هل الموقف الأمريكى من القدس لا يعكس سوى نجاح اللوبى الصهيونى فى دفع واشنطن لاحتضان الكيان الصهيونى وضمان التفوق الاستراتيجى؟ إن الاجابة بنعم تعبر فقط عن أحد وجوه الحقيقة، إلا ان نظرة أعمق للمسألة، تقود إلى جوانب أخطر، لأنها ترتبط بالتكوين الحضارى/ العقائدى في بعده التاريخي، والذي يصيغ في المحصلة الأخيرة رؤية الرأي العام وصانع القرار على السواء فى الولايات المتحدة، ومن ثم فإنه يؤثر بشدة على الجانب العملى لتوجهات السياسية الأمريكية. وإلى حد بعيد، فإن غياب أو تغييب هذا الجانب عند تثمين موقف إدارة بوش الأبن، وما سبقها من إدارات متعاقبة، بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، تقود إلى خطأ فادح في التقدير، يؤثر بالسلب- على حسابات ردود الفعل المناسبة لمواجهة مواقف واشنطن، وصولا الى عدم القدرة على بناء استراتيجية صحيحة للتعاطى مع السياسة فى ممارستها التى تتجاوز المواسم الإنتخابية إلى المواقف الثابتة والمبدئية من جانب، والتكتيكات التي تتبناها كل إدارة من جانب آخر. أكثر من (بالون) أو (زلة) وفق هذا الطرح لايمكن تقييم أمور من قبيل تصريح متحدث باسم البيت الأبيض حول دراسة الرئيس بوش إمكانية نقل السفارة الأمريكية فى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، أو تأكيد كولن باول وزير الخارجية الأمريكى الجديد، على ان القدس عاصمة إسرائيل (الأبدية) و(الموحدة)! وان إدارة بوش ملتزمة بنقل سفارتها للقدس بأنها مجرد (بالون اختبار) أو (زلة لسان) أومحاولة للإيحاء بأن التقارير التي أشارت إلى ان إدارة بوش سوف تكون أقل انحيازا لإسرائيل من سابقتها، كل تلك الاجتهادات تقود إلى خطأ فى الحساب، ومن ثم الاقدام على رد فعل لا يكافئ فى قوته النوايا المدمرة، والسياسات المعدة للتنفيذ، والتى لا تنتظر سوى اللحظة المواتية. وربما يثير بعض علامات التعجب ان بوش الابن غير مدين للأموال أو الأصوات اليهودية، بل على العكس فإن تلك الأموال والأصوات كانت تدعم منافسه آل جور، وتطرح هذه الدهشة تساؤلا مهما: لماذا يتحيز بوش إذن- بهذه الدرجة بعد ان منحه 70% من العرب والمسلمين الأمريكيين أصواتهم مقابل اعلان اليهود للحرب عليه؟ من يتصور ان تحيزه ناجم فقط عن طبيعة العلاقة الاستراتيجية المتميزة التى تربط الكيان الصهيونى بالولايات المتحدة، ودور اللوبى الصهيونى في التأثير على فعاليات وآليات النظام السياسي هناك يندفع في الطريق الخطأ، إذ ان بوش ليس فقط نتاجاً لعقود من الإنحياز الأعمى الذى تمارسه واشنطن حيال الكيان الصهيوني لكنه والعديد من الإدارات الأمريكية التى سبقت إدارته نتاج لنظام حضاري / عقائدي متجذر فى نسيج المجتمع الأمريكي، صاغه ومازال يسهر على رعايته اللاهوت الكنسى واذرعه ممثلة فى المنظمات الأصولية المسيحية (أو المسيحية اليهودية) التى وان كانت متحالفة مع التيارات اليمينية، الا انها مؤثرة بشكل عام ودرجة هائلة على الساحة السياسية، باختلاف أطيافها، وهى تخترق فى ذات الوقت كلا الحزبين الكبيرين الجمهورى والديمقراطى، عبر تكتيكات واستراتيجيات تتناسب مع النمط الأمريكى، وتستهدف البناء السيكولوجى والقيمى للمواطن الأمريكي. وخطورة تلك البنية نابعة من التبنى الكامل للأيديولوجية الصهيونية، ليس فيما يتعلق بتفسيراتها التوراتيه فحسب، لكن أيضا ما يتعلق بالجانب العملى المرتبط بإقامة إسرائيل، وإرتهان المجئ الثانى للسيد المسيح بالتعاون مع الدولة العبرية، وتمكينها من القدس كعاصمة لها، وهدم المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل حتى تكتمل مملكة السيد المسيح قبل المجيء الثانى. هكذا، فإن بوش الابن، ومن قبله كلينتون، ينتميان إلى جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية الذى تأثر أكثر