بيان الاربعاء : بين النتائج التي افرزتها الانتفاضة الفلسطينية، والنتائج التي افرزتها القمة العربية فارق كبير، لكنهما تشتركان في امر واحد هو وضع السلطة الفلسطينية على حافة الانهيار. ورغم ان هناك من يرى ان الانتفاضة قد اعادت القضية الفلسطينية لاطارها الدولي الصحيح بعد ان اخرجتها من اتفاقات اوسلو، الا ان الواقع يفرض علينا وجهة النظر الاخرى التي ترى ان القضية الفلسطينية تندفع إلى زوايا مظلمة وإلى خيارات احلاها مر. كثيرون يلقون باللوم على السلطة الوطنية الفلسطينية التي تعتبر الطرف المفاوض والمخول بالتوقيع على اية اتفاقات مع العدو الصهيوني، وفي بعض ما يلقونه من لوم صحيح إلى حد كبير، فالسلطة فرطت في الاهداف الفلسطينية كثيرا عدا عن كونها لم تفعل شيئا على ارض الواقع الداخلي.. الانقسامات تشل الداخل الفلسطيني والوضع الاقتصادي مترد إلى حدود بعيدة، والفلسطينيون لا يعرفون إلى أين هم سائرون. حتى القيادات الفلسطينية نفسها وفرق التفاوض منقسمة على بعضها، تمر عليها الكثير من القرارات دون ان تعلم بها، وربما تجهل ما وراءها، انها بوادر انهيار واضحة مثلما سماها بعض المحللين. فهل ان السلطة الفلسطينية تنهار فعلا، وما اسباب هذا الانهيار، ما هي الخيارات المطروحة وهل تشكل حلولا ناجعة اما انها عوامل انهيار ايضاً؟ ما هي الاستراتيجية الاسرائيلية التي يعمل وفقها شارون، بل ما هي خيارات شارون نفسه وهل تصمد السلطة الفلسطينية امام شارون والضغوط الأمريكية الجديدة...؟ قبل الدخول في تفاصيل احتمالات انهيار السلطة الفلسطينية ينبغي قراءة نتائج القمة العربية التي تعد بعد كل ما خرج عنها القشة التي قصمت ظهر البعير، والتي ستشكل السبب الرئيسي في تعجيل انهيار السلطة الفلسطينية. فقد خرج المؤتمرون بادانة وليس تكتيكاً وهو ما يجعل الفعل العربي ضعيفاً ازاء التكتيك الاستراتيجي الاسرائيلي ـ الامريكي، حتى مطالبتهم مجلس الامن بتوفير الحماية الدولية كانت مردودة سلفا ومعظمهم يعرفون ذلك ويعرفون انها ردة فعل مهزوم، فالقرارات التي يطالبون بتطبيقها لا تلزم اسرائيل كونها وردت وفق الباب السادس للوائح الامم المتحدة الذي لا يفرض ردعا دوليا ولا يقدمه، وهو ما يجعل اسرائيل تصر على رفضها تطبيق قرارات الشرعية الدولية دون خوف، وهو ما يجعلنا ايضاً نضع امامنا قول شارون: «اسرائيل لا يجب أن تحاسب». اما ما تعلق برفض التوطين فلم يتعد كونه صيغة اعلامية سياسية لامتصاص غضب الشعب العربي اذ ان التوطين حاصل والتعويضات هي ما تم الاتفاق عليه فعلاً. القمة العربية لم تترك اي خيار امام الفلسطينيين سوى الاندفاع إلى حضن المفاوضات ونسيان كل التضحيات التي قدمت، اذ ما الذي يمكن فعله اذا رفضوا جميعا الحرب أو تحدي الاسرائيليين أو حتى تحدي الغرب اذا ما اراد نقل سفاراته للقدس، وهم لم يستطيعوا فعل اي شيء امام تنصل اسرائيل وأمريكا من اتفاقاتهما. ربما يمكن الاشارة إلى الورقة السورية التي قبض عليها الفلسطينيون بشدة وهي بعد لم تتوضح تفاصيلها، لكنها في مجمل القول قد تكون الورقة الفلسطينية الاخيرة ان تم التشبث بها، رغم ما ذكر من توقع نسفها وصعوبة اللقاء الفلسطيني السوري. المهم