بيان الاربعاء : كشف مسئول اوروبي عن معلومات خطيرة اثبت من خلالها ان وكالة الامن القومي الامريكية المعروفة باسم «National Security Agency» تتجسس بصفة دورية على نظام الرموز السرية التي تستخدمه اللجنة الاوروبية، وذلك للاطلاع على الرسائل السرية التي ترسلها مختلف لجان الاتحاد الاوروبي لمكاتبها في الخارج، وخاصة مكتب واشنطن، واتضح ان ذلك يتم بمعرفة رئيس مكتب الشفرات السرية بمقر الاتحاد الاوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل، وقد فجرت هذه القضية ازمة حادة بين الادارة السياسية الامريكية والاتحاد الاوروبي، ونتيجة لضغوط مكثفة قام بها عملاء وكالة الـ NSA واعضاء من السفارة الامريكية في بروكسيل على اللجنة الاوروبية، حاول متحدث رسمي من الاتحاد الاوروبي تخفيف حدة الازمة معلنا ان وكالة الامن القومي الامريكية تراقب نظام الرموز السرية للاتحاد الاوروبي للتأكد انه يعمل بدقة وبدون اعطال؟ الا ان الريح اتت بما لا تشتهي السفن الامريكية، فبعد ساعات قليلة من بداية الازمة، تم تسريب تقرير خطير عن عمليات التجسس الامريكية على الاتحاد الاوروبي اطلعت «البيان» في بروكسل على اهم ما جاء فيه، حيث تضمن التقرير تفصيلات عن نظام التجسس الامريكي «Echelon» موضحا مشاعر المرارة الاوروبية من امريكا، وان الولاء للولايات المتحدة الامريكية استمر لفترة زادت عن نصف قرن من الزمان، بسبب الاعتراف بالجميل جراء الدعم الامريكي الذي ارتكزت على محورين اولهما: تدخل القوات العسكرية الامريكية في الحرب العالمية الثانية لتخليص اوروبا وتحرير معظم دولها من النازية الالمانية. والثاني: المساعدات الاقتصادية التي تمثلت في مشروع مارشال لاعادة اعمار ما دمرته الحرب . زمن الغفران انتهى واضاف التقرير انه طوال فترة زادت عن 50 سنة غفرت اوروبا لامريكا اخطاء كثيرة، وتسامحت في عديد من قضايا اقتصادية تجرمها القوانين الدولية، وتنازلت عن كثير من حقوقها استمرارا للاعتراف بالجميل الامريكي، لكن الممارسات الامريكية خلال العقد الاخير للقرن المنصرم زادت عد حدها، وتنوع سلوك ادارة واشنطن حيث لم تكن قضايا التجسس وحدها هي سبب استياء اوروبا من امريكا، بل شملت عددا من قضايا خلافية فيما اطلق عليه (بحرب الموز ـ حقن الماشية بالهرمونات ـ المعالجة الوراثية للمنتجات الزراعية)، واوضح التقرير ان امريكا تحاول دائما فرض سيطرتها ونفوذها وممارسة ضغوط لم تعد مقبولة، كما لم تكن هذه هي الاسباب الوحيدة للغضب الاوروبي، فقد سبقتها تحذيرات مراكز الابحاث الاقتصادية الاوروبية التي نبهت لقيام الاستخبارات الامريكية بالتجسس على الشركات الاوروبية لصالح الشركات الامريكية، وكان البرلمان الاوروبي قد ناقش في 23 فبراير العام الماضي 2000 تقريرا مفصلا حول عمليات تجسس كالتي تكشفت في 2 مارس 2001، والتي اثبتت ان امريكا تتجسس من خلال شبكات تنصت كبيرة، ولها عملاء يراقبون ويتابعون كل ما يحدث داخل الشركات الاوروبية. وكانت اول الملفات التي ناقشها البرلمان الاوروبي هي فضيحة امريكا مع المانيا، تلك التي ترجع