بيان الاربعاء : قام الرئيس الإيراني محمد خاتمي الشهر الماضي بزيارة إلى روسيا هي الأولى له منذ توليه الحكم متوجاً بذلك فترة من التقارب الملحوظ والمتنامي بين طهران وموسكو، وهناك العديد من المظاهر التي تعكس طبيعة العلاقات بين الجانبين ولعل أبرز هذه المظاهر ذلك التقدم الملحوظ في التعاون العسكري الروسي الإيراني خاصة بعد أن رفضت موسكو الالتزام بمذكرة عام 1995 التي تعهدت بمقتضاها لواشنطن بوقف صادرات الأسلحة والتقنية الحربية لطهران مع نهاية عام 1999 و وفقاً لتقديرات رئيس لجنة الدفاع التابعة للدوما الجنرال أندريه فيكولايف فإن تكلفة الأسلحة التي تعتزم روسيا تصديرها لإيران في غضون السنوات القليلة المقبلة تبلغ 7 مليارات دولار وهو ما أكده أيضاً السفير الإيراني في موسكو. وعلى جانب آخر جاءت الزيارة ليست فقط وسط تعاون عسكري يتطور بل على قاعدة تنسيق سياسي أيضاً فوجهات النظر بين البلدين تتطابق حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية خاصة فيما يتعلق بالشيشان وأفغانستان وطاجكستان والإرهاب وتجارة المخدرات وتهريب الأسلحة، ففيما يتعلق بالشيشان فقد كان موقف إيران تجاه الأعمال الروسية غير متشدد حيث ظلت البيانات الرسمية لينة في انتقادها لروسيا. وكان د. كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني قد قال في أحد تصريحاته أن إيران لا تندد بما تفعله القوات الحكومية الروسية في جمهورية الشيشان وترى ضرورة البحث عن حل سياسي لا يهدد الأراضي الروسية إلى جانب ذلك فقد عملت إيران التي كانت رئيسة منظمة المؤتمر الإسلامي حتى ديسمبر الماضي على ضمان بقاء قضية الشيشان بعيدة عن جدول أعمال العديد من المؤتمرات الإسلامية التي انعقدت. أما فيما يتعلق بأفغانستان فإن كلا الدولتين تتفقان في تقديم الدعم السياسي لقوات أحمد شاه مسعود المناهضة لحركة طالبان، الأمر الأول هو أن الحركة (السنية) تشكل تهديداً لإيران (الشيعة) وروسيا التي تخشى من أن تمتد الأصولية إلى دول آسيا الوسطى، فضلاً عن قيام الحركة بدعم مقاتلي الشيشان، وأما الأمر الثاني فهو أن تدرك حكومة طالبان أنها لن تستطيع أن تضع كل أفغانستان تحت سيطرتها مما يضطرها إلى الحديث الجاد مع الفصائل الأفغانية الأخرى. وفيما يتعلق بطاجكستان فقد بذلت الدولتان جهوداً لإجبار أطراف الصراع في هذا البلد على التحول من الحرب إلى الحوار. وأخيرا يتفق الطرفان بِشأن اعتبار التدخل الأجنبي دافعاً إلى تصعيد التوترات ونشوب واستفحال الأزمات الإقليمية بما في ذلك توسع حلف الناتو شرقاً، كما ترفض الدولتان أيضاً المشروع الأمريكي المسمى «درع الصواريخ» والذي تعمل واشنطن على إتمامه. دوافع التقارب ولم يأت هذا التقارب بين كل من موسكو وطهران من فراغ أو وليد الصدفة بل أن هناك دوافع عديدة أدت إلى حدوث هذا التقارب خاصة في الآونة الأخيرة .. فبالنسبة لإيران فإنها ترى أن التعاون مع روسيا من شأنه أن يصلح من الخلل في توازنات القوى في منطقة الخليج في ضوء شعورها بأنها مهددة من الوجود المكثف للقوات الأمريكية في الخليج مع استمرار تطوير القدرات العسكرية لدول المنطقة وإجراء المناورات الخليجية الأمريكية فإن إيران