بيان الاربعاء: أضحى الحديث عن الديمقراطية والتحديث السياسي واحداً من الموضوعات المحورية التي تهيمن على الساحة الخليجية على المستويين الرسمي والشعبي، لاسيما بعد أن خطت دول مجلس التعاون الخليجي ، خطوات واسعة على طريق الإصلاح السياسي ما يجعلها تقف اليوم على مفترق طرق عليها أن تجتازه عبر المزيد من الخطوات الفعلية الجادة، بل الحاسمة في اتجاه توفير متطلبات هذا الإصلاح. وتنبع أهمية الحديث عن الإصلاح والتحديث السياسي في دول الخليج من عدة اعتبارات أهمها: 1ـ أن التحديث السياسي في الدول الخليجية جاء بعد مرحلة كانت تسودها نغمة التنمية والتطوير على الصعيد الاقتصادي كأولوية رئيسية للعمل الوطني. ومن ثم فإن أي حديث عن هذا الإصلاح كان ينظر إليه باعتباره معوقاً للتنمية ومشتتاً للجهود. 2ـ أن عملية الإصلاح السياسي في دول الخليج، دفعت باتجاهها جملة من العوامل سواء تلك النابعة من البيئة المحلية أو الإقليمية أو الدولية، مما يجعل أي حديث عن هذه العملية غير مكتمل بدون الإشارة إلى تلك العوامل. 3ـ أن الإصلاح السياسي في الدول الخليجية أخذ خطوات متسارعة في كافة الدول الخليجية على حد سواء، وأنه وإن تفاوتت درجة ومدى وعمق هذه الإصلاحات فإن ثمة شيء مشترك بينها وهو رسوخ هذا الإصلاح والإصرار عليه سواء من قبل القيادات السياسية الخليجية أو الشعوب الخليجية. 4ـ وأخيراً، فإن الاقتراب من تجارب التحول السياسي في الخليج يتطلب وجود قناعة بخصوصية البيئة الخليجية، واختلافها عن غيرها من البيئات وهو ما يضع نوعاً من القيود حول أي اقتراب يهدف إلى مقارنة التجارب الديمقراطية الخليجية بغيرها من التجارب في أي بقعة من العالم. ويمكن تناول قضية التحديث السياسي في دول الخليج من خلال عدة محاور هي: عوامل الدفع اولا: العوامل التي دفعت باتجاه التحديث السياسي في المجتمع الخليجي: ثمة عوامل عديدة دفعت باتجاه التحديث السياسي في دول الخليج العربية، يمكن الإشارة إليها فيما يلي: ـ كانت حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت) من اهم الاحداث التي فرضت معطيات جديدة على الساحة السياسية الداخلية في دول مجلس التعاون الخليجي، كما أثارت العديد من التساؤلات حول واقع ومستقبل التطور السياسي والاجتماعي في هذه الدول، لاسيما أن الحرب أبرزت حالة الانكشاف الأمني لهذه الدول، وضعف قدراتها العسكرية، مما أثار العديد من التساؤلات حول مدى كفاءة قدرتها العسكرية في حماية شعوبها في ظل الاستعانة بقوات أجنبية للقيام بمهمة الدفاع عنها ضد التهديد العراقي، وذلك على الرغم من المخصصات الضخمة في ميزانيات هذه الدول والتي أنفقت على التسليح وتعزيز الأنظمة الدفاعية. وبعبارة أخرى يمكن القول أن حرب تحرير الكويت كانت بمثابة المعجل لظهور متغيرات وأحداث جديدة أسهمت في بروز فعاليات داخلية ناشطة على الساحة السياسية، وعلى الرغم من أن درجة التغيير السياسي الذي حدث في أعقاب تلك الحرب تتفاوت من درجة إلى أخرى إلى أنه يمكن القول بأن هذه الدول شهدت جميعها شيئاً من التغيير بدرجات متفاوتة وبأشكال مختلفة. ـ ان التحول الديمقراطي بات على المستوى العالمي التيار الذي يحظى باحترام العالم، بوصفه المنهج الأنسب والأفضل للتغيير، لاسيما بعد أن أخفقت التجارب الشمولية والتي لم تحقق الحد الأدنى من طموح الجماهير. وبصعود هذا التوجه العالمي المساند للتحول الديمقراطي أصبحت هناك ضغوط أدبية ومعنوية عالمية سواء من قبل القوى الكبرى والهيئات الدولية لاسيما الاقتصادية منها، والتي طورت