في الامر ان القمة لم تمنع تداعيات الموقف الفلسطيني أو العربي امام استراتيجية العنف الاسرائيلية المدعومة امريكيا، فهناك مؤشرات فعلية على انهيار السلطة الفلسطينية، وقد تحدثت عن ذلك تقارير ودراسات كثيرة عزتها إلى عوامل داخلية وعوامل خارجية. انهيار السلطة تصاعدت لهجة مشددة ضد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في الفترة الاخيرة وخاصة من قبل الاسرائيليين والامريكيين التي اشارت إلى عدم جدوى وجوده الان بعد اتهامه بايصال التسوية إلى نهايتها وتصعيد العنف الفلسطيني. وفي الواقع ان السلطة الفلسطينية في نظر الكثير من المسئولين، عربا واوروبيين وامريكيين تتجه للانهيار الا ان هؤلاء المسئولين يعزون هذا الانهيار إلى نتائج السياسة الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية، اضافة لسلوك السلطة نفسها. التخوفات من انهيار السلطة تستند إلى جملة مؤشرات منها ما يتعلق بالادارة «الجهاز الاداري للسلطة» ومنها ما يتعلق بالاقتصاد وتداعياته ومنها ما يتعلق بالجوانب الامنية أو الخدمات الصحية والاجتماعية التي يفترض ان تقدمها السلطة، وبشكل اكثر دقة عجز السلطة عن الدفاع عن نفسها أو مواطنيها أو تقديم الخدمات لهم كدولة فعلاً. ورغم ان «الدولة» الفلسطينية ليست دولة في وضعها الحاضر أو لا تملك المقومات الاساسية للدولة مما سنأتي عليه لاحقا، الا انها عوملت كذلك منذ بدء تطبيق ما سمي باتفاقات أوسلو، ولذا جاءت احتمالات انهيارها ـ مهما تعددت اسباب هذا الانهيار ـ ذات وجهين، نفعا لدولة العدو الصهيوني وداعميه الغربيين وبالذات الولايات المتحدة، وضررا على الوجه الاخر للشعب الفلسطيني وللدول العربية. وتحدد دراسات كثيرة الاسباب الرئيسية لانهيار السلطة الفلسطينية والتي وصفت بانها ذات ابعاد متعددة، فمن جانب نجد انها ذات مستويين مستوى داخلي تتوزعه العلاقات الداخلية الفلسطينية وممارسات السلطة في اطارها الذاتي، والمستوى الاخر يتحدد بالعلاقات المحيطة بالسلطة اقليميا ودوليا. وعلى الجانب الاخر تتحدد اسباب ثلاثة اثرت في انهيار السلطة ويمكن احتسابها اسبابا سياسية منها الموقف الاسرائيلي من السلطة، ثم الموقف العربي واخيرا سياسات الولايات المتحدة واوروبا ازاء السلطة الفلسطينية بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام. جملة الاسباب الداخلية كثيرة وتسبب بشكل واضح تداعيات كثيرة وانهيارات في هيكل السلطة و في علاقتها بشعبها حتى باتت الاسئلة تتحدث عن خلفاء للقيادات الفلسطينية وعن قيام الدولة وهل بات حلما محالا. ويمكن حصر الاسباب الداخلية بعوامل تناولتها الدراسات بحثا و منها: ـ مسيرة الفساد المالي والاداري التي كرستها السلطة منذ توليها القيادة عام 1993، فقد اشر تولي اعضاء منظمة التحرير الفلسطينية ممن ايدوا اتفاق اوسلو المناصب الوزارية وسيطرتهم على الموارد المالية والمساعدات التي تحول للسلطة الفلسطينية باسم الدعم للشعب الفلسطيني، ولعل حالة اعتكاف موظفين من الجهاز الاداري والفني وبعض الوزراء واقامة بعضهم خارجا من بين مقدمات الانهيار الحتمي. يؤثر في هذا الجانب ايضا سوء علاقة السلطة مع بقية القوى