تفاصيلها الى مارس 94 عندما تسللت الجاسوسة «Ruth Heffernan» وبرفقتها كل من العميل السري «Ubbo de Wirt» وتاجر هولندي الى مركز ابحاث الطواحين الهوائية الالمانية، وكان الهدف هو الاطلاع مستقبلا في توليد الطاقة للحد من استخدام النفط ـ وتمكنوا من فك الشفرة الالكترونية وابطال فاعلية جهاز الانذار، وقفز ثلاثيتهم الى داخل حجرة التحكم الالكتروني والتي كانت هدفهم. وفي ذات العام 94 طرحت الشركة الالمانية «Enercon» الطاحونة «اي 40» في السوق الامريكي ونجحت في جذب اهتمام اكبر حديقة لتوليد الطاقة الكهربائية في تكساس، الا ان المفاجأة جاءت على عكس التوقعات بعد هذا الاهتمام، فلم تحظى الشركة بامر توريد طواحينها لامريكا، وكانت المفاجأة الثانية عام 95، عندما وجهت وزارة التجارة الامريكية في واشنطن اتهاما للشركة الالمانية بسرقة براءة اختراع هذه الطاحونة المتطورة، اضافة الى شركة «Kcenetech Windpoer» الامريكية والتي تعد من اكبر المنافسين للشركة الالمانية، وتفاقمت المشكلة باستدعاء مدير الشركة الالمانية «الويس فوين» واستجوابه في واشنطن على مدى اسبوعين، وواجهه المحققون بادلة مقدمة من الشركة الامريكية المنافسة، وتضمنت صور كاملة لكل الاجزاء الداخلية للطاحونة «اي 40» مما اصاب الالماني بالذهول، كما تمت مواجهته بتقرير للجاسوسة «Ruth Heffernan» يؤكد بقاءها داخل مقر الطاحونة والتقاطها الصور للاجزاء الداخلية للتصميمات الفنية للماكينات. وقد اتضح للمدير ((Wobben انه ضحية لعملية تجسس، وبقي السؤال الحائر هو كيفية نجاح الجواسيس الثلاثة من فك رموز جهاز الانذار وفك شفرة ماكينات الطاحونة، ولا حقا ازال صحفي بالتلفزيون الالماني النقاب والغموض عن هذا التساؤل حيث اشار لاعتراف جاسوس امريكي يتنصت مع عناصر من مؤسسة استخبارية معروفة باسم ـ NSA ـ «NATIONAL SECURITY AGENCY» التابعة لمؤسسة الامن القومي الامريكية ـ على شبكة تلفونات الشركة الالمانية «Encrcon» وانهم اخذوا رموز اجهزة الانذار والشفرات الخاصة بالآلات وقدموها للشركة الامريكية «Kenetech Windpower» وعلى الرغم من ان الشركة الامريكية قد افلست بعد فتره من هذا الحادث الا ان افلاسها لم يفد المانيا، فبعد مرور يوم واحد من افلاسها اعلن جهاز الاستخبارات الامريكي امتلاكه لبراءة اختراع الطواحين الهوائية، وذهبت الامور الى ابعد من ذلك بكثير حيث فرضت الحكومة الامريكية حظرا على استيراد هذه التقنية من المانيا حتى عام 2010، وباعت براءة الاختراع لشركة امريكية اخرى. عمليات اخرى ولم تكن عملية التجسس على الشركة الالمانية هي الوحيدة، حيث كشفت مناقشات البرلمان الاوروبي النقاب عن بعض من محتويات ملف التجسس الامريكي على اوروبا، والتي تمثلت في نشاط جهاز الاستخبارات الامريكي «National Security Agency» الذي امتدت عملياته داخل كثير من الشركات ومنها الفرنسية Thomplon - CSF التي خسرت صفقة اجهزة رادارات في البرازيل عام 94، وشركة طائرات الايرباص التي خسرت صفقة توريد طائرات للمملكة العربية السعودية عام 95، تلك الصفقة التي كانت قيمتها 