اجرت صحيفة «معاريف» الاسرائيلية مؤخرا حوارا مع تيمور جوكسيل الرجل الثاني في قوات الامم المتحدة لحفظ السلام في لبنان «يونيبول» وتضمن الحوار اسئلة حول الوجود الاسرائيلي في لبنان ، قبل الانسحاب ومصير الجنود الاسرائيليين الاربعة المختطفين في لبنان وحزب الله والمقاومة في جنوب لبنان. فيما يلي اهم ما جاء في الحوار الذي اثار اسئلة اكثر مما قدم اجوبة. ـ ما هو الخطأ الرئيسي الذي ارتكبته إسرائيل في لبنان؟ ـ لقد أضعتم فرصة تاريخية عام 1982 بعد أن تأكد اللبنانيون أنكم لم تحضروا لإيقاف اطلاق صواريخ الكاتيوشا على شمال إسرائيل، لقد تحالفتم مع الطائفة المارونية وخسرتم الشيعة الذين أسسوا حزب الله وحركة أمل.لقد أدركت أنا مبكرا هذا الخطأ، بل واقترحت على عدد من كبار ضباطكم الالتفات للشيعة، لكنهم ردوا بعجرفة منتشرة بقوة بين الإسرائيليين ـ «أنت لا تفهم شيئا». لكن الحروب ونتائجها قللت كثيرا من العجرفة الإسرائيلية. من ناحية أخرى كان يمكنكم الخروج من لبنان على الأقل في عام 1991 بعد حل الميليشيات واستتباب الأمور في يد الحكومة، لكنكم لم تنسحبوا وكان هذا مبررا لعمليات حزب الله ضدكم. وفي الوقت نفسه لم يوقف الحزام الأمني داخل الأراضي اللبنانية صواريخ الكاتيوشا ولو ليوم واحد. ـ هل فوجئت بالانسحاب من لبنان؟ ـ لا .فقد أبلغت اللبنانيين قبل الانسحاب بعامين بأنني أتوقع انسحابا إسرائيليا قريبا، فقد كنت أدرك قوة تأثير الأمهات الثكالى في إسرائيل، كما لاحظت أنه لا توجد أية فائدة عسكرية تجنيها إسرائيل من تحصن القوات داخل مواقعها بدون أن تستطيع فرض سيطرتها على الطرق الرئيسية تاركة هذه المهمة لميليشيات جنوب لبنان.لذلك التزم باراك بتعهده بالانسحاب فقد وضع نصب عينيه المظاهرات العارمة امام منزل مناحم بيجين عام 1983 التي اجبرته على الاستقالة واعتزال الحياة السياسية. ـ كيف تمت عملية اختطاف الجنود الإسرائيليين الثلاثة خاصة وان هناك من يتهم قوات الأمم المتحدة بالتراخي والسماح لرجال حزب الله بارتداء زي قوات الامم المتحدة مما سهل تنفيذ عملية الاختطاف؟ ـ رجال حزب الله لم يتنكروا على هيئة قوات الأمم المتحدة، وفي العملية الأخيرة وجدنا في سيارة استخدمت في العملية علامات خاصة بالأمم المتحدة لكنهم لم يرتدوها. ـ هل كان باستطاعة قواتكم أن تمنع عملية الاختطاف؟ ـ على امتداد ثلاثة اشهر سبقت العملية كان ثلاثة من رجال حزب الله يجلسون يوميا في المكان الذي تم فيه الاختطاف بجوار صندوق شحن كبير حتى اعتاد عليهم الإسرائيليون واصبحوا يمرون على مقربة منهم ويلوحون لهم بالتحية،دون أن يدركوا أنهم مسلحون وتواجدهم في المكان يأتي كجزء من خطة الإعداد للاختطاف. بعد ساعات من تنفيذ العملية عثرنا، على بعد كيلومترين، على سيارتين استخدمتا في تنفيذ العملية، اكتشفنا باحدى السيارتين آثار دماء في مكانين داخل السيارة، لكن ليست بكميات كبيرة، ووفقا لمعلوماتي فإن حزب الله كان يريد اختطاف الجنود احياء وليس قتلهم ولذلك ربما تكون الدماء خاصة باحد رجال حزب الله. كما وجدنا بنادق واجهزة اتصال، و في هذا الإطار اؤكد اننا لم نعثر على أحشاء داخلية بالسيارة كما روجت بعض المصادر في إسرائيل. ـ هل تعتقد ان الجنود الثلاثة قد تم نقلهم لسوريا أو إيران؟ ـ أشك في إمكانية حدوث هذا لأن هذا معناه تورط دولة أخرى في العملية وهذا لا يبدو لي منطقيا. ـ هل يمكن اخفاء أربعة (ثلاثة جنود وعقيد تم استدراجه من أوروبا لجنوب لبنان) إسرائيليين أسرى لمدة ستة أشهر بدون أن ينكشف المكان المحتجزين فيه ؟ ـ رجال حزب الله محترفون وقد سبق لهم في الثمانينيات اخفاء رهائن غربيين لشهور طويلة، على الرغم من ملاحقات أكثر من جهاز مخابرات التي خصصت من اجلها مبالغ قدرت بالملايين مع الاستعانة بعدد كبير من العملاء وبالاقمار الصناعية، ومع هذا لم يعثروا عليهم. زعيم حزب الله حسن نصر الله رجل واقعي ويتحدث بشكل دبلوماسي وهو يطلب الافراج عن معتقلين لبنانيين وفلسطينيين مقابل حصول إسرائيل على (معلومات) عن مصير العسكريين الأربعة. لقد طور المنظمة كثيرا وحسن الأداء العسكري وترك حرية حركة كبيرة للقادة الميدانيين، ففي بعض الاحيان لم تكن القيادة في بيروت تعلم، باستثنائه هو شخصيا، ما يعتزمون عمله. قبل تسلمه المهمة كانوا مجموعة من الهواة، في تلك الفترة لم يكن حزب الله يقبل أن يتحدث معنا مما تسبب في مشاكل عديدة. ـ هل التقيته شخصيا؟ ـ نعم .التقيت به وشكوت من أن رجاله يقتربون من مواقع الأمم المتحدة ويطلقون النار على الإسرائيليين مما يهدد حياتهم ويظهرنا بمظهر سيء وكأننا متواطئين، وقلت له إذا كنت مهتما ببقاء قواتنا فلتوقف هذه العمليات ..نصر الله لم يقدم اجابة واضحة فقط قال : سأفحص الأمر يا أخي.لم يرفض ولم يوافق لكن العمليات توقفت بعد ذلك بعدة أيام. ـ هل تعاملك مع الإسرائيليين مهمة أسهل؟ ـ لا صعبة أيضا، في الواقع هي أسهل نسبيا فأنا رجل عسكري مثلهم، كما إنني استطيع أن أجدهم في أي وقت. بالنسبة لحزب الله هناك اجراءات أمنية تعطل الاتصالات. وعلى أية حال أنت مضطر لأن تستمع لدى الطرفين لمحاضرات طويلة تحاول شرح الموقف من وجهة نظر معينة دون مقاطعة منك.وكما يسهب رجال حزب الله في الحديث عن (الإمام علي) (علي ابن ابي طالب كرم الله وجهه) يسهب الإسرائيليون في الحديث عن عبور موسى للبحر الاحمر عند الخروج من مصر. ـ كيف ترى مشكلة سحب مياه أحد افرع الانهار (الحصباني) نحو قرية بجنوب لبنان وتهديدات إسرائيل بشأنها؟ ـ أولا اريد أن اكشف ان إسرائيل ضخمت المشكلة فكل ما حدث هو ان سكان قرية صغيرة لا يتجاوز عددهم 200 نسمة فقط يسحبون عبر انبوب مياه لاستخدامهم الشخصي بدلا من مياه الامطار وقد وافقت إسرائيل على هذا ثم تراجعت وهددت بشن هجمات عسكرية مما اعطى انطباعا سيئا لدى اللبنانيين.وقد قال حسن نصر الله في هذا السياق انه لا يوجد من يضمن لنا عدم عدوان إسرائيل على لبنان خلال أسابيع .لقد أصابتكم حالة رعب رغم أن الانبوب لا يتجاوز قطره 10 سنتيمترات وأن موتور السحب لا يحوٌل أكثر من 36 مترا مكعبا في الساعة.لا يعقل ان تحارب دولة ما من اجل قرية فقيرة تجاهلتها حتى الحكومة اللبنانية.لم أفهم تهديدات إسرائيل بشن الحرب فالقوانين الدولية المنظمة لمصادر المياه في صف اللبنانيين، هذا بالإضافة إلى أن لاسرائيل أنبوب كبير على بعد 20 مترا فقط من هذا الأنبوب ..مع الوضع في الاعتبار أن السحب الإسرائيلي للمياه بدأ قبل 23 سنة. ـ هل تعتقد أن الحرب على الأبواب؟ ـ لا أعتقد فالحدود تمتد لـ 120 كيلو مترا، منها 116 كيلومترا هادئة تماما .