من غيره بالمنظومة التعليمية الاعلامية التى تسيطر عليها المنظمات الأصولية المسيحية المرتبطة عضويا بل والمتحالفة مع اليهود استنادا إلى تفسيرات توراتية للتاريخ، تسقط بالفعل أى حق للمسلمين. (توليفة) قديمة.. جديدة ومنذ ما قبل ميلاد الدولة العبرية تضافرت جهود المنظومة الأصولية المسيحية مع المنظمات الصهيونية لشحن الرأى العام وتعبئته بإتجاه دعم مخططات اليهود للسيطرة على فلسطين، وتلاقى التفسير التوراتى للتاريخ مع نجاح إسرائيل فى بسط سيطرتها على القدس، وما لبث ان أصبحت تلك (التوليفة) جوهر الثقافة الأمريكية، والنظام العقائدى للمواطن الأمريكى حتى أصبح التصويت لصالح المرشح الرئاسى الأكثر اخلاصا للأصولية المسيحية، منذ صعود جيمى كارتر ذلك الجنوبى المغمور ومع تنامى الحركة الاصولية المسيحية، وتلاقيها مع المؤشر الصاعد للتنظيمات المعبرة عن اليمين المحافظ، كان من المنطقى ان يتبلور موقف داخل البيت الأبيض كذلك الموقف الذى يعلنه بوش الابن واقطاب إدارته. ان تصوير موقف إدارة بوش على أنه تحول دراماتيكى يعنى ان ثمة قراءة غير دقيقة وراء هذا التصور، غابت عنها بديهية بسيطة مفادها ان التراكمات الكمية لحجم الدعم الاستراتيجى الامريكى للكيان الصهيونى ولمتوالية ضغوط اللوبى الصهيونى، انطلاقا من أرضية ثقافية دينية تاريخية لابد وأن تقود إلى تحول كيفى، بعد زخم مرحلة زمنية تتجاوز النصف قرن. لقد تعاملت الولايات المتحدة مع قضية القدس بعد اعلان قيام الدولة العبرية، وحتى عدوان يونيو 67 باعتبار القدس الغربية جزءاً من إسرائيل، حسب الأمر الواقع، ولم يكن التوازن الدولى القائم حينئذ- يسمح بأكثرمن نظر الولايات المتحدة إلى القدس الشرقية إلا باعتبارها منطقة محتلة تخضع لنصوص القانون الدولى الذى ينظم حقوق والتزامات دول الاحتلال، وتعاطت الولايات المتحدة مع وضعية القدس عند إبرام وثائق كامب ديفيد بالاعلان عن ان موقف واشنطن بشأن القدس يظل هو نفس الموقف، بل ان الوضع الدولى خلال تلك المرحلة فرض عليها ان توافق على مجموعة من قرارات مجلس الأمن التى تؤكد بوضوح ان القدس الشرقية أرض محتلة لايجوز تغيير أوضاعها السياسية أو الديمقراطية. إرهاصات التحول يمكن رصد إرهاصات التحول الذى قاد إلى الموقف الراهن منذ مارس 1980، حين صوتت الولايات المتحدة إلى جانب قرار يدين إقامة إسرائيل المستوطنات بما فى ذلك تلك التى تقيمها فى القدس باعتبارها غير شرعية، إلا ان اللوبى الصهيونى مارس ضغوطاً شديدة على الرئيس كارتر، فأعلن بعد 48 ساعة من التصويت أنه كان بمثابة (غلطة) وأن الموقف الصحيح كان يقتضى الامتناع عن التصويت! وبعد نحو ثلاثة شهور من هذا الموقف اعلنت إسرائيل رسميا ضم القدس بقانون أصدره الكنيست فى نهاية يونيو 1980 ! وخلال الثمانينيات تسارع الإيقاع: ففى مارس 84 درس الكونجرس اصدار قرار بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والمثير ان الحكومة الإسرائيلية هى التى عرقلت صدوره حتى لا يؤثر ذلك بالسلب على مصالح الدولة العبرية حسب تقديرات حكومتها حينئذ، وفى عام 1988 رفع مجلس النواب الحظر الذى كان مفروضا على تمويل إقامة منشآت أمريكية فى القدس والمعنى فى بطن المشرع والمغزى واضح وفى عام 1990 أصدر مجلس الشيوخ قرارا أكد فيه على إيمان الكونجرس العميق بأن القدس لابد وأن تبقى مدينة موحدة. هكذا مهدت مبادرات الكونجرس إلى رفع الموقف الأمريكى الرسمى بإتجاه التخلى عن حق العرب فى القدس العربية، مع التأكيد على حق الدولة العبرية فى الاحتفاظ بالقدس الموحدة عاصمة لها !! منذ ذلك الحين أصبح البرنامج العام للحزبين الديمقراطى والجمهورى يتضمن إشارة إلى اعتبار القدس (العاصمة الموحدة) للدولة العبرية، ومنذ انتخابات 1992 أكدت البرامج الإنتخابية الرئاسية على