بيان الاربعاء : يبدو واضحا اكثر من ذي قبل توجهات الادارة الامريكية الجديدة التي يرأسها جورج بوش الابن والتي تستند الى حد كبير على توجيه المتطرفين داخل الكونجرس او البنتاجون او الادارة نفسها حتى بات الهولوكوست هو مركز اصدار القرار الامريكي. ففي الشرق الاوسط يتجاوز الامر تأثير موظف او غيره الى ترسيخ قناعات عدة منذ اللحظة الاولى التي دخل بها بوش البيت الابيض و سياسات محتمة، ولعل الاسباب كثيره اهمها ان احد قادة هؤلاء المتطرفين هو الاب الروحي لجورج بوش الابن. ثلاث قضايا نطرحها هنا ونقرأ من خلالها كيف توجه هذه التيارات الادارة الامريكية وماذا نتوقع في الايام المقبلة، على محاور ثلاثة القدس والقضية الفلسطينية، السودان، ثم ايران. في اطار الشرق الاوسط يبدو الآن وكأن المعسكر الموالي لاسرائيل قد تمكن بالفعل من تحقيق اختراقات هامة داخل الادارة الامريكية، وخصوصا في مجلس الامن القومي ووزارة الخارجية الا ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في هذه المواقع المتفرقة التي ظفر بها انصار اسرائيل داخل الادارة، ان هذه المشكلة تكمن في مواقف احد ابرز القوى التي يستند اليها جورج بوش كقاعدة سياسية والتي يرتبط معها ـ شخصيا وفكريا ـ بروابط عميقة، تلك هي منظمات التيار الديني المتشدد الذي تلعب الطائفة الايفانجليكية دورا حاسما داخله. ذلك ان الامر يتجاوز بكثير حدود تأثير موظف هنا وآخر هناك، بل انه يتجاوز القناعات السياسية لهذا او ذاك من اقطاب الادارة الجمهورية، انه ـ باختصار ـ يتعلق بقناعات الرئيس نفسه، وهي ـ من باب المفارقة ربما ـ ليست قناعات سياسية، انها مزيج من حسابات التحالف وترتيبات معسكر الاصدقاء، مضافا اليها افكار دينية ليست سياسية بصورة مباشرة، وان كان مؤداها النهائي سياسي بصورة واضحة. ويعني ذلك ان ابعاد ما يتبلور الآن في واشنطن تنذر بحدوث فوضى حقيقية في الشرق الاوسط، وهي فوضى لابد ان تنجم عن تدخل واشنطن ـ عبر بوابات خاطئة وباسلوب «غير سياسي ـ في النقاط الحساسة في تلك المنطقة، وتكاد ملامح هذه الفوضى تظهر من خلف الضباب الذي يكتنف اللحظة الانتقالية الحالية، ذلك ان الادارة تتجه الى درب لايعد الا بالفوضى، والا بالحاق خسائر فادحة بالمنطقة، وبالولايات المتحدة في آن معا. ولكن فلنبدأ بتشريع القناعات ـ التي تعني الشرق الاوسط ـ في مقولات التيار المسيحي المتشدد الذي ساند جورج بوش خلال حملته الانتخابية ـ بلا تحفظ، والذي ينتمي اليه بوش ـ على نحو ما ـ من الوجهة العقيدية، وليس المهم ـ في سياقنا الحالي ـ مناقشة اي جانب ديني في تلك المقولات، فهذه مهمة رجال الدين سواء من المسيحيين الذين يعارضون قناعات ذلك التيار، او من غيرهم. ما يعنينا هنا ـ فقط وبصورة قاطعة ـ هو الجانب السياسي في تلك القناعات. فالتيار المسيحي المتشدد في الولايات المتحدة يعتقد مثلا ان القدس يجب ان تبقى موحدة تحت سيطرة اسرائيل لان ذلك شرط من شروط عودة المسيح المنتظر. ذلك ان تفسير هذا التيار لبعض العبارات التي وردت في الانجيل يصل به الى الاقتناع بان حربا كبيرة ستنشب ـ هي حرب «الارماجدون» كما يسمونها ـ وذلك على اثر توحيد القدس وبناء هيكل سليمان الثالث، وان هذه الحرب هي مقدمة عودة المسيح، الذي سيأتي في اللحظات الاخيرة لعالمنا هذا كي يدعونا الى العودة لكلمة الرب، وبعد الدعوة تأتي القيامة، وينتهي العالم. قد ينظر كثيرون باستخفاف الى هذه النبوءة التي تعارضها