جاء التصريح الذى أطلقه وزير الخارجية الأمريكى كولن باول، ليقلب الطاولة من جديد أمام من كان يروج لفكرة ان الادارة الامريكية الجديدة سوف تعتمد نهجا مختلفا عن ذلك الذى ظلت الإدارات الامريكية السابقة تنتهجه فى تعاملها مع ملف الصراع العربى الاسرائيلى. فوزير الخارجية الامريكي أعلن بوضوح قبل القيام بجولته الشرق أوسطية ان ادارة الرئيس الامريكي الجديد جورج بوش عازمة على نقل السفارة الامريكية الى القدس، وهذا التصريح تحديدا كان ردا عمليا على حالة التفاؤل التى سادت العالم العربى بعد فوز بوش على منافسه آل جور الذى كانت صورته الرائجة فى وسائل الاعلام العربية هى صورة المنحاز تماما الى اسرائيل ، والذى يقوم اللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة بتحمل كافة تكاليف حملته الانتخابية ، ساعيا بقوة الى تحقيق نجاح له انتظارا للحصول على ثمن سيكون فى النهاية متمثلا فى انحياز تام لصالح الكيان الصهيونى، وتنفيذا لقرار نقل السفارة الامريكية الى القدس. كانت صورة بوش غير المنحاز لليهود فى مقابل صورة آل جور المنحاز ضد قضايا العرب والذى سبق له أن أعلن عدة مرات خلال حملته الانتخابية الرئاسية عن عزم تام على نقل السفارة التى كان الكونجرس قد اقر بالفعل مشروع قانون يدعو ادارة البيت الابيض الى نقلها من تل أبيب الى القدس ، ولكن ادارة الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون لم تتحمس له، واستخدم كلينتون سلطاته فى وقف تنفيذ هذا القرار لعدة سنوات، وحتى يصل الطرفان العربى الاسرائيلى الى اتفاق سلام شامل . وعلى الرغم من ان كولن باول قد استمع فى المنطقة الى ردود فعل غاضبة بشأن تصريحه، الأمر الذى دفعه للتعلل بان هناك سوء فهم وان الأمر متروك الى الوقت الذى سيحل فيه السلام النهائى، فانه فى ظل المزايدات التى دخلت فيها الادارة الامريكية الجديدة، للظهور بمظهر التعاطف التام مع اسرائيل، بل والتسابق الامريكي لادانة أى عملية استشهادية تقوم بها الفصائل الفدائية الفلسطينية ضد العنف الاسرائيلى المتواصل و ارهاب الدولة الذي تمارسه العصابات المنتمية لهذا الكيان ضد المدنيين الفلسطينيين. فى ظل هذا فان توقع ان يستمر وقف تنفيذ قرار الكونجرس بشأن القدس سيظل أمرا محفوفا بالوهم، خاصة وان الادارة الامريكية الجديدة مازالت تواصل صب ادانتها العنيفة للسلطة الوطنية الفلسطينية وضد العمليات الجهادية بل وضد استخدام الاطفال والشبان الفلسطينيين للحجارة لمقاومة دبابات اسرائيل وقنابلها العنقودية وجنودها المدججين باحدث الأسلحة ، فى الوقت الذى لم يصدر عنها تصريح واحد يدين قيام الطائرات المروحية بغارات تقصف خلالها المنشآت والمبانى الحكومية والمدنية الفلسطينية فى مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية . هجوم امريكي تغاضى العرب عن تصريحات بوش خلال حملته الانتخابية، والتى أكد فيها أكثر من مرة، ان نجاحه فى الانتخابات الرئاسية سوف يعنى اطلاق اليد التى ستنفذ قرار الكونجرس لنقل السفارة الامريكية الى القدس، تماما بنفس القدر الذى تجاهلوا فيه التصريحات التى أطلقها المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية قبل أيام عندما هاجم الدول العربية جميعها وركز انتقاداته ضد عدد من حكام تلك الدول لمواقف اتخذت خلال القمة العربية التى عقدت فى عمان والتى اعتبرتها واشنطن قد صبت فى صالح معاداة اسرائيل . وكأن العرب لم ينظروا الى الادارة الامريكية من واقع سياستها التى لم تكن منصفة فى