وصاية دولية، وفي الحربين 1948 و1967 تمكنت اسرائيل من السيطرة على القدس بأكملها وضاعفت مساحة القدس لتصبح 100كم مربع بدلاً من 4 كم مربع كما كان الحال قبل 1948. ولضمان وجود غالبية يهودية كبيرة ضمن القدس اقدمت اسرائيل على ضم القرى العربية المجاورة ضمن حدود القدس. وقد ظلت القدس على الدوام جوهر ولب الصراع العربي الصهيوني. فعقدت معاهدة كامب ديفيد 1979 وكانت القدس مشكلة اساسية عند تناول موضوع فلسطين، ثم بادرت الولايات المتحدة بفكرة عقد مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط بهدف تسوية القضية الفلسطينية نهائياً وذلك نتيجة لاشعال الانتفاضة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت في 1987. ومن ثم عقد مؤتمر مدريد عام 1991 حيث على اثره وفي اطاره توصل الطرفان (الفلسطيني والاسرائيلي) الى اتفاق سمي «اعلان مباديء» عام 1993 تبعته عدة اتفاقات مرحلية على مشارف الوصول الى المفاوضات النهائية حسب ما ورد في إعلان المباديء المذكورة ثم اتفاقية أوسلو 1993 تم الاتفاق فيها على تأجيل البت في وضع القدس النهائي، وعلى صعيد سكان القدس الفلسطينيين سمح لهم الاتفاق بالمشاركة في العملية الانتخابية الخاصة بالحكم الذاتي الفلسطيني تحت شروط معقدة، مما يشير الى تشدد اسرائيل في الجانب الجغرافي والسياسي ومرونتها النسبية في موضوع السكان الفلسطينيين ومن جهة اخرى لم ينص الاتفاق المذكور على ابقاء الوضع القائم للمسائل المؤجلة مثل القدس على ما هو عليه مما سمح لاسرائيل بالاستمرار في اجراءات التهويد المختلفة. وفي شهر يوليو من عام 2000 عقدت قمة بين رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود باراك ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وبرعاية الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون سميت بقمة كامب ديفيد (الثانية) ولم تتمكن الاطراف المشاركة من التوصل الى اتفاق محدد، واعلن عن فشل القمة رسمياً بسبب عدم القدرة على الاتفاق على مسألة وضع القدس والاماكن المقدسة فيها، في حين اعلن الجانب الفلسطيني انه رفض التنازل عن السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية. واستمر الاتجاه الاعلامي بتبادل الاتهامات بالمسئولية عن فشل المفاوضات بين الجانبين الى ان قامت السلطة الاسرائيلية باستفزاز المشاعر الدينية الاسلامية لدى الفلسطينيين والعرب عندما دنس ارييل شارون ارض الحرم الشريف يوم 28/9/2000 مما أدى الى حدوث مجزرة دامية في الحرم القدسي قامت بها قوات الاحتلال في اليوم التالي عقب انتهاء صلاة الجمعة، ومن ثم ممارسة شتى انواع العنف والارهاب المنظم ضد الفلسطينيين في جميع انحاء الاراضي المحتلة. فاشتعلت نار الانتفاضة اثر تزايد دعوات شارون بهدم المسجد الاقصى واقامة ما يسمى بهيكل سليمان مكانه، وقد اخذت قوات الاحتلال تفتك بالابرياء لتتصدى لهذه الانتفاضة، فاستخدمت الاسلحة المحرمة دولياً وغاز الاعصاب، وقصفت غزة ورام الله بالطائرات ودمرت بعض مقرات حركة فتح، وطال القصف مكاتب تابعة للرئيس ياسر عرفات نفسه، حيث سقط ما يقارب 410 شهداء وآلاف الجرحى منهم 1600 اصيبوا باعاقة دائمة وتشوهات مختلفة وهم بحاجة الى ميزانية ضخمة لرعايتهم