كنائس كثيرة اخرى، ابرزها اكبر الكنائس المسيحية على الاطلاق، اي الكنيسة الكاثوليكية فضلا بطبيعة الحال عن الكنائس الارثوذوكسية جميعا، الا ان هذا الاستخفاف لن يقلل بحال من عمق قناعة التيار المسيحي الامريكي بصدق هذا المسلسل، انه اساس محوري للعقيدة التي تنظم هذا التيار. القدس و البقرة والمعبد وليس هذا مجال مناقشة هذه العقيدة على اساس ديني كما اوضحنا، ولكن مشكلتنا معها هي ـ باختصار ـ توحيد القدس تحت السلطة اليهودية، واعادة بناء هيكل سليمان، اي هدم المسجد الاقصى، ويمكن لنا ان نتابع فحسب عددا من الاحداث التي توالت مؤخرا في الولايات المتحدة كي ندرك ان ما قد يبدو جنونا مطبقا لكثيرين يحظى في واقع الامر بعدد كبير من المعتنقين به، المستعدين لبذل الغالي والرخيص من اجل تحقيقه. فقبل شهور قلائل بدأت في ولايات جنوبية كثيرة حملة للبحث عن «بقرة برتقالية» لا سوء فيها، اي برتقالية تماما، بلا بقعة واحدة من اي لون آخر، كان الباحثون ينتمون لطائفة دينية متشددة تأمل في اعادة بناء هيكل سليمان على وجه السرعة، حتى يأتي المسيح المنتظر، وتم بالفعل العثور على بقرتين برتقاليتين، وجرى ارسالهما على الفور الى اسرائيل. ولكن لماذا بقرة برتقالية على وجه الحصر؟ يرجع ذلك الى تفسير اصحابنا هؤلاء لعبارات وردت في «العهد القديم» وصل بهم الى ان تطهير معبد سليمان بعد اعادة بنائه لا يتحقق الا بذبح بقرة برتقالية في صحن المعبد. اي انه بدون ذبح هذه البقرة لا يمكن للمعبد ان يستعيد طهارته. ولما كانت لحظة اعادة بناء المعبد تقترب، تحتم على المقتنعين بهذه النظرية البحث عن بقرة برتقالية استعدادا للافتتاح الكبير!. ولكن اعادة بناء المعبد يتطلب هدم المسجد الاقصى و لا تهتم هذه الطائفة كثيرا بهدم المسجد او بهدم اي شيء آخر، طالما ان اعضاءها مقتنعون ان هذه هي اوامر الرب، وان عليهم تنفيذها مهما كان الثمن، وهكذا اشرف شخص يدعى تشك ميسلر على حملة البحث عن البقرة البرتقالية: وارسلت البقرتان الى اسرائيل حيث كان بانتظارهما ممثلون عن حركة «جوش آمونيم» الاستيطانية التي تتمركز قيادتها في مستوطنة كيريات عربة بالخليل، وعن المعاهد التوراتية المسماة «آتاريت كوهانيم» والطريف في الامر ان هذه المعاهد تتخصص في امر واحد ذلك هو تخريج كهنة المعبد، اي اعداد الطاقم الديني الذي سيدير معهد سليمان .. وكأنه اعادة بناء المعبد بات امرا مفروغا منه، اي وكأن هدم المسجد الاقصى بات مسألة وقت ليس الا. اللحظة الكبرى اما الطائفة الدينية المتطرفة في الولايات المتحدة فانها واصلت بعد ذلك الاستعداد لـ «اللحظة الكبرى» اي لحظة الافتتاح الكبير، وتدين هذه الطائفة بقناعاتها للقس البريطاني الاصل جون نلسون داربي، ولذا فانها تسمى في الولايات المتحدة «الداربيون» اي اتباع داربي، وقد اسس داربي نظريته على مسلسل معقد من التفسيرات تتمحور جميعا حول ان النص له اليد العليا فوق الكنيسة، وليس العكس، والمقصود بالنص هنا هو نص الانجيل الذي عاد داربي الى نسخته اليونانية القديمة وعرض على اساس ذلك تفسيره له. وفي مطلع القرن الماضي قام احد تلامذة داربي ويدعى سيروس سكوفيلد بوضع تفسير كامل للانجيل اسماه «مرجع سكوفيلد لتفسير الكتاب»، او باختصار «تفسير سكوفيلد»، وقد لا يجد المرء وثيقة مسيحية ـ على امتداد الالفي عام الماضية ـ اكثر ميلا الى اليهود ودعما «للدولة اليهودية التي وعد بها الرب» من تفسير سكوفيلد. فطبقا لذلك التفسير