6 مليارات دولار وفازت بها الشركة الامريكية المنافسة « ماكدونالد دوجلاس» فقد توصل الامريكان الى معلومات سرية بفضل شبكة التنصت الدولية «Echelon» على اجهزة الاتصالات ودوائر المعلومات، وتقوم هذه الشبكة بعمليات مستمرة منظمة لسحب وتسجيل المكالمات الهاتفية ورسائل الفاكس والرسائل الالكترونية عبر الانترنت بالاقمار الصناعية والموجات التي زرعتها امريكا في اماكن مختلفة من العالم، وقد كشفت معلومات الملف ان الـ NSA وضعت كابلات اتصالات تحت البحر وماكينات بحث للانترنت مهمتها التنصت وسحب الشفرات ونقل كل هذه الرسائل الى محطات خاصة في امريكا لحل الشفرات وعمليات الترجمة، ويتم التعامل مع كل ذلك كمبدأ متعارف عليه، فكل رسالة متهمة او مشبوهة في نظرهم ، ولا تتم عملية التجسس على اوروبا فقط، ففي عام 1948 عقدت الولايات المتحدة الامريكية اتفاقية تعاون سرية لتبادل المعلومات والاعمال الاستخباراتية مع كل من بريطانيا، كندا ، استراليا، نيوزلندا، وتتقاسم هذه الدول الخمس اعمال التجسس وفقا لخريطة جغرافية تضمن لها مراقبة كل دول العالم، ونصيب امريكا في هذا هو مراقبة المنطقة الاوروبية بما في ذلك حلفاءها الاوروبيين، وتجدر الاشارة ان اول تقرير جاد تم مناقشته في البرلمان الاوروبي كان في عام 98 وواجه هذا التقرير نوعا من السخرية والرفض، واتهم من اثار هذه القضية بالخيال والايمان بنظرية التآمر، الا انه بعد مرور عامين، اتفق خبراء اوروبا ان ما تم طرحه في البرلمان كان حقائق وليس مجرد افتراضات من ضرب الخيال. تأكيد التجسس وفي لاهاي تكشف «ماريانا فان ليون» الخبيرة بمعهد العلاقات الدولية «كلينن دال» المسئولة عن مراقبة عمليات مكافحة الارهاب في العالم ان جهاز الاستخبارات «National Security Agency» قد تم تأسيسه خصيصا لمراقبة الدوائر الاقتصادية في الاتحاد السوفييتي، الا ان نهاية الحرب الباردة ولدت معها سلسلة من الاخطار الجديدة وغير الملموسة بالنسبة لامريكا، وبغض النظر عن حقيقة هذه الاخطار بالنسبة لامريكا، والخطر الآن اسمه المجموعات الارهابية الصغيرة مثل «اسامة بن لادن» والذي يعتقد انه يملك اسلحة نووية او كيماوية او بيولوجية، وان الاستخبارات الامريكية لديها الاستعداد لافتراض الاخطار الشديدة، التي ترسم لها الوحشية من واقع الخيال، وتتمسك بهذا الاعتقاد كورقة سياسية تلعب بها وتحركها وقتما تشاء، حتى لو لم تمتلك ادلة على ذلك او لو كان ما تدعيه ضد المنطق، وتؤكد «ماريانا فان ليون» ان امريكا تفعل ذلك لايجاد تبريرات لبرامجها الامنية والدفاعية، وانها ساقت حادث تفجير المركز التجاري الدولي في نيويورك كدليل على توجهاتها، وان دوافع الرئيس الامريكي السابق كلينتون تأتي من اهتمامه المتزايد بعمليات التجسس الاقتصادي، لارضاء مصانع الاسلحة والذخيرة الامريكية التي توفر فرص عمل، ومن ناحية ثانية ان هذه الشركات لها لوبي قوي داخل الكونجرس الامريكي، ونيل رضاء هذه الشركات انما يعني الدعم والحماية للرئيس الامريكي وابعاد المصادمات عنه، وفي المقابل تمكنه من الاعتماد عليهم. ويبدو ان هذه