ورعاية عائلاتهم، واخذت تصفي البارزين والنشطاء في مقاومة الاحتلال كما قصفت المنازل القريبة من المستوطنات بالمدفعية والرشاشات وجرفت الاراضي الزراعية واقتلعت الاشجار المثمرة بحجة اطلاق النار من تلك المناطق، مدعية ان هذه الاشجار تعيق المراقبة. ولم تكتف اسرائيل بذلك بل جندت المخابرات الاسرائيلية العديد من الخونة والجواسيس، لتصفية النشطاء من الفلسطينيين عن طريقهم، كانت ترسل البعض منهم لاطلاق النار، وحشي المفرقعات النارية التي تستعمل في الالعاب من بين البيوت السكنية لتكون ذريعة لاطلاق النار بالمدفعية ورشاش 800 ورشاش 500 صوب المنازل المأهولة بالسكان. لقد تفاقمت المشكلة واتجهت من سيء الى اسوأ فأخذت تسهل الهجرة الى كندا والولايات المتحدة لتشجع الشباب اليافع على الهجرة، وبذلك يمكن تفريغ الوطن من هؤلاء الذين يشكلون خطراً على الامن الاسرائيلي. سيناريوهات وحلول هناك عدة اشكال من الحلول في بنية واحدة، ويشمل ذلك الحل الديني المتعلق بالاماكن المقدسة، والحل الوظائفي القائم على اساس تقسيم الشطر الشرقي وفقا لاوضاعها السكانية الاثنية ومن مشاريع الحلول التي طرحت. اولاً: ان تكون القدس عاصمة اسرائيل في غرب المدينة، وعاصمة فلسطين خارج حدود البلدية الحالية وبمحاذاتها، وعلى ان تتمتع البلدة القديمة بسيطرة مشتركة ويتبع سكانها لدولة فلسطين، وامكانية استبدال اليهود المقيمين في الحي الاسلامي بالبلدة القديمة بفلسطينيين عائدين من المنفى، وتتمتع الاحياء العربية منها واليهودية باستقلال ذاتي مع وجود مجلس بلدي أعلى مشترك، يدير الفلسطينيون الحرم القدسي الشريف ويدير الفاتيكان الاماكن المسيحية المقدسة، ويشرف على الأمن فيها شرطة مشتركة فلسطينية واسرائيلية. ثانياً: ان تخضع الاماكن المقدسة لادارة دينية من ممثلي الديانات الثلاث بأمن فلسطيني اسرائيلي مشترك وسيادة رمزية فلسطينية بالعلم الفلسطيني والقدس موحدة تحت السيادة الاسرائيلية مع ادارات احياء ذاتية وتقسم المدينة الى بلدتين فرعيتين ومجلس بلدي اعلى. انشاء مدينة جديدة فلسطينية على اجزاء من القدس الكبرى خارج حدود البلدية الحالية وانشاء مجلس تنسيق مع اتصال جغرافي بين المدينتين. ثالثاً: ان تتخلى اسرائيل عن مناطق ذات كثافة عربية خارج الاسوار مقابل ضم مستوطنات يهودية من خارج الاسوار الى اسرائيل، وان يشترك الفلسطينيون في السيادة على القدس القديمة مع اسرائيل، ان تبنى عاصمة فلسطينية على اجزاء من القدس بمحاذاة الحدود البلدية الحالية للمدينة، ان تعتبر المدينة الحالية عاصمة لاسرائيل مع تدويل الاماكن المقدسة بصفة دبلوماسية تتجدد كل 25 عاماً، وتقسم المدينة ويدير كل حي شئونه الخاصة. وكلها حلول او مشاريع تجاري المواقف الاسرائيلية ولا تتضمن حلا جذريا وعادلا للمسألة. فقضية القدس بأبعادها الدينية والسياسية والتاريخية هي جوهر الصراع العربي الاسرائيلي، وما يطرح من مشاريع اسرائيلية عبر التفاوض انما يعمل على تكريس الامر الواقع الصهيوني وينقض الحق العربي الاسلامي فيها. وستبقى قضية القدس اساس الصراع على مدى الاجيال القادمة ما لم يتحقق حلا عادلا يعيد الحقوق الى اصحابها الشرعيين، وهو ما يبدو بعيد المنال في المدى القريب. اعداد: هويدا بن طوق