الفلسطينية أو الشعب الفلسطيني الذي فقد ثقته بالسلطة بعد أن لمس عجزها عن تحسين مستوى حياته يضاف إلى ذلك نقص الموارد وتدهور الامكانيات رغم ان البعض يرى في هذا بعض المبالغة. ـ العامل الداخلي الثاني يشخصه القمع الذي تمارسه اجهزة السلطة الامنية ضد الشعب الفلسطيني، فمنذ توليها الادارة في اطار الحكم الذاتي حولت اجهزتها الامنية إلى أداة قمع وصفها الفلسطينيون انفسهم بانها اداة قمع اسرائيلية، ولم يتقبل الشعب الفلسطيني أو العربي على حد سواء ممارسات الامن السلطوي الفلسطيني، وهو سبب انقساما فلسطينيا داخليا فباتت المعارضة للسلطة اقوى من التأييد لها. ـ العامل الداخلي الثالث يمكن ادراجه تحت عنوان فقدان الثقة في السياسة الخارجية للسلطة الفلسطينية ويتحدد ذلك بالمفاوضات التي تقودها السلطة مع اسرائيل ومسلسل التنازلات، ونجد في الداخل الفلسطيني قناعة تامة بأن هناك تنازلا حقيقيا عن القدس واللاجئين الا في اطار ما طرحته اسرائيل مما سنأتي عليه لاحقا، وهو السبب الذي فجر الانتفاضة الثانية بعد ان قمعت اتفاقات اوسلو الانتفاضة الاولى، ويخطيء من يقول ان الانفاضة الثانية سببها جمود مسارات التفاوض الخاصة بالتسوية. لقد باتت السلطة الفلسطينية محل شك الكثير من الفلسطينيين، وهو شك لم ينشأ فقط عن فشل السلطة بالالتزام بوعودها وعهودها تجاه الشعب الفلسطيني «خاصة بعد ظهور الفساد وسوء استخدام الاموال»، وانما من محادثات لم تسفر سوى عن سقوط ضحايا كثر وفقدان اراض فلسطينية اكثر وفقدان حقوق اكثر. الخارج والسلطة يمثل الخارج بالنسبة للسلطة الفلسطينية علاقاتها باسرائيل والدول العربية والغربية، ولعل اكثر العلاقات الخارجية ضررا بالقضية الفلسطينية ودفعا لانهيار السلطة هي علاقات الاخيرة مع الدول العربية ودعم هذه الدول. ويلاحظ تأثيرات الدعم العربي في انهيار السلطة بأوضح صوره في القمة الاخيرة التي لم تزد عن اصدار عبارات التنديد وتقديم الدعم المالي الذي يعرف الكثيرون انه لن يصل لمعظم الشعب الفلسطيني اضافة إلى دفع السلطة دفعا إلى مفاوضات عقيمة واتفاقات اعلن موتها منذ زمن. وابرز ما يجسد هذه السياسة العربية غياب دعم سياسي فعال لمواجهة الضغوط الامريكية والاسرائيلية وفي مواجهة نتائج سياسة اسرائيل الدموية سواء في توجهها نحو ضرب السلطة الفلسطينية ودفعها للانهيار أو بالسعي لتدمير الواقع الفلسطيني كله. ويشخص الباحثون مؤشرات غياب الدعم السياسي العربي للسلطة الفلسطينية في: ـ عدم اتخاذ اجراءات فعالة ضد سياسة اسرائيل من خلال العلاقة مع الدول ومع المنظمات الدولية. ـ لم تتحرك الدول العربية بشكل جدي وفعال لوقف سياسة اسرائيل العدوانية وفضلت البقاء على محيط المناشدة لوقف السياسة الاسرائيلية والادانة. ـ بلغ غياب الدعم العربي للسلطة والفلسطينيين حده الاعلى في رفض استخدام النفط كسلاح وتردد البعض في تفعيل المقاطعة الاقتصادية بحجة اتفاقيات السلام المعقودة مع اسرائيل رغم ان اسرائيل لم تحترم هذه الاتفاقيات ولم يصب الاطراف العربية المتفق معها سوى الاذى بسبب هذه الاتفاقات. والاسباب الخارجية الاخرى التي اثرت بشكل مباشر في احتمالات انهيار السلطة الاكيدة هو تبني الولايات المتحدة الامريكية موقف اسرائيل والضغط على الاطراف العربية والفلسطينية في تقديم التنازلات المطلوبة ووقف الانتفاضة. ورغم مواقف بعض الاطراف الاوروبية محدودة الاثر في دعم الموقف الفلسطيني، الا ان هذه المواقف يحكمها تخوفها من الموقف الامريكي الاسرائيلي وعدم استعدادها للانفصال عنه والدخول في مجابهة معه.