ووفقاً لحساباتها الاستراتيجية تعمل على مواجهة ذلك بامتلاك القوة العسكرية التي تحقق لها الردع المتبادل في مواجهة ضربة عسكرية أمريكية قد تشارك فيها إيران، ولن تأتي هذه القوة إلا من خلال روسيا إلى جانب ذلك فما يعزز اتجاه طهران نحو موسكو في المرحلة الراهنة هو أن دبلوماسية الانفتاح والانفراج التي اعتمدتها حكومة الرئيس محمد خاتمي الإصلاحية لم توفق تماماً في مد جسور الثقة المتبادلة مع دول الجوار الإقليمية سواء تلك المتوافقة مع توجهات السياسة الأمريكية كباكستان وأذربيجان وتركيا ودول الخليج أو تلك المتقاطعة معها كالعراق وأفغانستان. فيما تمثل روسيا الاستثناء الوحيد في هذا المضمار .. يضاف إلى ذلك عدم اطمئنان طهران تجاه مستقبل علاقاتها مع أوروبا ومدى قدرة عواصم القرار الأوروبي على الذهاب بعيداً في معارضة سياسات وإجراءات الحظر الأمريكي المفروض عليها. وبالنسبة للدوافع الروسية للتقارب فيمكن إيجازها في عدة نقاط أبرزها أن إيران تعد امتداداً جيوبولوتيكياً لروسيا حيث تتاخم إيران كلاً من تركمانستان وأرمينيا وأذربيجان وأيضاً أفغانستان وباكستان وتركيا «العضو في حلف الناتو» إلى جانب المصالح الاقتصادية الروسية فقد أشارت بعض المصادر إلى أن إيران تستوعب ما يقدر ب6% من صادرات الأسلحة الروسية للخارج وقد أفقدت وقف صادرات السلاح الروسي لطهران خلال الخمس سنوات الماضية عدة مليارات من الدولارات التي يحتاجها الاقتصاد الروسي بشدة. أما مع عودة التعاون بين الطرفين فمن المتوقع أن تحصل روسيا سنوياً ما يتراوح بين 250-500 مليون دولار سنوياً نظير أسلحة تشتريها إيران، هذا فضلاً عن ملايين أخرى لشراء الذخائر وتحديث الآلة العسكرية الإيرانية ذات الصناعة الروسية في أغلبها، وأما الدافع الثالث فهو يتعلق بالناحية الاستراتيجية حيث يتضمن التعاون الروسي الإيراني تحدياً للسياسة الأمريكية التي تعتبر طهران دولة ترعى الإرهاب، كما يضمن هذا التعاون-إلى حد ما-إحداث نوع من التوازن حيال التواجد الأمريكي في منطقة الخليج العربي وتركيا حيث قواعد حلف الناتو .. إلى جانب ذك فإن تصريحات الإدارة الأمريكية بالخروج من معاهدة الدفاع المضاد للصواريخ عام 1972 ومحاولة ضم بولندا ودول البلطيق إلى حلف الأطلنطي لحصار روسيا-تماماً من جانب العرب-جعلت روسيا تلتف حول هذه المحاولات عن طريق البوابة الإيرانية فأعلنت عدم التزامها باتفاق جور ـ تشيرنومردين الموقع عام 1995 بخصوص عدم تزويد إيران بالمعدات العسكرية التقنية كما بدأت تعاوناً واسعاً مع الطرف الإيراني في مجال بناء المحطات النووية بعقود تصل إلى 5 مليارات دولار وتوريد الأسلحة والتقنيات العسكرية .. وأخيراً يمكن القول أن رغبة موسكو للوصول إلى منطقة الشرق الأوسط قد يكون دافعاً آخر نحو التقارب الروسي تجاه إيران خاصة وأن موسكو تتقارب مع العراق وتعمل على رفع الحصار عنه. أهداف الزيارة حرص الرئيس الإيراني على التأكيد بأن الهدف الرئيسي لزيارته لموسكو هو «إقامة السلام في المنطقة» .. غير أن ذلك الأمر لم يكن كذلك تماماً فإلى جانب هذا الهدف الذي قد يكون له نصيب في محادثات خاتمي وبوتين هناك أهداف أخرى أراد الإيرانيون تحقيقها خلال