قد يكون من الوهم وخداع الذات العربية لو اعتقدنا ان موقف امريكا من ملف القدس يختلف عن كامل سياستها تجاه اسرائيل، فعلى مدار نصف قرن من الزمان وحتى كتابة هذه السطور وجدنا الادارات السياسية الامريكية المتعاقبة تنظر لاسرائيل على انها حليف استراتيجي في المنطقة العربية، وهي لاتخفي استعدادها لخوض حرب ضد العرب «كل العرب» من اجل بقاء اسرائيل، كما يؤكد الواقع السياسي ان امريكا لا تريد ممارسة ضغوط عليها، وحتى اذا تطلب موقف دبلوماسي امريكي ما في حالة من الحالات الضغط الظاهري على اسرائيل، فانها تفشل في اجبارها على تنفيذ قرار واحد للامم المتحدة او اتخاذ موقف اكثر مرونة في موقف سياسي بعينه تجاه قضية الصراع العربي الاسرائيلي وليس من المبالغة ذكر ان قائمة الادلة والقرائن والوثائق التي تثبت تحيز ودعم السياسة الامريكية لاسرائيل ضد العرب تحتاج لاكثر من كتاب. التقى «الملف السياسي» في هولندا بالدكتور اسعد جابر مراقب شئون السياسة الامريكية والاوروبية تجاه الصراع العربي الاسرائيلي في هولندا، واستاذ الثقافة العربية بجامعة ليدن «للتعرف منه على وضع القدس في توجهات السياسة الامريكية». حول نقل السفارة الامريكية للقدس يقول: نحن امام بوصلة اكاذيب للسياسة الامريكية والتي تعتمد اتجاهات تتوافق واهدافها ومصالحها فيحدث في مواسم انتخابات الرئاسة الامريكية ان تتأثر مسألة نقل السفارة الامريكية رسميا من تل ابيب للقدس، ويكون هذا احد اساليب الدعاية الانتخابية لكسب اصوات اليهود، شأنه مثل ملف الصراع كاملا، وهي مسألة داخلية مؤقتة ترتبط بهذه الحالة، وحقيقة الامر ان امريكا لها قنصلية رسمية في القدس الشرقية منذ كانت المدينة تابعة لسيادة الاردن قبل عام 67 وهذه القنصلية تقوم بمهام السفارة كاملة، ايضا معظم الدول الاوروبية لها قنصليات، ثم ان مقر الحكومة الاسرائيلية في قلب القدس على طرفي شرقها وغربها، وهو يقع على ارض فلسطينية مصادرة من اصحابها. فعن ماذا اذن نتحدث؟ هل نخدع انفسنا؟ ام نخدع شعوبنا العربية؟ فورقة القدس هي خدعة سياسية متكررة تلعب بها واشنطن وهناك حالة سياسية من الممكن ان تؤدي لتعجيل امريكا بنقل السفارة للقدس، وهذا لو انهارت السلطة الفلسطينية وشارون يعرف ذلك ومن هنا كانت زيارته للاماكن المقدسة في سبتمبر العام الماضي قبل ان يتسلم منصب رئاسة الوزراء، وهو قد سعى لتفجير العنف وانهاء حالة الاستقرار النسبية التي كانت موجودة قبل الانتفاضة الثانية في الاراضي الفلسطينية، وهو مستمر الان في ضرب السلطة الفلسطينية في العمق. ـ للقدس مكانة روحية عند العرب والمسلمين.. هل تعتقد ان امريكا تخاطر بهذه الورقة؟ ـ لقد تابعنا زيارة شارون لواشنطن تلك التي سبقت زيارة مبارك مؤخرا، ورأينا في اليوم التالي لعودة الرئيس المصري لبلاده ان شارون اعلن اليوم 6 ابريل السماح لليهود بالصلاة في ساحة الاقصى، ونشر هذا في جريدة «هاآرتس» الاسرائيلية، اليس هذا تحديا لمكانة القدس الروحية عند العرب والمسلمين؟ هل كان شارون يقدم على هذا العمل لو لم تكن هناك موافقة من الادارة الامريكية؟ سواء بالصمت او بالتوافق السياسي المقنع بالتنبيه الحنون لحليفتها الاستراتيجية اسرائيل، اما الشق الثاني من سؤالك عن المخاطر الامريكية فإن الامر تعدى ذلك بمراحل كثيرة، المخاطرة تحدث في حالة وجود معادلة عادلة في العلاقات بين الدول، وهو الامر غير الموجود بالنسبة لعلاقة واشنطن بالعرب، فالواقع الوثائقي يؤكد ان امريكا تفرض بجانب اسرائيل سياسة الامر الواقع وبالقوة، ولو عدنا بذاكرة التاريخ نجد ان كلا من «ليندون جونسون، وريتشارد نيكسون» رئيسي امريكا في الماضي قد هددا بالدخول في حرب نووية مع الاتحاد السوفييتي السابق من اجل حماية اسرائيل. حدث خلال النصف قرن الماضي ان وضعت امريكا علاقاتها الاقتصادية مع العرب في كفة واحدة في مقابل مصلحة اسرائيل. ـ هل معنى هذا ان يجمع العرب اوراقهم من على موائد المباحثات مع امريكا وتنتهي العملية؟ ـ بالطبع لا، لا، في كل الاحوال يجب استمرار المباحثات والمفاوضات، مع امريكا ومع اسرائيل ايضا، لكن ينبغي ان تكون مباحثات العرب مع امريكا مرحلة، تسبقها مراحل اخرى «عربية ـ عربية». مراحل تخلو من الشجب الهتافي، وتقوم بطلاق التنديد الصوتي، بلا رجعة الذي دأبت عليه حناجر العرب في التعبير عن وجهات نظرهم، ولنتساءل سويا: ـ ماذا فعلت لجنة القدس؟ ـ ماذا فعلت القمة العربية الاخيرة في عمان؟ والقمم التي سبقتها؟ ـ الم يحن الوقت لاستخدام العرب لاسلحة ولغة المصالح في التأثير على قرارات الاطراف الاخرى في الصراع؟ ـ اسرائيل طرف حقيقي في «الصراع العربي الفلسطيني ـ الاسرائيلي» وامريكا ايضا طرف حقيقي يتظاهر بالسلام، ومن الممكن ان يكون طرفا حقيقيا في تحقيق السلام، لكن لابد من مساعدة واشنطن بإرادة عربية عملية وقوية، لكن ان يتفق العرب على اغلاق مكاتب التمثيل التجاري الاسرائيلية في البلاد العربية، ثم تقوم بعض الدول بفتح ابواب خلفية تتعامل من خلالها مع اسرائيل، واعتقد لو كانت هناك مقاطعة عربية شعبية بالدرجة الاولى لمصالح امريكا واسرائيل عند العرب لكانت تأثيراتها اقوى من المواقف الرسمية. ـ اذن انت ترى للشعوب العربية دورا مؤثرا ازاء امريكا، ومواقفها نحو القضية الفلسطينية والقدس بشكل خاص؟ ـ بالتأكيد وذلك حتى يقترب العرب من الحد الادنى لخط تماس لاحداث معادلة مع تأثير اللوبي الصهيوني في ادارة سياسة واشنطن، والشارع الامريكي مع بعض التحفظات من فرط التفاؤل، فاللوبي الصهيوني الامريكي يعمل على قدم وساق دون كلل، بداية من تأكيد وجه الشبه بين امريكا واسرائيل من حيث النشأة، حيث يروج هذا اللوبي واعوانه أن امريكا التي هاجر اليها الانسان الاوروبي في ذات موقف اسرائيل التي هاجر ويهاجر اليها يهود من مختلف انحاء العالم، ويواكب ذلك استغلال عنصري الديانة المسيحية للامريكان وهم من اصول اوروبية، واليهود ومن هنا نجد ان ورقة القدس لا تولي امريكا اهتماما فعليا باعتبارها مكانا روحيا له قيمة عالية عند المسلمين. ـ كيف تتوقع ان تكون ردود الفعل العربية فيما لو نقلت امريكا سفارتها للقدس؟ ـ سأقول لك وبمرارة شديدة، ستكون هناك ردود فعل عربية باهتة وضعيفة وغير فاعلة، هذا وفقا للمعطيات الحالية بناء على تصرفات الانظمة العربية، شجب وتنديد، ثم مقاطعة مؤقتة لدخول السفراء العرب لسفارة امريكا في القدس، وسيلي ذلك تراجع وتعود الحالة لما كانت عليه اما اذا كنت سأضع نفسي في صفوف المتفائلين، فأتوقع من الشارع العربي ثورة وغضبة، من الممكن ان تترك لها الحكومات العربية الفرصة للتعبير عن آلامها، وربما يتطور ذلك لمقاطعة عربية عامة، وهذا السيناريو مشروط برغبة الحكومات في عمل شيء، ليست لهم القدرة على فعله على المستوى الرسمي، وعدم لجوء السلطات الامنية العربية إلى اخماد ثورات الغضب الشعبية. وتوجد مؤشرات تستحق اكثر من تعبير المرارة، فمؤخرا كانت هناك تصريحات علنية لوزير الخارجية الامريكية «كولن باول» بشأن نقل السفارة الامريكية من تل ابيب للقدس، وفي الكونجرس الامريكي قال بان القدس عاصمة لاسرائيل، وعاد وتلاعب بالالفاظ وساق تبريرا غير منطقي «بأن ماقاله كان تعبيرا جانبه الصواب» وهذا كلام لا يقبل من وزير خارجية دولة كبرى مثل امريكا، والاشد سوءا هو عدم تحرك الانظمة العربية تجاه تصرف «باول». وحول مدى قدرة العرب لدفع امريكا نحو سياسة عادلة بين العرب واسرائيل تؤدي لعودة القدس قال: بداية يجب معرفة نسيج تركيبة السياسة الامريكية وتوجهاتها، خاصة الخارجية التي تتغير تجاه معظم دول العالم وفقا للمصالح والتطورات الدولية، فمن المدهش ان اتفاق الجناح الديمقراطي والجمهوري في امريكا على خط واحد للسياسة الخارجية قد بدأ في التآكل منذ عام 70 تقريبا الا ان وحدة الموقف تجاه المنطقة العربية او الشرق الاوسط كما يسمونها لم تتغير، ونفهم من ذلك ونستشعر قوة تأثير اسرائيل في السياسة الامريكية، والجانب الثاني لذات العملة هو اخفاق العرب في عمل طرح يبرز عدالة قضاياهم، اما عن أهم الأسباب فهي: غياب اطار للغة اعلامية للعرب لمخاطبة الشارع الامريكي، في الوقت الذي يكرس فيه اللوبي الصهيوني افكارا في ذهن المجتمع الامريكي عن الشعوب العربية مجتمعات عدائية تكره الغرب، وتشوه صورة المسلمين. خلافات الانظمة العربية معكوسة تماما على الجاليات العربية في امريكا، وهذا غير موجود بالنسبة لليهود، فهم قد يختلفون في كل شيء عدا العمل لاسرائيل ودعمها بشتى الوسائل. ـ الانظمة العربية تتعامل فرادى في تحقيق مصالحها الثنائية مع الحكومة الامريكية. لهذا فان القدس شأنها كغيرها من الملفات العربية لا تتمتع بموقف عربي موحد، وهو الامر الذي نتمنى الا يستمر طويلا، خاصة وان الوضع في المناطق المحتلة يزداد توترا، ويتساقط مزيد من شهداء فلسطين يوما بعد يوم، فماذا ينتظر العرب واسرائيل تدق طبول الحرب! اجرى الحوار في لاهاي: د.سعيد السبكي