اما الجانب الاسرائيلي، فهو المستفيد عمليا من انهيار السلطة رغم انه العامل الرئيسي لهذا الانهيار، فالتشدد والتطرف الاسرائيليان اللذان مثلتهما الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة مضافا اليه الدعم القوي الذي توفره الادارة الامريكية وسياستها تجعل من اسرائيل المستفيد الاكبر من انهيار السلطة، رغم وجود رأي يقول ان الطرف الاسرائيلي متخوف من هذا الانهيار فالسلطة الحالية توفر له كسبا اكبر. لم يتوقف الاسرائيليون عن حدود التطرف بل تعدى ذلك إلى حملة اعلامية دعائية سياسية عملت على مستويين: ـ الاول عزز صورة الاسرائيلي الضحية الذي لا يملك سوى ان يدافع عن نفسه امام الارهاب الفلسطيني، مقرونا بممارسة ضغوط الاوروبيين من الحصول على الدعم الكافي للاهداف الاسرائيلية في التوسع، ونسف اطار اوسلو التي ارغمت على قبوله اسرائيل وفي استخدام القوة المفرطة. ـ اما الثاني فعمد إلى كشف اوراق كثيرة من الاتفاقات المعقودة من بينها الرسائل الامريكية ـ الاسرائيلية المتبادلة والامريكية الفلسطينية المتبادلة، اضافة إلى الكشف عن الكثير من البنود والاتفاقات السرية مع الفلسطينيين من اجل ارباك الصورة والفعل الفلسطيني وتحجيم الدعم العربي، رغم ان الدعم العربي محدود اصلا بفعل الضغوط الامريكية والمصالح العربية نفسها. ومن بين ما تم كشفه مما خفي على الكثيرين أو مما تجاهله الاعلام العربي حقيقة الحكم الذاتي وحدوده، وتشير وثائق فلسطينية نشرت بعد تسريبها من هنا وهناك، وهي بعد هذا لم تعد سرا، ان: ـ 40% من الضفة وغزة يقع تحت سيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية وهي لا تضم منطقة واحدة، لكنها تضم مناطق متفرقة متبعثرة. ـ ان هذه المناطق المتناثرة تعاني، اضافة لذلك، تقسيمات اخرى احدتثها اليد الاسرائيلية من خلال الطرق الممهدة للجيش الاسرائيلي التي تكتظ بالمستوطنات وتحاط بالابراج والقلاع الشاهقة من جانب وبالاعلام الاسرائيلية والاسلاك الشائكة من جانب اخر. ـ ان الفلسطينيين يعون ويدركون اكثر من اي شعب اخر ان اعلان الدولة ليس قرارا مجردا بل هو امر اكبر من ذلك وهو امر صعب التحقق ان لم يكن مستحيلا وسط هذه الظروف المحيطة، رغم انهم مضطرون لاعلان هذه الدولة بسبب حالة اليأس والاحباط التي يعيشونها. ـ ان الكثير من الفلسطينيين في الداخل والخارج الفلسطيني فقدوا ثقتهم بما يدور حولهم من محادثات التسوية ومن نوايا اسرائيل تجاه انهاء الصراع، وهم يدركون كل رسالة تبعثها السلطة لاسرائيل وبالعكس، ويرى المراقبون ان الاثار المتوقعة على الجانب الفلسطيني نتيجة ذلك ستكون ان السلطة الفلسطينية ستجد نفسها في وضع لا يتم فيه الاكتراث بقراراتها سواء من قبل اسرائيل ام المجتمع الدولي أم من قبل الفلسطينيين انفسهم. وفقدان