ستتحول اسرائيل ذات يوم الى دولة مسيحية، ولكن قبل ان يحدث ذلك لابد من تحقيق وعد الرب لابراهيم عليه السلام بمنح الارض الممتدة من نهر مصر الى الفرات الى اليهود، ولابد من اعادة بناء الهيكل، ولابد من ادراك ان اليهود هم شعب الله المختار، وان على ايديهم وحدهم سيمكن تحقيق الشروط التي يجب ان تسبق عودة المسيح المنتظر، وان دولة اليهود هي «دولة الدين»، بل ان لها ما ليس للكنائس «الدنيوية» التي انقسمت اليها المسيحية. ويكفي ان نشير هنا الى ان تفسير سكوفيلد انتشر خلال التسعينيات في الولايات المتحدة كما تنتشر النار في الهشيم، بل ان عدد النسخ التي بيعت منه خلال العام 1999 وحده بلغ 10 ملايين نسخة، ويعقد الداربيون مؤتمرات سنوية في القدس، ويجمعون مئات الملايين من الدولارات تتدفق الى اسرائيل لتمكينها من تحقيق «نبوءة الرب»، اي الاستيلاء على كل الاراضي الفلسطينية ... كمقدمة! اما مسألة تحول اسرائيل الى المسيحية فان جون نلسون داربي وضعها ـ من سوء الحظ ربما ـ بعد وليس قبل ضرورة احتلال اليهود للارض التي وعدهم بها الرب .. اذ لو كان الترتيب قد اختلف لوجدنا الآن صدما كبيرا بين الداربيين والمؤسسات الحاخامية الاسرائيلية التي تقاوم جهود المسيحيين الدينية في اسرائيل، انه تحالف مؤقت تستثمره اسرائيل لتحقيق اهدافها السياسية، وللحصول على نهر من المعونات المالية، فيما يسخر حاخاماتها من تفسيرات داربي وسكوفيلد ومن قناعات اتباعهما جميعا. جماعات تدمير الاقصى وواقع الحال ان العلاقة بين التيار المسيحي المتطرف ومنظمات تدمير المسجد الاقصى بدأت منذ زمن طويل، فعقب سقوط القدس القديمة في ايدي الاسرائيليين عام 1967 ذهب احد الباحثين الامريكيين في تاريخ الاديان ويدعى آشر كوفمان الى القدس، وكان كوفمان على علاقة وثيقة بالكنيسة الداربية في دالاس ـ تكساس والتي تدعى «دالاس ثيولوجيكال سيمناري». كوفمان درس تاريخ معبد سليمان، واخذ على عاتقه مهمة فتح اوسع قنوات اتصال ممكنة بين المتطرفين اليهود، ونظرائهم في التيار المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة. والتقى آشر كوفمان بمؤسس منظمة «المخلصون للمعبد» التي كانت قد تشكلت توا في اسرائيل بعد احتلال القدس القديمة، وكان امريكي يهودي آخر يدعى ستانلي جولد فوت هو الذي اسس هذه المنظمة بعد ان اقتربت البشرية خطوة كبيرة اخرى نحو اعادة بناء الهيكل بعودة القدس كاملة الى شعب الله المختار حسب قول جولدفوت. وبعد سنوات من بناء شبكة متماسكة من المتطرفين اليهود يتصدرها الحاخام زفي يهودا كوك (وهو اسم تاريخي سنعرض لابعاده بعد وهلة)، والحاخام موشيه ليفنجر والحاخام مائير كاهانا، ومن مد شبكة منظمات آتاريت كوهانيم داخل المستوطنات الاسرائيلية، حيث يوجد بكل مستوطنة منظمة تابعة لهذا الهيكل التنظيمي المتشعب، حانت لحظة تشكيل صلة علنية بين الكنيسة الداربية في الولايات المتحدة التي كان نفوذها يتسع بصورة كاسحة، وبين «المخلصين للمعبد» في اسرائيل وتولى تشكيل هذه الصلة احد رموز التيار الداربي في الولايات المتحدة ويدعى الدكتور لامبرت دولفين. ويعمل دولفين استاذا للفيزياء في معهد ستانفورد في مينلوبارك بولاية كاليفورنيا وذلك بالاضافة الى موقعه القيادي داخل الكنيسة الداربية وقد سافر دولفين الى القدس في العام 1981 حيث التقى بكل من آشر كوفمان وستانلي جولدفوت .. وكان هذا اللقاء نقطة تحول حقيقية، فقد عقد في لحظة بات من الواضح خلالها