مفاهيم «الحكم الجيد» و «المشروعية السياسية» وسواء من قبل هيئات ومنظمات حقوق الإنسان العالمية التي تتابع باهتمام وشغف شديدين انتهاكات الدول لحقوق الإنسان وعدم التزامها بالحريات السياسية والمدنية. ومن ثم أصبحت دول العالم مراقبة وتخضع للمساءلة وأخذت بالتالي تضع في اعتبارها تقارير هذه المنظمات التي تؤثر في سمعتها ومكانتها وعلى فرص الاستثمار فيها. ـ ان المشاركة باتت ضرورة إقليمية، بعد أن نجحت ـ ولو بصورة جزئية ـ تجارب قريبة من البيئة الخليجية لاسيما في إيران وتركيا وبعض الدول العربية، حيث استطاعت هذه المجتمعات من خلال هامش من الديمقراطية والمشاركة أن ترسي مستويات متفاوتة من التغيير الاجتماعي بعيداً عن العنف. ـ ويمكن القول بأن ما سبق ليس هو المسئول فقط عن الاتجاه نحو الإصلاح والتحديث السياسي، يجانبه الكثير من الصواب لأنه يغفل الإرادة الشعبية في دول الخليج ويغفل كذلك البيئة المحلية التي لا يقل تأثيرها عن البيئة الدولية والإقليمية. وفي هذا الإطار؛ فإن ثمة عوامل نابعة من البيئة المحلية كانت سبباً رئيسياً وراء بروز المطالبة بالإصلاح السياسي في الدول الخليجية، نذكر منها : ـ التوسع الهائل في الإنفاق على التعليم، الأمر الذي أنتج كوادر ذات أعداد متزايدة من المتعلمين، تفرض عليها خبراتها العلمية المطالبة بأن يكون لها رأي فيما يحدث في بلدانها تماشياً مع دورها كنخب مثقفة ذات دور طليعي. ـ التطورات التي أصابت الدول الريعية، فهذه الأخيرة على الرغم من قوتها الظاهرية، إلا أنها سريعة الانكشاف في وقت الأزمات المالية، الأمر الذي يضطرها إلى التنازل عن بعض قوتها لفئات المجتمع المطالبة بالمشاركة. بعبارة أخرى يمكن القول أنه على الرغم من أن الريع يمد الدولة الريعية-على حد تعبير أحد الدارسين-في وقت الوفرة بالقدرة على كسب ولاء الطبقات والفئات الاجتماعية بمنحها المزايا والمنافع، إلا أنه يضع قيداً على مقدرتها في وقت تناقص العائدات، فلا تتمكن من الاستمرار في تهميش الفاعلين السياسيين من دون مخاطر حقيقية على استقرارها السياسي. حركات التحديث ثانيا: سمات الحركات المنادية بالتحديث السياسي: وكنتيجة مباشرة لما سبق ذكره من عوامل دولية وإقليمية ومحلية ذات أثر إيجابي على التحول الديمقراطي في الخليج، ظهرت تحركات مطالبة بالانفتاح والتحديث السياسي، وظهرت حركات أخذت على عاتقها المطالبة بتوسيع نطاق المشاركة الشعبية في العملية السياسية. وتتسم هذه الحركات بعدد من السمات، نذكر منها كما ورد في احدى الدراسات المتخصصة ما يلي: ـ أن هذه التحركات رغم مطالبتها بالانفتاح السياسي وفتح باب المشاركة، إلا أنها لم تشكك أبداً في شرعية الأنظمة القائمة، بل على العكس كانت تعبر دوماً عن دعمها لهذه النظم حتى في مطالبتها بوضع قيود على سلطاتها كذلك لم تدع إلى تغيير راديكالي كالذي طالبت به الحركات القومية العربية والماركسية كما لم تطالب أي منها بثورة إسلامية على غرار الثورة الإيرانية. ـ أن مطالب هذه الحركات تباينت بين الدول المختلفة بحسب درجة التطور الدستوري فيها. ففي الدول التي كان بها دستور مكتوب مثل الكويت والبحرين كانت المطالب منصبة على أهمية الدستور كقاعدة وحيدة مقبولة للسياسة، و في الدول التي كانت بها دساتير مؤقتة (قطر/الإمارات) تركزت المطالب على تحويلها إلى دساتير دائمة بينما في الدول التي لا توجد بها وثيقة دستورية (السعودية) فقد تركزت المطالب على أهمية تطبيق الشريعة الإسلامية، والجدير بالذكر أن القيادة السياسية في سلطنة