بيان الاربعاء : برغم الجهود المكثفة التي تبذلها الحكومة الايطالية لاستئصال المافيا الا أن عصابات الجريمة المنظمة الايطالية لاتزال واحدة من اقوى الكيانات الاقتصادية الاجرامية في العالم. وتتألف المافيا الايطالية من اربع مجموعات مختلفة هي المافيا الصقلية أو الكوزا نوسترا وندرانجيتا أو المافيا الكالابرية والكامورا والساكرا كورونا يونيتا، ويقال ان مكاسب هذه العصابات تقدر بمئة مليار دولار سنويا. ويتركز نشاطها الاجرامي التقليدي على الاتجار بالمخدرات وقرصنة القروض ولكنها اضافت الى نشاطاتها الاجرامية مشاريع جديدة مثل جرائم الكمبيوتر والتخلص من النفايات السامة التي تدر عليها اموالا اكثر من ذي قبل. ورغم الحملة الدموية التي شنتها الحكومة الايطالية خلال الثمانينيات لاستئصال المافيا عندما قتل كثير من زعمائها ووضع آخرون وراء القضبان، لكن المنظمة ازدادت قوة فقد أكد ذلك تقرير أخير لاتحاد نقابات الاعمال الايطالية «كونفكومورسيو». وذكر التقرير الذي يحمل اسم «يوم أسود» أن محلا من اصل خمسة في مدينة باليرمو مملوك للمافيا ومصنع من اصل عشرة مصانع في المدينة نفسها يديره زعيم مافيا. وتعكس الدراسة صورة مزعجة لوجود الجريمة المنظمة في المجتمع الايطالي، ويذهب التقرير الى القول بان ارباح الجريمة المنظمة في ايطاليا وحدها تدر سنويا حوالي 136 مليار دولار أي ما يوازي 15 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي. ويعتقد ان الاصول التي تملكها عصابات المافيا مجتمعة كافية لسداد الديون المحلية الايطالية. كما ان السيولة النقدية المتوفرة لدى قطاع الاعمال المدعوم من المافيا يزيد عن السيولة المتاحة للمؤسسات المصرفية الايطالية. والفارق ايضا ان مكاسب المافيا بالطبع معفاة من الضريبة. ويعتقد ايضا ان القيمة الاجمالية لمنظمات الجريمة تزيد على الف مليار دولار 7 في المئة منها فقط مجمدة من قبل السلطات الايطالية فعليا. ويتحدث التقرير عن زعماء للمافيا يعملون مدراء لشركات ومؤسسات ويسيطرون على 20 في المئة من قطاع الاعمال التجاري و15 في المئة من الشركات الصناعية . والشيء الذي يثير فزعا اكبر حسب التقرير هو ان سيطرة المافيا تزداد يوما بعد يوم. ويتركز نشاط المافيا في غسيل الاموال وتزوير العملات وتهريب الاسلحة والاتجار بالمخدرات، اضافة الى النشاط التقليدي وهو قطاع التشييد والعقارات، ففي السنوات الاخيرة استثمرت الكوزا نوسترا 2.5 مليار في قطاعات مثل الصحة والمنازل السكنية للمسنين والمرضى المقعدين. ولا تنفي الحكومة الايطالية هذه الارقام المخيفة ولكنها لا تعلق بالتفاصيل على محتو يات التقرير الصادر عن اتحاد نقابات قطاع الاعمال الايطالي . واقتصر رد وزير المالية الايطالية اوتافيانو ديل توركو على انه يحضر اقتراحا لعرضه على حاكم بنك ايطاليا المركزي للفت الانتباه الى الوجود القوي للمافيا في اقتصاد ايطاليا. وقال ديل توركو ليس من الممكن انتقال كميات كبيرة من المال من دون جذب انتباه بنك ايطاليا المركزي ومن المؤكد ان هناك مؤسسات مالية ومصارف مستعدة للاشتراك في عمليات غسيل الاموال التي تأتي من نشاطات غير قانونية التي تستثمر تلك الاموال في الاسواق المالية او في اعمال شرعية. وعلى بنك ايطاليا المركزي ان يعرقل انتقال هذه الاموال عند بداية العملية واتخاذ اجراء صارم ضد المصارف التي تحمي المنظمات الاجرامية. ويعرض تقرير اتحاد كونفكومورسيو ايضا معلومات مفصلة حول النشاطات المولدة للمال التي تديرها منظمات المافيا، وفي مقدمها الهجرة غير القانونية التي اصبحت من اكثر العمليات المدرة للمال اذ انها تدر لها 7.5 مليارات دولار سنويا، ومن النشاطات الاخرى القروض بأسعار فائدة مرتفعة للغاية التي تدين بها مؤسسات ورجال اعمال في ضائقة مالية لشركات المافيا وتقدر بنحو 22 مليارا، بينما تدر الدعارة 20 مليارا سنويا. والتخلص من النفايات السامة هي تجارة كبيرة ايضا للاقتصاد الجديد الذي تمارسه المافيا والتي درت على الكوزا نوسترا الصقلية والكامورا النابولية والمافيا الروسية في العام 1999 حوالي 3 مليارات دولار. اما النشاطات الاكثر خطورة التي تديرها منظمات المافيا فهي الاتجار بالمواد النووية والتكنولوجيا المتقدمة التي درت عليها 5 مليارات دولار في حين كسبت المنظمات الاجرامية حوالي 17.5 مليار دولار من انتاج المصانع السرية التي تديرها منظمة الكامورا والمافيا الصينية . وتنتج هذه المصانع مئات الآلاف من الملابس المزيفة التي تحمل علامات مشهورة ومرموقة في عالم الازياء الايطالية والدولية. الاموال التي تدرها هذه النشاطات «القذرة» تمر من خلال مصارف مشكوك في معاييرها الاخلاقية قبل ضخها من جديد في قطاعات مشروعة. ففي العام الماضي تم استثمار ما يقدر بنحو 12.5 مليارا في قطاع العقارات 7.5 مليارات دولار منها في العقارات التجارية، و4 مليارات دولار في صناعات الخدمات و3.5 مليارات دولار في شركات البناء التي تعمل في اشغال عامة في جنوب ايطاليا. ويبدو ان العولمة والتقدم في تقنية المعلومات خلقا ارضية خصبة للمافيا بدلا من هزيمتها والقضاء عليها كما كانت تأمل سلطات مكافحة المافيا .