الاستراتيجية الامريكية في خلق عدو او خطر امامها، لتبرير سياستها العسكرية والامنية وزرعها شبكات التجسس في العالم، قد انتقلت تلك العدوى الى بلدان اخرى كبرى، حتى ان العاصمة الروسية موسكو اصبحت هي الاخرى تردد نفس العبارات وتكرر نفس المخاوف الامريكية، وعلى الرغم من تأكيد امريكا المستمر على اهمية عمليات التجسس على وسائل الاتصالات وضرورتها، خاصة وان قواتها العسكرية لا تستطيع التخلي عن انظمة الكمبيوتر التي تتحكم في مسار اعمالها اليومية، فوزارة الدفاع الامريكية لديها مهمة صعبة تتمثل في تسيير اعمال 28 الف شبكة كمبيوتر، الا انها خسرت ماء وجهها عام 98 حينما تم اختراق شبكات وزارة الدفاع في وقت شديد الحساسية، حيث كانت قواتها العسكرية مشغولة في حرب الخليج، واتضح ان وراء عملية الاختراق شابين امريكيين نجحا في الاختراق من خلال الكمبيوتر الشخصي لهما، الامر الذي اصاب الادارة السياسية في واشنطن بالقلق، واعترف في حينه «جون هامر» نائب وزير الدفاع بان حرب المستقبل هي حرب المعلومات وستكون اسلحتها الفتاكة هي ازرار لوحة تحكم الكمبيوتر. خطوة كلينتون واستمرارا في سياسة خلق الاسباب الامنية لايجاد التبريرات الامريكية، اتخذ الرئيس الامريكي السابق في حينه خطوة جريئة تأكيدا لمساندة حكومته لعمليات التجسس الاقتصادي، واعترافه بانها مهمة يجب ان تكون اساسية في جهاز الاستخبارات واشرف بنفسه على تأسيس مجلس قوي اقتصادي في البيت الابيض، مهمته الاولى «الامن الاقتصادي وحماية امريكا ليعمل هذا المجلس بالتعاون مع مجلس الامن القومي الامريكي، ولم يكن هذا المجال بجديد على جهازي الاستخبارات «National Security Agency» و«السي اي ايه» واللذان عكفا خلال العقد الاخير على جمع معلومات عن اهم الموانيء في العالم وانتاج القمح والمحاصيل الغذائية، والميزانيات السرية للدول، والمثير ان هذه الاجهزة تؤكد على اهمية المعلومات لاسرائيل حيث تقوم بامدادها، بها كما امدوها بمعلومات حول احتياطي المياه في سوريا وبقية البلدان العربية. وحاولت امريكا العام الماضي منع تفجر المشكلة وتفاقم الازمة مع اوروبا، واغلاق الملف ومنعه من الوصول للبرلمانات القومية لكل دولة اوروبية من اعضاء الاتحاد الاوروبي، وحققت نجاحا نسبيا بفضل الضغوط والوعود بانهاء عمليات تجسس، الا ان المشكلة تفاقمت من جديد، ويبدو ان اللجنة الاوروبية لن ترضخ هذه المرة للطلبات الامريكية عبر القنوات الدبلوماسية، وتحاول امريكا في ذات الوقت ممارسة ضغوط على اوروبا من نوع جديد، وتهدد بكشف عمليات مؤسسة الاستخبارات الاوروبية Eafopol، الا ان اللجنة الاوروبية اكدت ان هذا الجهاز يقوم فقط بمراقبة ومتابعة الاخطار الجانبية للتطورات الحديثة في الانترنت، وان نموذجا مثل هولندا التي تعمل بوضوح، فقد الزمت الحكومة الهولندية شركات مواقع الانترنت ان تسمح لهذا الجهاز بحرية مراقبته عند الضرورة، كما عقد الاتحاد الاوروبي اتفاقية رسمية مع المباحث الفيدرالية الامريكية «اف بي اي» لتبادل المعلومات، ليس بهدف التجسس، وانما بهدف تحقيق الامن الاقتصادي