عمان بادرت إلى إصدار دستور للبلاد في 6نوفمبر 1996. ـ أن جوهر المطالبات على اختلاف الدول وظروفها وما حققته على طريق المشاركة، تمثل في طلب إنشاء آلية مؤسسية للمشاركة السياسية، حيث ركزت هذه المطالبات إما على إعادة الهيئات التمثيلية السابقة كما في الكويت والبحرين (مجلس الأمة والمجلس الوطني على التوالي)، وإما تعزيز استقلالية المؤسسة التشريعية القائمة وتوسيع صلاحيتها وتغيير أسس المشاركة السياسية فيها كما في الإمارات. وأما المطالبة بتأسيس هيئة استشارية جديدة ذات استقلالية أكبر وسلطات أوسع كما في قطر. ـ ان المطالب السياسية التي تقدمت بها بعض العناصر والفئات للنظم الحاكمة في أغلب دول المجلس في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية، تبلورت أساساً حول توسيع دائرة المشاركة السياسية، واعتبار الشورى أساسا للديمقراطية، وتوفير ضمانات حرية الرأي والتعبير واعتبار الوثائق الدستورية أساساً للحكم وممارسة العمل السياسي. متطلبات التحديث ثالثا: متطلبات التحديث السياسي: يستلزم التحديث السياسي في أي مجتمع من المجتمعات العديد من المتطلبات، والتي يمكن أن نعتبرها أبعاداً لهذا التحديث. وفي السياق الخليجي يمكن الإشارة إلى متطلبين أساسيين يعتبران بمثابة الأساس لأي خطوات إصلاحية وتحديثية في الحياة السياسية الخليجية، أما أولها فيتمثل في قضية المشاركة، وأما ثانيهما فيتمثل في قضية المواطنة. أ) قضية المشاركة الشعبية: أن موضوع المشاركة الشعبية بوصفها لب التحديث السياسي المنشود، بات مطروحًا اليوم على بساط البحث بصورة لم يسبق لها مثيل، ويشمل هذا البحث على حد سواء تلك البلدان التي تعرف أشكالاً متطورة من هذه المشاركة كما هو الحال بالنسبة للكويت مثلاً أو تلك البلدان الراغبة أو المدعوة لتطوير أشكال التمثيل الشعبي الموجود فيها بما يتلاءم والتحولات داخل هذه البلاد وبما يستجيب للتطورات الإقليمية والدولية. ونظرة متفحصة لدول مجلس التعاون، يتضح أنها ليست على مستوى واحد من التطور الشوري والمشاركة، حيث تختلف درجات المشاركة الشعبية في الدرجة والعمق والصلاحيات. وفي هذا الإطار؛ فإن الكويت وإن كانت المثال الأقدم فيما يتعلق بتجذر المشاركة، فإنها لم تعد الوحيدة، فسلطنة عمان على سبيل المثال اتخذت منهجاً تطورياً وسريعا نسبياً من التعيين إلى الانتخاب ومن المشاركة المحدودة إلى المشاركة الواسعة. وتستعد البحرين في ضوء التطورات الأخيرة إلى تقديم تجربة للدمج بين ما شرعه الدستور من وجوب مجلس تشريعي منتخب وبين مجلس آخر رديف كما هو في بلدان عديدة تأخذ بنظام المجلسين. أما قطر فقد وصلت لجنتها التي تضع الدستور إلى المنتصف أو أكثر من مداها الزمني المحدد لها بواسطة مرسوم إنشائها، كي تقدم صياغة جديدة لدستور جديد من المتوقع أن يطرح للاستفتاء تمهيداً لتطبيقه. وتطرح عملية المشاركة قضايا فرعية أخرى تتمثل في ضرورة تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل دورها وتجذيره في ظل الحياة الديمقراطية، بما يعنيه ذلك من تحديث أسس المجتمع وتطويرها وتطوير بنية العلاقات القائمة فيه. كذلك تطرح قضية تعزيز الحريات العامة، والتي لا يجب أن تختزل في الحريات السياسية فقط. ب) مبدأ المواطنة: ويعد مبدأ المواطنة الكاملة مفهوم سياسي معاصر صاحب بروز الدولة الحديثة وشكل حجر الزاوية في عملية بناء أنظمة الحكم الديمقراطية الراهنة، وينطلق مبدأ المواطنة على حد تعريف أحد الخبراء من اعتبار رابطة الشراكة في الوطن ـ دون غيرها من الروابط