الزيارة ولعل أهم هذه الأهداف هو إبرام مجموعات من صفقات الأسلحة الروسية والتفاهم مع روسيا حول الوضع في بحر قزوين، فضلاً عن بحث الملف العراقي والرؤية الروسية لأمن الخليج. وقد كان الهدف العسكري صاحب النصيب الأكبر من الاهتمام والبحث أثناء الزيارة ـ على عكس التصريحات الإيرانية والروسية ـ ومما يعزز ذلك الأمر هو التمثيل العسكري البارز في الوفد المرافق لخاتمي حيث كان وزير الدفاع علي شمخاني على رأس هذا التمثيل، من جهة أخرى حرصت موسكو على تكليف نائب رئيس الوزراء المشرف على قطاع الصناعة العسكرية إيليا كيانوف باستقبال الوفد الإيراني في مطار موسكو إلى جانب ذلك فقد استبق الزيارة قيام مجلس الشورى الإيراني بإقرار «اتفاق تعاون علمي وتقني بين روسيا وإيران». وفي ضوء هذه المؤشرات فإن المهمة الأولى للرئيس الايراني في روسيا كانت استكمال مباحثات التعاون العسكري والتكنولوجي التي بدأها البلدان خلال زيارة وزير الدفاع الروسي إيجور سيرجييف إلى طهران في ديسمبر الماضي .. وفي هذا السياق فقد ذكرت المصادر الروسية أن إيران مهتمة بشراء شبكات دفاع جوي قادرة على التصدي ل«القذائف الموجهة» بما فيها الصواريخ فائقة الدقة، ولدى روسيا نوعان من هذه الشبكات هما «نور MI » و«بوك MI »، فضلاً عن شراء صواريخ «سي300» وهي من نوع «باتريوت» التي باستطاعتها تدمير الصواريخ الباليستية التي تخشى إيران أن تكون هدفاً لها من إسرائيل أو القوات الأمريكية في الخليج، وكذلك الصواريخ المضادة للسفن من طراز «موسكيت» التي يبلغ مداها 120 كيلو متراً وهي مخصصة لمهاجمة القطع البحرية. كما يريد الإيرانيون أيضاً تحديث أسطولهم الجوي خصوصاً طائرات «ميج29» و«سوخوي24»، بالإضافة إلى الحصول على طائرات هليكوبتر حربية من طراز «سي-17» وقاذفات مقاتلة من طراز «سوخوي-25» وغواصات من طراز « 877-MKJ » إضافة إلى ترخيص بإنتاج ناقلات مشاة مدرعة من طراز «BMB2 » ووعد بتدريب متخصصين في شئون الدفاع وإصلاح المعدات الروسية القديمة. وبخصوص الوضع في قزوين فقد هدف خاتمي إلى الوصول مع بوتين إلى رؤية مشتركة نحو تقسيم ثروات قزوين .. ومن المعروف أن إيران تعترض على موقف روسيا وكازاخستان وأذربيجان الداعي إلى أن تكون مياه قزوين عامة فيما يتم تقسيم قاع البحر بين الدول المطلة عليه اعتباراً من خط الوسط، وترى إيران أن مثل هذا التقسيم سيهضم حقوقها مقارنة مع الدول الأخرى لأنها في هذه الحالة ستحصل على 13% من إجمالي قاع البحر .. وتطالب طهران بأن تحصل على 20% على أساس أن يكون تقسيم ثروات البحر بالتساوي بين الدول المطلة عليه. أما الموضوع الثالث الذي أشار إليه بعض المراقبين باعتبار أنه كان على مائدة البحث أثناء قمة خاتمي ـ بوتين فهو الملف العراقي والرؤية الروسية لأمن الخليج حيث أشار مستشار بوتين للشئون الدولية سيرجي بريخودكو إلى أن الملف العراقي كان مطروحاً في المحادثات الرئاسية حيث أن روسيا «مهتمة بتحقيق قدر كبير من التفاهم» بين بغداد وطهران معتبراً ذلك عاملاً يساعد إلى حد كبير على إزالة التوتر في المنطقة، وفي هذا السياق سعت موسكو إلى تشجيع طهران على منح الطائرات المدنية الروسية «ممراً آمناً» عبر