المشكلة تكمن في «مزارع شبعا» وهناك أيضا لا يعتزم اللبنانيون شن حرب . ربما يكون هناك تصعيد، لكن ليس بالدرجة التي تدفع إسرائيل للهجوم، فلو بادر حزب الله بشن هجوم شامل لفقدوا مصداقيتهم والضوء الأخضر الذين يعملون وفقه بلبنان.كما إنني لا اعتقد ان شارون سيسعى لحل مشكلة الكاتيوشا بنفس الأسلوب الذي اتبعه عام 1982 فقد تقدم في السن وتمرس في السياسة اكثر ..مواقفه الآن بالتأكيد مختلفة. ـ لماذا تستبعد بشدة احتمال غزو لبنان مجددا؟ ـ لأن قادتكم يعلمون أن هذه المرة لن تكون سهلة مثلما حدث في 82 فحينئذ حاربتم الفلسطينيين، لم يعترض عليكم أحد حتى وصلتم لبيروت، أما الآن ستكون هناك مقاومة لبنانية فور قيامكم بأول خطوة فوق أرض لبنان. من ناحية اخرى اللبنانيون يريدون التمتع بحدود هادئة ولذلك اقنعوا الفلسطينيين عن طريق الحوار مع قادتهم وشيوخهم بوقف القاء الحجارة على الإسرائيليين عبر الحدود.وقد أكد لي قادة شيعة نحن نحب الفلسطينيين، لكننا نريد أيضا أن نحيا في سلام. ـ كيف ترى أنشطة حزب الله حاليا في جنوب لبنان؟ ـ بعد الانسحاب حزب الله يملأ الفراغ ففي القرى توجد مكاتب تشغلها شخصيات معروفة يذهب اليهم الاهالي لحل مشاكلهم، وهم لا يحملون أسلحة باستثناء نقاط المراقبة الملاصقة للحدود، من النادر ان ترى رجالا مسلحين في الشوارع.بالإضافة لهذا لا ترى حتى ولو قاعدة واحدة لاطلاق صواريخ الكاتيوشا رغم أنهم يملكون الكثير منها ..في أغلب الظن.والكاتيوشا مداها 150 كيلومتر خبراؤكم يقولون إن حزب الله يمتلك أيضا صواريخ متقدمة مضادة للطائرات بطول الحدود وهو أحدث ما قام به الحزب بعد الانسحاب !! وأنا أوضح ان عدد مواقع حزب الله على طول الحدود يتراوح بين 20 إلى 25 موقعا، أغلبها منازل أو مواقع سابقة لميليشيات جنوب لبنان ويشغلها ثلاثة أو اربعة من كوادر حزب الله، أي أن عدد الرجال في مواقع الحدود من حزب الله لا يزيد عن 130 أو 140 شخصا. يعملون باخلاص دون أن يضطر قادتهم لمراقبة يقظتهم والتزامهم. في المقابل يهتم حزب الله بانشاء مؤسسات تعليمية واجتماعية وبدفع نفقات إعاشة أسر الشهداء، وأود أن اؤكد في هذا الإطار ان قادة الحزب ليسوا شيوخا فقط بل ساسة في المقام الأول. ـ من أين يصل المال، ما هي مصادر التمويل ؟ ـ في السنوات الماضية كانوا يحصلون على اموال كثيرة من إيران،لكنهم حاليا يعتمدون على أنفسهم من خلال جمع أموال الزكاة وجمع تبرعات من لبنانيين مقيمين في جنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية. أغلبهم من أغنياء الشيعة ويدفعون أموالا كثيرة بوازع ديني. ـ ماذا فعلت إسرائيل بجنوب لبنان؟ ـ خلقت لها أعداء كثيرين، فقد اطلقت يد ميليشيات جنوب لبنان التي كانت تجمع اموالا من السكان بشكل مبالغ فيه، وكانوا يفرضون على من يرغب في زيارة بيروت الحصول على تأشيرات وتصريحات كثيرة أو التعهد بجمع معلومات لصالح إسرائيل، لقد كانت الحدود الداخلية اكثر ازعاجا من الحدود مع إسرائيل.ولهذا لا يثقون في إسرائيل، ففي الشرق الأوسط من الصعب أن نقول :لكل شيء انتهى هيا نحيا بسلام . ـ ماذا فعلت الغارات والقصف الجوي الإسرائيلي؟ ـ لقد تعجبت من قصف محطة الكهرباء في بيروت، فقد اعتاد اللبنانيون استخدام المولدات منذ اندلاع الحرب الأهلية وبالتالي لم يكن القصف عقوبة !