ان اطراف المعادلة قد حققوا درجة «النضج» المطلوبة، فقد كانت المنظمات اليهودية المتطرفة التي تعمل ليلا ونهارا للاعداد لبناء هيكل سليمان قد حققت قدرا كبيرا من الانتشار ومن دقة التنظيم وكانت الكنيسة الداربية قد تمكنت ـ عبر محطات التلفزيون التبشيرية الخاصة وعدد من الدعاة التلفزيونيين البارعين ـ من جمع ملايين المؤيدين ومن تحقيق درجة واسعة من الانتشار ومن تدفق التبرعات وهكذا بدأت هذه التبرعات تشق طريقها الى «المخلصين للمعبد». واسست هذه المجموعة «منظمة جامعة» مهمتها الاشراف على تدفق الاموال لكل من يقول انه يرغب في اعادة بناء هيكل سليمان، وسميت هذه المنظمة «مؤسسة معبد القدس الامريكية» وقد عثرنا بالمصادفة على نص خطاب ارسله دولفين لهذه المؤسسة يشرح فيه ما قام به خلال زيارة له للقدس في العام 1994 ويقول دولفين في خطابه: «كانت مسئوليتي المحددة بدقة هي ان انظم المؤتمر الثالث للمعبد حيث امكن للعلماء اليهود وللقادة الدينيين ان يقدموا عشر اوراق عمل بحثية تتعلق بتحديد موقع المعبد الثاني والخطط والخرائط المعمارية لاعادة بناء المعبد لعودة المسيح المنتظر». واضاف دولفين في رسالة: الآن يصبح بعض اليهود الد اعداء انفسهم، ان الحكومة الحالية (اي حكومة اسحاق رابين آنذاك) معادية بصورة مكشوفة لكل من التوراة والانجيل، وهي تبدأ مسارا يجري فيه تفكيك دولة اسرائيل قطعة بعد اخرى، واعطائها جميعا لاعداء اسرائيل مقابل وعود بالسلام يعرف الجميع انها فارغة ولا معنى لها وما يدهشني اكثر هو ان الشعب اليهودي يرى ويعرف كل ذلك ولكنه لا يحرك ساكنا. من هو الزعيم يبدو دولفين اذن ـ كزعيم لتيار مسيحي متطرف في الولايات المتحدة ـ يهوديا اكثر من اليهود انفسهم، بل انه يتخذ مسارا من اثارة مشاعر الاسرائيليين ضد حكومتهم للتخلص من رابين، وهو ما حدث بعد ذلك بالفعل في مؤامرة متكاملة الابعاد قد تسنح الفرصة لاحقا للتعرض لتفصيلاتها. وخلال ذلك كله كان الحاخام كوك ـ وهو نجل الحاخام كوك الاب كبير حاخامات الجالية اليهودية البريطانية ـ يشغل دور العقل المدبر لحركة المتطرفين اليهود في اسرائيل، كان الحاخام كوك الابن هو الذي قال قبل اندلاع حرب 1967 بعشرة ايام «لقد آن الاوان كي نستعد لبناء هيكل سليمان .. هذه الارض (واشار من شرفة منزله في القدس الغربية الى الضفة الغربية والقدس القديمة)، هي ارضنا سنأخذها لان هذه هي ارادة الرب، وسنعيد بناء المعبد، ان اللحظة قد اتت وقيل آنذاك ان الحاخام كان على اطلاع بخطة الضربة العسكرية الاسرائيلية ضد العرب وما سوف يعقبها من احتلال للقدس ولبقية الاراضي الفلسطينية. ويقول الحاخام موشيه ليفنجر حين يتذكر تلك الايام «التاريخية»: لقد بدأت كوك في وضع خطة بناء المستوطنات يوم 7 يونيو 1967، وخلال 10 سنوات تالية كانت خطة بناء اي مستوطنة جديدة تناقش في غرفة الطعام بمنزل كوك بيننا جميعا وبين المخلصين من ابناء شعبنا، وبعد ان يجيز الحاخام الخطة، يبدأ التحرك في الصباح التالي. وكان دولفين يتحرك في الاتجاه الموازي، ولكن على خريطة التيار المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة ورغم الحديث المسهب عن «المحبة» والغفران، فان دولفين لم يخف ادراكه لجسامة «المذبحة» التي يمكن ان يتسبب فيها اعادة بناء الهيكل، فقد قال بوضوح انه طريق معمد بالدم، والدم هو تضحية للاغتسال من الذنوب انه الطريق الذي اختاره الرب». وينبغي هنا التوقف قليلا لفهم معتقدات