ذات الاتجاه، وأصبح الموقف الثابت لواشنطن يتمثل فى استبعاد عودة مدينة القدس مقسمة مرة أخرى، وأن وضعها النهائى يجب ان يتم تحديده بالمفاوضات، الأمر الذى يحمل فى ظاهره تناقضا غير مفهوم، إلا أنه فى الجوهر لا يعنى سوى تمهيد واشنطن لفترة استمرار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، مع تجميل الفكرة بعناصر تضفى بعض القبول وربما البريق الزائف لدى الفلسطينيين والعرب، من قبيل الفصل بين السيادتين الدينية والسياسية، أو تقسيم المدينة إلى إدارات سكانية محلية، مع استمرار السيطرة النهائية والعليا للحكومة الإسرائيلية! قرار غير مسبوق! كانت ذروة المواقف المرتبطة بقضية القدس فى منتصف التسعينيات حين أصدر الكونجرس قراره غير المسبوق فى أكتوبر 1995، والذى ينص على نقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس فى موعد غايته نهاية مايو 1999 واستند القرار إلى مزاعم من قبيل ان مدينة القدس بالفعل هى عاصمة للدولة العبرية، تم توحيدها عام 1967، وأنها المركز الروحى لليهودية، وأنه بينما تحتفظ الولايات المتحدة بسفارة لها فى العاصمة الفعلية لكل دولة، فإن الاستثناء الوحيد يتمثل فى إسرائيل الدولة الصديقة التى تعد حليفا استراتيجيا، ثم ان التعاملات الرسمية بين المسئولين الأمريكيين والإسرائيليين تتم فى كثير من الأحيان على المستوى الرسمى فى القدس، الامر الذى يعتبر اعترافا واقعيا بوضع المدينة كعاصمة لاسرائيل، ولا يبقى إذن سوى اضفاء (الغطاء الشرعى) للمسألة، عبر إجراء فعلى !! وبغض النظر عما يعنيه ذلك من تراجع الإلتزام بإحترام مقررات الشرعية الدولية، بل إن كلينتون لوح أكثر من مرة خلال الشهور الأخيرة من ولايته، بأنه إذا لم يثبت الفلسطينيون جدية كاملة فى التوصل إلى اتفاق سلام، فإنه سوف (يضطر) لإتخاذ قرار بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وعدم استخدام حقه فى تأجيل التنفيذ لمدة 6 شهور، إذا اقتضت المصلحة القومية ذلك !!مرة أخرى فإن العرب إذا شاءوا تقديرا دقيقا لموقف إدارة بوش الابن ان يضعوا فى حساباتهم التأثير المتراكم للأصولية المسيحية فى صياغة العقل الأمريكى المعاصر، ومن ثم توجهات السياسة الخارجية والتعاطى مع موقف ادارة بوش على انها نتيجة منطقية لتراكمات معقدة ومتداخلة، وعلى مدى طويل، قادت إلى تحول كيفى، وليس مجرد تطور دراماتيكى مفاجئ. إن تكييف المسألة على هذا النحو يمكن ان يمثل الخطوة الأولى فى بناء استراتيجية عربية تستهدف التأثير الفعال ليس فقط على صانع القرار، ولكن صياغة المؤثرات التى توجه الرأى العام الأمريكى، وتساهم بالأساس فى إزالة سوء الفهم المزمن للإسلام والمسلمين، والعرب والعروبة، إذ ان سوء الفهم الذى تكرسه الآلة الاعلامية للأصولية المسيحية المتحالفة مع اليمين الأمريكى وجماعات الضغط اليهودية، تغذى عملية استمرار الانحياز للكيان الصهيونى من ناحية، وتؤجج نار الصراع مع العالمين العربى الإسلامى من ناحية أخرى، فى ظل نظام ثقافى عقائدى معاد للعرب والمسلمين، والكف عن حصر التحرك العربى دائما فى محاولة تقديم العرب كأصدقاء للولايات المتحدة، وأنه بإمكانهم منافسة الدور الإسرائيلى فى الشراكة الاستراتيجية، والتعبير والدفاع عن المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط. ان أى رهان من قبيل حدوث تمرد هادئ داخل الإدارة الأمريكية ضد النفوذ الصهيونى هو رهان خاسر، طالما غابت عن الرؤية العربية حقيقة تأثير العناصر الحضارية العقائدية فى بعدها التاريخى الغائر فى عمق العقل والضمير الأمريكي. تلك فقط هى البداية الصحيحة لصياغة لغة مشتركة مع الولايات المتحدة وإلا فإن بناء لوبى عربى مهما كانت قوته لن يعنى سوى ضياع الوقت والحقوق.. بقلم: علاء عبد الوهاب ـ كاتب سياسي مصري