الأجواء الإيرانية لتسهيل رحلات منتظمة إلى بغداد، ويراهن الجانب الروسي الذي يرتبط بمصالح تجارية قوية مع بغداد على العلاقات المتنامية مع طهران في إقناع الإيرانيين الانخراط في ما بات يُعرف بالخرق التدريجي لنظام العقوبات على العراق وتسيير رحلات جوية منتظمة إلى بغداد، ولاشك أن موسكو تحاول بذلك التقريب بين الطرفين (بغداد وطهران) اللذين تعمل على دعم علاقاتها بهما حتى يكونا بمثابة بوابة من أجل عبور روسيا إلى منطقة الخليج والشرق الأوسط. وفي ضوء ما سبق أشارت المصادر إلى أن الجانب الروسي طرح مسألة إحياء المقترح الروسي الذي روجت له موسكو في وقت سابق من العام الماضي ومطلع العام الجاري ويقضي بإقامة «منظومة ثمانية» للأمن في الخليج .. ووفقاً للخطة الروسية فإن موسكو جاهزة للتوسط في حل النزاعات الثنائية بين دول المنطقة (العراق والكويت ـ العراق وإيران ـ إيران والإمارات) وتضم منظومة الامن المقترحة ايضا قطر والبحرين تمهيداً لإقامة منظومة أمنية تضم دول مجلس التعاون الخليجي الست وإيران والعراق، كما يقضي المشروع الروسي أيضاً بإعلان منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل وإبرام معاهدات عدم اعتداء ثنائية وجماعية وإنشاء مركز إقليمي لحل النزاعات توطئة لإنشاء منظمة تضم الدول الثماني تشارك فيها الولايات المتحدة وروسيا وبعض الدول الأوروبية بصفة مراقب. نتائج الزيارة حققت الزيارة العديد من الأهداف وأولها التوقيع على معاهدة «أسس العلاقات ومبادئ التعاون» حيث نصت على أن إيران وروسيا «دولتان صديقتان» وتلتزم كل منهما الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد الأخرى، ويتعهد كل طرف بألا يسمح باستخدام أراضيه للقيام ب«أعمال عدوانية أو تخريبية أو انفصالية» ضد الطرف الآخر، ويمتنع عن مساعدة أي طرف يعتدي على احدى الدولتين المتعاقدتين، كما نصت المعاهدة على تعاون الدولتين في مجالات أخرى متعددة مثل استئصال الإرهاب الدولي ومكافحة اختطاف الرهائن وتداول المخدرات وتهريب السلاح وغير ذلك من القضايا الدولية، وتسري المعاهدة لمدة عشر سنوات تجدد تلقائياً لمدة خمس سنوات ما لم يبلغ أحد الطرفين الآخر خطياً خلال أقل من سنة واحدة قبل انتهاء مفعولها عن نيته إنهاء سريانها، ويرى المراقبون أنه رغم أن المعاهدة لم تشتمل على تعبيرات مثل «التحالف الاستراتيجي» إلا أنها تعد نقلة نوعية في العلاقات بين روسيا وإيران. وبشأن الوضع في بحر قزوين فقد تعهدت الدولتان في بيان مشترك بالعمل معاً لصوغ معاهدة تحظى بموافقة الدول الخمس المطلة على البحر لاستثمار موارده النفطية البيولوجية وحمايتها ورغم أن البيان لم يوضح بشكل كاف الوضع السياسي المتشابك الذي يحيط بهذا البحر المغلق الغني بالنفط إلا أن البيان أكد على أنه «لن يكون هناك اعتراف بأي حدود بحرية قبل إيجاد إطار قانوني» كما أكد البيان على أن أي اتفاق بشأن الوضع في بحر قزوين لن تكون له قوة القانون إلا إذا وافقت الدول الخمس المطلة على البحر ويعني ذلك أن الرئيس محمد خاتمي لم ينجح تماماً في إقناع الرئيس بوتين بقبول طلب إيران بتقسيم ثروات قزوين بالتساوي بين الدول الخمس وكل ما حدث هو الوصول إلى