الداربيين اكثر .. ان من الخطأ تصور ان دولفين او غيره من قادة هذا التيار «يحبون» اليهود .. انهم كما اشرنا من قبل يعتقدون ان من الضروري تحويلهم جميعا الى المسيحية، بمد السلاح ان لزم الامر، او قتل من يرفض منهم، ولعل هذا ما يوضح المفارقة الساخرة التي تجمع الحليفين في هذه المرحلة. فحين قيل لاحد قادة الكنيسة الداربية ـ تشك سميث ـ ان ما تدعو اليه الكنيسة سيتسبب في حرب يسقط خلالها مئات الالاف من المسلمين واليهود اجاب قائلا «بصراحة لا يهمني ذلك كثيرا .. فهذه هي نبوءة الانجيل، وليس بوسعي تغييرها» ولكن المشكلة لا تقتصر على هذا التسليم بضرورة سيل بحور من الدم في حرب حول المعبد، انها تمتد الى ان الداربيين يرون ان على اليهود ـ اولا ـ استعادة كل الاراضي التي وعدها بهم الرب وذلك قبل ان تشن الكنيسة الداربية حربا ضدهم لتحويلهم الى المسيحية قسرا .. انه امر مذهل حقا ان يذهب تفسير الانجيل الى هذا المدى الجنوني. مكر اسرائيلي ويدرك قادة المنظمات اليهودية المتطرفة حمق الداربيين ولكن لا بأس ـ الآن على الاقل ـ من الاستفادة باموالهم وبدعمهم السياسي الى حين الاستيلاء الكامل على ما تريده من اسرائيل، اما بعد ذلك فيمكن ـ مثلا ـ دعم احد قادة الداربيين ممن سيخرجون بتفسير جديد لتعاليم جون نيلسون داربي يكتشف من خلاله ان «النصوص» تحض على دعم الدولة اليهودية حتى يوم القيامة .. لان هذا ما يريده الرب! والمؤكد ان قراءة اوراق الدكتور دولفين تكشف عن نوع من الهذيان الديني النادر . .ولكن ماذا عن مساعدة الاول تشك سميث؟ فلنقرأ تصريحا واحدا لسميث كي نتبين اين يقف الرجل، يقول سميث: تعجبني دائما مواقف جولدفوت .. انه لا يحفل كثيرا بمناورات الساسة وتعقيدات المثقفين ان طريقته واضحة وبسيطة: حفنة من الديناميت وعدد من صناديق المتفجرات تكفي لمحو قبة الصخرة، بعدها يستولي مخلصو المعبد على الموقع ليبدأ بناء الهيكل .. انه رائع لانه يختصر آلاما كثيرة!. ولدينا الآن هذه الشبكة باكملها، في اسرائيل، وفي الولايات المتحدة، من مركز هآرف ـ اي مركز تخريج الحاخامات المتشددين ـ الى مخلصي المعبد الي آتاريت كوهانيم الى جوش امونيم الى الداربيين الى عدد آخر من فروع الايفانجيلية المتشددة في «حزام الانجيل»، اي عدد من الولايات الجنوبية الامريكية. ثم ان لدينا التأثير القوي لهذا التيار الديني المتشدد على منهاج الرئيس جورج بوش، والروابط السياسية والفكرية التي تصل الرئيس الامريكي بهذا التأثير. ان احد اكبر دعاة هذا التيار، اي القس بيلي جرام، يعد ابا روحيا لجورج بوش، ومواقف بيلي جرام الدينية لا تسفر عن اي دعم سياسي للقضية الفلسطينية، بل على العكس من ذلك تماما، انها تصب في قناة الاسرائيليين على نحو سافر وصريح. الامر الايجابي في هذه الصورة القاتمة هو ان الكنائس الامريكية الاخرى على وجه العموم تتخذ موقفا متزنا من القضية الفلسطينية فضلا عن ذلك فانها ترفض التفسيرات المتطرفة خصوصا تلك التي عرضها سيروس سكوفيلد. ويبدو من الضروري فتح حوار واسع مع هذا التيار الديني المتزن لدعم المواقف الفلسطينية على الساحة الامريكية. اما ما يتعلق بانعكاسات تأثير المتطرفين داخل ادارة بوش فليس بالامكان الا ترك الايام وحدها تثبت للادارة الامريكية ان خلط الامور على هذا النحو سوف يؤدي الى فوضى شاملة في المنطقة، وان الحسابات العملية وحدها تقترح مسارا مختلفا عما يقترحه مجموعة ممن فقدوا عقولهم .. باسم الدين.