الإنسانية المهمة الأخرى مثل الأخوة في الدين أو المذهب أو الرابطة القومية ـ هي مصدر حقوق المواطنة ومناط واجباته في الدولة الوطنية الواحدة. ويؤكد مبدأ المواطنة في الدرجة الأولى على المساواة السياسية بين المواطنين وأهليتهم الدستورية لتقلد المناصب العامة. ويبدأ العمل بمبدأ المواطنة عندما يتم الاعتراف به للكثرة من المواطنين دون وجود تمييز ديني أو عنصري. وقد تحركت الدول الخليجية باتجاه تعزيز مبدأ المواطنة. ففي البحرين، أكد الشيخ حمد بن عيسى أمير البلاد أنه لا تفرقة بين المواطنين لاعتبارات الدين أو العرق، وأن معايير التفرقة هي المواطنة الصالحة. وأما الكويت، فتتخذ خطوات حثيثة من أجل تجنيس البدون المستحقين للجنسية الكويتية. بما يعنيه ذلك من وعي القيادة السياسية في الدول الخليجية بأهمية قضية المواطنة كأحد متطلبات الإصلاح السياسي. وأخيراً، يشير أحد المراقبين إلى أن التحول السياسي في المجتمعات الخليجية يستلزم توافر شبكة من الاشتراطات الموضوعية ، يمكن الإشارة إليها إيجازاً فيما يلي: ـ حسن النية من الطرفين المانح والمتلقي، فعلى المانح-غالباً القيادة السياسية- أن تثبت للجميع أنها جادة في خطوات التحديث السياسي. وعلى المتلقي كذلك أن يثبت للجميع بأنه قادر على الاستفادة من هذه الفرصة التاريخية وأنه لن يحرقها في أتون الخلاف والفرقة والشرذمة. ـ وحيث أن التحديث السياسي والإصلاح السياسي في الكويت كان هو الأسبق فإن أي خطوة للإصلاح السياسي في الخليج يفضل لها أن تبدأ من حيث انتهت التجربة الكويتية لا من حيث ابتدأت. حتى لا تقع تجارب الإصلاح السياسي في الخليج فيما وقعت فيه التجربة الكويتية من أخطاء. ـ المطلوب أن يسبق خطوات التحديث السياسي في الدول الخليجية تشاور واستئناس بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي حتى لا تؤدي الاجتهادات المنفردة إلى تفكيك «الحركة الجماعية» للمنظومة، أو الانعكاس السلبي على الوحدة السيكولوجية للمنظومة. إذ أنه كلما توحد المشروع السياسي للمنظومات داخلياً وخارجياً كلما كانت فرص القوة والاستمرار للمنظومة أقرب إلى التحقيق. المعوقات رابعا: معوقات التحديث السياسي في الخليج: يرى بعض المراقبين أن عمليات التحديث السياسي والتي أقبلت عليها دول عديدة، ربما تواجهها عدد من العقبات أو المعوقات يأتي على رأسها: ـ البنية والبيئة السياسية، فهناك-وعلى حد وصف البعض ـ ميل عام للحكم الفردي وبالإضافة إلى ذلك فإنه ليس ثمة معارضة حقيقية، وبالتالي فإن البنى السياسية الحالية لا توحي بحدوث انتقال سريع للديمقراطية. ومن هذا المنطلق يدفع البعض بأن البنية السياسية الحالية معوقة. ـ التركيبة السكانية: فمن ناحية فإن المواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي بدون استثناء «أقلية» مما يمثل مشكلة حقيقية عند الحديث عن الفئة المستهدفة بالمشاركة، ومن ناحية ثانية فإن اتسام السكان بالبداوة يولد حقيقة أساسية مؤداها أن الولاء لا يكون أبداً للمؤسسة وإنما للحركة تبعاً للظروف مما يولد بنية غير ديمقراطية. ـ الثقافة السياسية، فتفعيل المشاركة السياسية والتحديث السياسي يتطلب ترسيخ ثقافة ديمقراطية تعزز مفاهيم قبول الآخر، ونسبية الرأي وغيرها من المفاهيم وثيقة الصلة بالعملية الديمقراطية. ـ وفي النهاية؛ فإن الدول الخليجية التي خطت خطوات واثقة على طريق الإصلاح السياسي، لن يكون أمامها من خيارات سوى الاستمرار في ذات الطريق الأمر الذي يتطلب تعزيز متطلبات التحديث السياسي والتغلب على معوقاته.