اى يوم للعرب فى صراعهم مع الاحتلال الاسرائيلى والتى شهدت انحيازا متواصلا لصالح الكيان الصهيونى، سواء بالدعم الذى لم ينقطع يوما فى كافة العهود التى شهدها البيت الابيض، أو باستخدام حق النقض (الفيتو ) ضد اى قرار قد يحمل فى طياته صيغة ادانة لممارسات اسرائيل واعمالها العدوانية، وآخرما استخدمه الشريك الامريكي فى هذا الصدد، ذلك الفيتو الذى اطلقه مؤخراً ضد صيغة قرار فى مجلس الأمن كانت تطالب بتوفير حماية دولية للسكان الفلسطينيين فى مناطق السلطة الوطنية. ولعل هذا الاستخدام الذي لم يكن يمكن تفسيره الا فى خانة الانحياز التام لاسرائيل، والذى جاء أشبه برسالة واضحة الى مؤتمر قمة عمان الذى كان موعد انعقاده متزامنا مع مناقشة قرار حماية المدنيين الفلسطينيين فى مجلس الأمن، هذا الاستخدام للفيتو هو دليل آخر على ما يمكن توقعه من ادارة كتلك وربما من كل الادارات الامريكية سواء السابقة أو حتى القادمة . لقد اعتقد الكثيرون فى منطقتنا ان عدم تولى أى يهودى منصبا قياديا فى الحكومة والادارة الامريكية الجديدة، يمكن اعتباره ردا عمليا من ادارة بوش على وقوف اللوبى اليهودى بكامل قوته الى جانب المنافس الامريكي الاخر على الرئاسة آل جور، واعتقدوا ايضا ان تعيين وزير من أصول عريبة كابراهام سبنسر، يعنى ان هناك توجها أمريكيا مغايرا للتوجهات التى تبنتها الادارات الرئاسية الامريكية المتعاقبة على البيت الأبيض، ولكن الواقع العملى والتصرفات والقرارات التى اتخذتها ادارة بوش الحالية لم تصب الا فى صالح اسرائيل، ليتلاشى الحلم العربى بانتهاء زمن الانحياز الى تل أبيب، وينفرط الامل فى امكانية قيام الولايات المتحدة باتخاذ موقف متوازن تجاه قضية السلام فى الشرق الاوسط. وفى الوقت الذى اعلنت فيه ادارة البيت الابيض ولعدة مرات ان استراتيجيتها تجاه السلام فى المنطقة سوف تكون مختلفة عما كان يتخذ فى السابق، موضحة ذلك بان واشنطن لن تنغمس بشكل مباشر فى المفاوضات التى قد تجرى وان الامر سوف يقتصر فقط على متابعة مايجرى، هناك وتقديم الدعم اللازم من بعيد، دون ان تعتبر الولايات المتحدة نفسها شريكا فى المفاوضات، فى ذلك الوقت اعاد تقرير وزارة الخارجية التى رفعته الى الكونجرس لتقويم سلوك منظمة التحرير الفلسطينية والذى جاء متزامنا مع حملة تصريحات لمسئولين فى الادارة الامريكية حملت الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات مسئولية استمرار الانتفاضة ودعته فى بعض الاحيان الى تقديم الاعتذار لاسرائيل، أعاد هذا التقرير التنديد باعمال المقاومة الذى يمارسها الفلسطينيون العزل ضد العمليات الاسرائيلية الاجرامية التى ترتكب كل يوم، متهما «أفراد واعضاء فى الاجهزة الامنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية ومجموعات مرتبطة بحركة فتح بالتحريض والمشاركة فى اعمال عنف ضد اسرائيل». ويشير تقرير وزارة الخارجية الامريكية الى قيام حركة فتح «بتدريب شبان فلسطينيين على حمل السلاح واعمال حرب العصابات والتنسيق فى ذلك مع حركة حماس». واشار هذا التقرير المنحاز الى انه لاحظ «ان مشاركة الشرطة الفلسطينية و«التنظيم» التابع لحركة فتح فى اطلاق النار على القوات الاسرائيلية باتت أمرا مألوفا فى اواخر الفترة التى شملها التقرير وهى نهاية العام الماضى، وان السلطة الوطنية الفلسطينية لم تتخذ اى خطوات تأديبية بحق هؤلاء الذين شاركوا أو حرضوا على هذه الاعمال». وهذا التقرير الذى صدر فى نفس وقت زيارة الرئيس المصرى حسنى مبارك