ما يشبه صيغة توافقية لم تحسم الموضوع وإنما أكدت على ضرورة موافقة الدول الخمس على أي اتفاق أو حل قانوني. وعلى جانب آخر فقد اتفق الجانبان على رفض أي تواجد لدول من خارج حوض قزوين وقد يكون ذلك إشارة إلى الولايات المتحدة وأمريكا وجورجيا حيث تريد هذه الدول مد خط أنابيب بين الشرق والغرب يصل إلى ميناء جيهان التركي في حين تريد كل من إيران وتركيا أن يتدفق نفط بحر قزوين من خلال أنابيب موجودة بالفعل على أراضيهما. أما بخصوص النتائج العسكرية فمن الواضح أن الزيارة قد حققت معظم أهدافها حيث أعلن الرئيس الروسي أن بلاده ستشرع في بيع أسلحة لإيران التي «لم تطلب سوى أسلحة دفاعية، كما أشار بوتين إلى أنه من حق إيران أن تكون دولة قادرة على الدفاع عن مصالحها الوطنية وأعاد بوتين تأكيده بقوله أن إيران «لا تريد أسلحة لا تدخل في إطار الممارسات الدولية ومن شأنها انتهاء الالتزامات الروسية» وكانت تصريحات بوتين بمثابة رسالة إلى الولايات المتحدة التي انتقدت موافقة روسيا بيع أسلحة لإيران. وفي هذا السياق فقد أشار مسئولون من وكالة صادرات السلاح الروسية أن صفقات الأسلحة المتوقعة بين إيران وروسيا تتضمن قطع غيار لعربات مدرعة من طراز« B.M.B1 » و « 80 B.T,W» وقطع غيار لدبابات « 62.T » و « 72.T » وأيضاً قطع غيار لطائرات «سوخوي 24» و«ميج29» وطائرات الهليكوبتر الحربية من طراز «مي17». ومن جهة أخرى أكدت روسيا احتمال تزايد منظومات صاروخية أرض ـ جو من طراز «سي300» وكذلك صواريخ «تور M-1 » و«بوك M-1» و«أدسا» إلى جانب قطع تصنيع أقمار صناعية إيرانية وإطلاقها، وقد ذكر يوري كوبتيفق مدير وكالة الطيران والفضاء الروسية أن طهران ستنال ترخيصاً لتصنيع طائرات نقل من طراز «توبوليف 334»، كما أن هناك مفاوضات تجري في شأن طائرة «توبوليف 209»، إلى جانب ذلك أشارت بعض الصحف الروسية أن روسيا قد تبيع لإيران مستقبلاً عدداً غير محدد من المدرعات الصاروخية والتكتيكية وغواصات تعمل بالديزل. وبالإضافة إلى ذلك ألمحت بعض المصادر الأخرى أن الصفقات قد تضمنت أيضاً حصول إيران على طائرات مقاتلة من طراز «سوخوي25» وغواصات من طراز « 877.M.K.J » إضافة إلى أن موسكو قد قدمت وعداً بتدريب متخصصين في شئون الدفاع وإصلاح المعدات الروسية القديمة. وعلى جانب آخر أعلن بوتين أن روسيا ستمضي قدماً في العمل لاستكمال بناء المحطة النووية في ميناء بوشهر على الخليج وهو المشروع الذي تدينه واشنطن حيث أنه قد يتيح لإيران إنتاج أسلحة نووية، ومن جهة أخرى فإنه من المقرر أن تساعد روسيا وإيران في بناء ما بين 5-10 وحدات نووية لتوليد الطاقة الكهربائية، فضلاً عن بناء مفاعل ثاني لمحطة بوشهر النووية. مواقف من الزيارة أعرب الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر عن قلق واشنطن من بيع روسيا لإيران «تكنولوجيا حساسة» وطلب توضيح ما يقصد ب«الأسلحة الدفاعية»، ومن جهة أخرى أكد البيت الأبيض أن استئناف روسيا بيع الأسلحة لإيران سيكون له عواقب وخيمة على العلاقات الأمريكية الروسية، وقد اعتبرت وزارة الخارجية الأمريكية أن عملية بيع الأسلحة لإيران ستهدد العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، وقد