الثقة في السلطة الفلسطينية تكرسها اسرائيل ودول الغرب واعلامهما فنجد على سبيل المثال لا الحصر الكاتب البريطاني باتريك سيل يقول في احدى مقالاته: «ان الزعيم الفلسطيني فقد مصداقيته لدى شعبه، وان قيادة التنظيم تحبذ التحرك المباشر ضد الاسرائيليين بدلا من تكتيكات عرفات التفاوضية». كان هذا نموذجا من التكتيك الاعلامي والسياسي الذي يشنه الغرب واسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب، والذي من ضمنه طرح فكرة البحث عن بديل لعرفات أو فكرة، «ان تمردا على قيادة الرئيس الفلسطيني قد بات على الابواب خصوصا عندما يكون ذلك قادما من المساحات الاكثر تشددا في التنظيم».وبالطبع فان قيادة المنظمة وبالتالي قيادة السلطة تهم الاسرائيليين مثلما تهم الفلسطينيين ولكن كل بهدف مختلف، فالاسرائيليون يريدون شخصا يثقون به مثلما وثقوا بعرفات ان كان لابد من ازاحة عرفات، رغم انهم لن يجدوا اكثر منه لينا، كما يريدون من يوقع الاتفاق النهائي معهم ومن يمنح هذا الاتفاق الشرعية السياسية والشعبية، ولعل في قول «باراك» مؤشرا مهما على ذلك عندما قال: «اما ان يصحو عرفات أو يستبدل في يوم من الايام وذلك بامكاننا»، في اشارة إلى ان بديل عرفات سيكون «صديقا طيبا لاسرائيل». عكفت اسرائيل اضافة لكل ما تقدم على تهشيم صورة المناضل الفلسطيني وكشف الحقيقة، رغم بشاعتها، لكنها تبقى امرا نسبيا قياسا بالواقع، فنجد ان المحللين السياسيين في اسرائيل يرفضون وجهة النظر الاسرائيلية التي تقول ان انهيار السلطة واستبدال عرفات يخدم اسرائيل، فنجد مثلا عكيفا الدار مراسل صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية يقول: «ان عرفات ليس زبونا بسيطا، بل هو الشريك الوحيد الموجود، واستبداله هو عودة خاطئة إلى خليط من حرب الميليشيات على نمط الجزائر في المناطق، وعلى نمط الحرب الاهلية في البوسنة داخل الخط الاخضر، خاصة بوجود شارون، وعندما يحصل ذلك سيكون اليمين واليسار محقين معا ولكن طوال الطريق إلى المقابر». ومثله يذهب محلل اخر في «يديعوت احرونوت» فيقول: «ان عرفات ليس مجرد رقم، انه رمز يعمل في الواقع المتقلب»، وفي مكان اخر يأتي رأي اخر يقول: «حتى في انتفاضة الاقصى، كان عرفات هو العنوان الملائم لمسيرة المصالحة مع اسرائيل، اما الانتفاضة فقد جاءت لتلقي عليه ضوءا مغايرا، لقد تحول من ذخر للمسيرة السلمية إلى عبء عليها». وينبغي هنا ان نفصل بين شخصية المناضل ابوعمار وبين موقعه السياسي اليوم في خضم كل التفاعلات السياسية والظروف المحيطة داخليا وخارجيا، فالرجل ذو تاريخ نضالي مشهود، لكن مسيرة التسوية القت عليه ظلالا كثيرة من الشك وتشتتت الاراء حوله مدافعة ومناهضة، حتى باتت الحقيقة ضائعة في بحر الافرازات والكشف المضطرم. ويكفي ان نقرأ التهديدات الاسرائيلية له ثم المدح المخلوط باللؤم اليهودي لنفهم انه من الصعب تصور قناعة اسرائيلية جديدة بشأن الرئيس الفلسطيني وضرورته للتوقيع على الاتفاق النهائي، ويمكن ادراج التهديدات التي اطلقها الاسرائيليون ضده في اطار الضغط النفسي لاستعجاله الاتفاق النهائي، مثلما هي رسالة للقيادات الفلسطينية في السلطة حول خلافة ابوعمار