لواشنطن، جاء أيضا فى اعقاب زيارة كولن باول وزير الخارجية الامريكي لخمس دول عربية استمع فيها الى رفض عربى قاطع لأية سيادة غير فلسطينية على الأماكن المقدسة فى القدس، ودعوة الولايات المتحدة لاعادة ترتيب أولوياتها فى الشرق الاوسط، وضرورة اتخاذ واشنطن منهجا مختلفا فى التعامل مع عملية السلام، يتغير فيه الموقف الامريكي من لعب دور ساعى البريد الى دور شريك مساعد يقوم بطرح أفكار مساعدة لأطراف التفاوض، ويمارس ربما ضغوطه عليها من اجل تقديم افكار ايجابية، ولكن ليس بطريقة الضغوط التى كان الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون قد مارسها على رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات اثناء مفاوضات كامب ديفيد الثانية، عندما حاول بنفسه املاء اتفاق بشأن القضايا الاربع التى كانت ورقة امريكية اسرائيلية مشتركة كانت قد تمت صياغتها خلال زيارة للمنطقة قام بها المبعوث الامريكي السابق دينيس روس، وتعلقت بالوضع النهائى، فقد سعى كلينتون لفرض اتفاق حول هذه القضايا على الفلسطينيين، يشير الى دولة فلسطينية تقام على 20 فى المئة من فلسطين فى الضفة والقطاع منقوصة السيادة ومخترقة بالمستوطنات ولاتسمح حتى بعودة نصف الشعب الفلسطينى الى دياره . سيادات صهيونية وعندما وصل التفاوض الى القدس القديمة والحرم القدسى والمقدسات المسيحية والاسلامية، وقف كلينتون الى جانب رئيس الوزراء السابق ايهود باراك مساندا اياه فى فرض السيادة الاسرائيلية، واعتمد الاثنان فى ذلك الوقت خطة تحدثت عن سيادات أخرى سماوية ودينية وادارية ووظيفية، يمكن ان يمنحها الاسرائيليون باعتبارهم وفقا للرؤية الامريكية أصحاب «السيادة السياسية»، وهى الخطة التى رفضها المفاوض الفلسطينى بعد ان تلقى دعما عربيا واسلاميا، استطاع به الصمود فى وجه ضغوط شديدة وتهديدات مارسها كلينتون وادارته وتعززت باعلام صهيونى مضلل . هذا ماحدث فى عهد كلينتون وهو مرشح ان يحدث أيضا فى عهد الادارة الامريكية الحالية، ففى منتصف شهر مايو المقبل سوف يحل موعد ذكرى قيام الدولة العبرية، وفى نفس التوقيت أيضا سوف يصدر قرار الادارة الامريكية النصف سنوى بشأن نقل السفارة، وهو اما سيوصى بالبدء فى النقل أو ارجاء ذلك لستة أشهر أخرى، لذلك فان المطلوب من الجانب العربى حاليا هو السعى فورا لبلورة استراتيجية عربية موحدة بشأن استرداد القدس والتشديد على عروبتها، خصوصا بعد ان طرح رئيس وزراء اسرائيل المتعصب ارييل شارون عقب توليه منصبه خطة للتعامل مع موضوع القدس تشمل خطين أحمرين، عدم الانسحاب من القدس، وان القدس الموحدة عاصمة لاسرائيل، ومن ثم الانطلاق فى التحرك السياسى من اقتناع بعدم توافر احتمالات التوصل لتسوية بسبب قضيتى القدس وعودة اللاجئين، ومن ثم التطلع الى ابرام اتفاقيات جزئية مع التركيز على التهجير الصهيونى . من هنا فان الأمر يتطلب تنسيقا عربيا عاجلا بشأن هذه القضية المصيرية، وهذا التنسيق الذى لابد من ان يسير فى اطار استراتيجية واضحة المعالم، هو الضمان الوحيد المتاح لمنع اى تفريط بشأن القدس ومقدساتها العزيزة على قلب كل عربى ومسلم، والتى كانت الغيرة لها سببا فى اندلاع مظاهرات غير مسبوقة فى حجمها فى معظم الدول العربية والاسلامية انتصارا للقدس واماكنها المقدسة، عقب قيام المجرم الصهيونى شارون بتدنيسها . لابد من وقفة عربية موحدة وقادرة على منع أى تنازل فى مدينة القدس، تلك المدينة التى تمثل احدى خيمات العروبة الاخيرة . بقلم: زكريا عبد الجواد ـ كاتب مصرى