توقع المراقبون أن يؤدي إعلان روسيا احتمال تزويد إيران بمنظومات صاروخية من طراز «سي300» و «تور» و«أديسا» إلى استياء الجانب الأمريكي الذي يعتبر أن هذه الصواريخ تهدد حرية الملاحة في الخليج العربي، وفيما يبدو وكأنه رد فعل فوري على التعاون الروسي ـ الإيراني أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي جدد الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على التجارة والاستثمار في إيران إلى حين إجراء مراجعة شاملة للسياسة تجاهها وكان يفترض أن ينتهي هذا الحظر في 15مارس 2001. ومن جانب آخر هناك هاجس عربي خليجي دائم تجاه إيران يرجع من وجهة نظر البعض إلى أنها لا تزال تحتل جزراً مهمة تتحكم في الملاحة في الخليج تابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة ورفضت مؤخراً استقبال اللجنة الثلاثية المشكلة من دول مجلس التعاون الخليجي للتباحث بشأن الجزر أو اللجوء إلى المحكمة الدولية، في ضوء ذلك الهاجس قد لا تشعر الدول الخليجية بالراحة إزاء تنامي القدرات العسكرية الإيرانية من خلال التقارب مع روسيا التي تعد أحد الموردين الأساسيين للسلاح في العالم الآن. ولاشك أن ذلك الهاجس الخليجي يتزايد مع تطوير برنامج التسلح الإيراني الذي يفرض تهديداً مباشراً على مصالح الدول الخليجية العربية ويشمل ذلك البرنامج أسلحة نووية وأخرى كيماوية بالإضافة إلى برامج الصواريخ الإيرانية. وبالنسبة للأسلحة الكيماوية فقد قدرت وزارة الدفاع الأمريكية عام1996 أن إيران تمتلك عدة أطنان من الأسلحة الكيماوية وقالت مصادر أخرى أن إيران تمتلك 2000 طن من المواد الكيماوية بما في ذلك غاز الأعصاب وتقوم بتخزين تلك الأسلحة في جزر على مدخل الخليج وبالنسبة للأسلحة النووية أكدت بعض التقارير أن إيران تحتاج إلى ما بين 7 ـ 15 سنة للحصول على الأسلحة النووية (أي ما بين 2006 و2014) إلا أن آخرين يشيرون إلى أن حصول إيران على اليورانيوم والبلوتونيوم سواء عن طريق الشراء من خلال طرق أخرى مشروعة أو غير مشروعة سوف يمكنها من الإسراع بصنع الأسلحة النووية. ومما يؤكد سعي إيران نحو امتلاك أسلحة الدمار الشامل هو سعيها الدائم لتطوير برامجها الصاروخية، فكما هو معروف أن العنصر الضروري في هذا المجال هو نظام النقل الذي يوجه الأسلحة إلى أهدافها ويجب أن يكون هذا النظام قادراً على حمل وزن الأسلحة وعلى الوصول إلى الأهداف بالدقة اللازمة، ووفقاً للمؤسسة الدولية للدراسات الاستراتيجية تمتلك إيران أكثر من 400 صاروخ أرض ـ أرض بما في ذلك منصات إطلاق «25 ـ سي ـ إس إس» و 200 صاروخ سكود سي وهذه الصواريخ لها مدى كاف لضرب أهداف في دول الخليج العربية، كما تمتلك إيران صاروخ شهاب-3 وهو صاروخ باليستي متوسط المدى يصل مداه إلى نحو 1300 كيلو متر ويستطيع ضرب أهداف في إسرائيل ومعظم تركيا وهو ما يشكل تهديداً لدول الخليج، كما يقوم الإيرانيون بتطوير صاروخ شهاب«4 (M- الذي يبلغ مداه 2000 كيلو متراً وشهاب 5 بمدى 10000كيلو متر أي أنه سيكون عابراً للقارات، إلى جانب ذلك تهتم إيران أيضاً بصواريخ كروز المجهزة بأنظمة توجيه قادرة على حمل أسلحة دمار شامل، وأخيراً تقدمت إيران خطوة مهمة