ومضمونها ان الرأى الاسرائيلي في البديل ربما اهم من الرأي الفلسطيني. قيام الدولة في هذا العرض الموجز للظروف المحيطة بالسلطة الفلسطينية واحتمالات انهيارها واسباب هذا الانهيار، يأتي موضوع قيام الدولة الفلسطينية وهل هو ممكن وفق كل هذه الاطر. وبشكل عام يطرح الدارسون والمحللون آراء مختلفة حول قيام هذه الدولة سواء من ناحية الضرورة أو من ناحية الامكانية، فالضرورة مقصود بها احراج الطرف الاسرائيلي من اجل حسم قضايا معلقة منذ اكثر من عقد من السنين، واصحاب هذا الرأي يذهبون إلى ان تأجيل اعلانها هو الذي يسبب مأزق المفاوضات أو يزيد احتمالات الخسارة. اما الامكانية فهي حديث الواقعيين الذين ينظرون للارض الفلسطينية ولمقومات قيام الدولة، فالسلطة الفلسطينية أو الحكم الذاتي الفلسطيني لا يملك المقومات الاساسية للدولة مثل: الاقتصاد، النظام السياسي، المقدرة الامنية، والسيادة على الارض، ولهذا لا يمكن القول انها دولة بشكلها الحاضر أو انها يمكن ان تصبح دولة ضمن النظام المحدد باتفاقات اوسلو والترتيبات النابعة عنها، «حتى لو اعترفت بها اسرائيل والولايات المتحدة وبعض جزر الباسيفيك». ويمكن تأشير ثلاثة شروط اساسية لقيام دولة فلسطينية حقيقية اجمع عليها الباحثون والمحللون والسياسيون على حد سواء هي: ـ الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي المحتلة. ـ ازالة المستوطنات اليهودية من الاراضي الفلسطينية. ـ السيطرة الفلسطينية على المعابر الحدودية مع الاردن ومصر وعلى موانئها البحرية والجوية. وما عدا ذلك يدخل في اطار المقومات الذاتية مثل الكفاءات البشرية والقدرات المالية والدستور الذي يضمن اقامة دولة ديمقراطية حديثة، وبناء البنية التحتية والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، يضاف اليها توظيف الامكانات القادرة على التخطيط لرسم استراتيجية فلسطينية وغير ذلك. وبشكل عملي وواقعي لا يمكن قيام دولة فلسطينية على الخريطة التي عليها الوضع الفلسطيني اليوم، فالمستوطنات تحيط بالضفة والقطاع وتشتتهما صانعة كانتونات معزولة لا يربطها شيء والممرات بين هذه الكانتونات غير متوفرة الا عبر اسرائيل وهو لا يتيح لأية دولة ممارسة سلطاتها واستقلاليتها على ارضها وممارسة السيادة على الارض كما ان الفلسطينيين لا يستطيعون اقامة جيش خاص ولا السيطرة على المعابر مع الاردن أو مصر كما لا يمكن للفلسطينيين السيطرة على منافذهم البحرية والجوية وهكذا فقد خلق لهم بيان مسلوب السيادة بالكامل خاضعا وتابعا للسيادة والاشراف الاسرائيليين. وهكذا نجد ان السلطة بين خيارات صعبة اقلها خطرا برنامج المصالحة واخطرها على الاطلاق اعادة الاحتلال فمستقبلها مرهون بذلك خاصة بعد فشل المحاولات لتوفير حماية دولية للفلسطينيين وتنصل الامريكيين والاسرائيليين معا من الاتفاقات السابقة. المأزق الفلسطيني ليس أقل شأنا من المأزق الصهيوني، لكن الفلسطينيين أضعف من الطرف الاخر، فلا سلاح ولا دعم عسكري أو لوجيستي، لا منافذ تكسر الحصار الخانق، حتى الاتفاقات والقرارات الدولية لم تضمن لهم السلامة الامنية فكلها ذهبت هباء مع رياح التغيير التي يقودها شارون وبوش