إلى الأمام في تطوير قدرتها في مجال صواريخ كروز وباتت قادرة على تصنيع صاروخ كروز (سي ـ 208) المضاد للسفن إضافة إلى نسخة صينية من صاروخ اكزوسيت الفرنسي المضاد للسفن أيضاً ولاشك أن هذا الأمر خطير جداً حيث يعني تحقيق سيطرة إيرانية على مضيق هرمز. ولاشك أن إيران ستوظف تعاونها مع روسيا في المضي قدماً في برامج التسلح الخاصة بها وهو ما يعني حدوث خلل في موازين القوى في منطقة الخليج بما يمكن إيران من أن تكون القوة المسيطرة والمهيمنة على المنطقة بل ويجعلها أيضاً متحكمة في بعض المنافذ البحرية الموجودة مثل مضيق هرمز فمثلاً حصول إيران على صواريخ روسية مضادة للسفن من طراز «موسكيت» التي يصل مداها إلى 120 كيلو متراً كفيل بتغير الموازين الجيوسياسية في مضيق هرمز الذي يعبر من خلاله 60% من النفط العالمي، من جهة أخرى فإن إيران ستحصل على صواريخ أرض ـ جو من طراز «تور M-1 » و«أديسا» التي تصنف ضمن الدفاعات غير الاستراتيجية القادرة على تدمير رؤوس صاروخية أثناء توجهها للهدف كما أن صاروخ «تور M-1 » يمكن أن يرصد 48 هدفاً في وقت واحد ويحدد آلياً ترتيب إصابتها بحسب خطورة كل منها وقربه وهو يحتاج بعد رصد الهدف على بعد أربعين كيلو متراً إلى أربع ثوان فقط لإصابته على بُعد 12كيلو متراً وارتفاع 6كيلو مترات. تصاعد التسلح ويرى البعض أن التعاون العسكري الإيراني-الروسي من شأنه أن يزيد من حالة التوتر وتصاعد التسلح على المستوى الإقليمي خاصة في ضوء التنافس بين إيران وتركيا والتوتر مع العراق وما سيخلفه ذلك التعاون من وجود عسكري روسي في إيران الأمر الذي يمكن أن يضطر دول مجلس التعاون إلى الدخول في سباق للتسلح، ولاشك أن الحجم الضخم لصفقة السلاح التي تحدثت عنها المصادر الروسية والتي تحصل عليها إيران ونوعية الأسلحة المطلوبة توحي بأن استراتيجية التسلح الإيرانية تتجاوز احتياجاتها الدفاعية المشروعة إلى ما يشبه مخططاً ينذر بأن يطلق سباق تسلح مكلفاً وخطراً في منطقة لها أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية البالغة. ويرى فريق آخر أن الوجود الروسي في الخليج وتنامي القوة الإيرانية في ظل التعاون الروسي-الإيراني وبما يؤدي إلى المزيد من الوجود الأجنبي في المنطقة من شأنه أن يؤدي إلى تعقد نظريات الأمن القومي الخليجي والعربي لتحل محلها نظرية الأمن الدولي الأمريكي والغربي والتي ستضع مصالحها الاستراتيجية في المرتبة الأولى خاصة أن التعاون في مجال التسلح الصاروخي والأسلحة الإلكترونية سيدعم القدرات التصنيعية العسكرية لإيران وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للمنطقة كلها. وأخيراً فإن التعاون الروسي ـ الإيراني قد يكون له آثار مستقبلية ليس أقلها تحول إيران إلى دولة نووية تحتاج إلى المساعدة التقنية الروسية من أجل تحقيق برنامجها النووي وامتلاك الأسلحة النووية فإيران في حاجة إلى اليورانيوم والبلوتونيوم وهما متواجدان لدى روسيا وقد تدفع الظروف والأوضاع الدولية إلى حصول إيران على هاتين المادتين وعندها ستتمكن من امتلاك القنبلة النووية وما يستتبعه ذلك من مخاطر على أمن الدول الخليجية التي ستجد نفسها في مواجهة دولة نووية أخرى