عندما جاءت الشرطة، أخيراً، لاعتقال سلوبودان ميلوسيفيتش من منزله في بلجراد مؤخراً، كان الحدث صورة مصغرة عن السيرة المهنية للرجل القوي في صربيا. وبدأ الامر بتهديدات متبجحة اطلقها من قبيل: «لن اخرج حياً» سرعان ما قادت الى تبادل لاطلاق النار وبعض الاخطاء الخرقاء من جانب خصومه (وفي هذه الحالة، حكومته، المدفوعة من العالم الغربي) وفترة من المفاوضات المحمومة التي انتهت بالاذلال والمهانة لنفسه وللمحيطين به ولعائلته وحراسه الشخصيين. وعلى الرغم من ان الفصل الأخير من هذه الدراما فيه عنصر من السخرية، الا أن فصولها الاولى لها عواقب فاجعة على الملايين من البشر، فبصفته المدافع عن الصرب خلال العقد الذي أعقب تفكك يوغسلافيا الشيوعية، فان ميلوسيفيتش اشعل لهيب الحرب في كرواتيا والبوسنة وكوسوفو ـ بعواقب مرعبة على المدى القصير بالنسبة لغير الصرب، وفي النهاية، بعد فترة من الحرب والتفاوض، بنتائج كارثية على شعبه. وعلى المدى القريب، فان الطاغية السابق قد يتهم فقط باساءة استغلال السلطة والفساد. ويجري التحقيق معه أيضا ًحول بعض الحوادث الغامضة التي حدثت على المسرح السياسي في بلجراد خلال العامين الماضيين مثل اختفاء رئيس سابق واغتيال رئيس تحرير احدى الصحف ومحاولات لقتل زعيم معارض. ويبدو من المحتمل على نحو متزايد انه قد يواجه، ان عاجلا ام آجلا، تهماً اوسع تتعلق بجرائم ارتكبت ضد الانسانية في محكمة جرائم الحرب في لاهاي. وفي استئنافه على احتجازه، زعم ميلوسيفيتش ان الجزء الأكبر من الاموال المفقودة ذهب لشراء اسلحة وذخيرة للجيوش الصربية الكرواتية والصربية البوسنية، وهو اعتراف أثلج صدور المحققين في محكمة لاهاي، المتحمسين لادانته بجرائم ارتكبت في هاتين الجمهوريتين. ومع الأخذ بعين الاعتبار سجله الفظيع، يتساءل المرء كيف تحمله الناس كل هذه الفترة الطويلة؟ وعندما تم اعتقاله، مؤخراً، تظاهر مئتا شخص فقط، معظمهم من كبار السن دعماً له، ولكن حتى سبتمبر الماضي، كان لايزال هناك 1.9 مليون شخص، أو 40% من الناخبين على استعداد للتصويت له. وفي اوساط الصرب ممن عارضوه على الدوام، هنالك اعتقاد بأن الطاغية، مهما كان ملوما، فقد كان مفيدا للناس الآخرين ايضا. فخلال الحرب البوسنية، كان قادراً على التحوّل من شخص مثير للحرب إلى وسيط للسلام لاغنى عنه، وهو تحوّل تقبلته الحكومات الغربية بصدر رحب وخاض حرباً ضد رفيق دربه القومي، الرئيس الراحل فرانجو تودجمان من كرواتيا، ثم تآمر معه في مسعى يهدف الى تفكيك البوسنة، وفي كوسوفو، وهو إقليم صربي يشكل فيه الالبان اغلبية، رأى الداعون للاستقلال بوضوح ان سمعة ميلوسيفيتش الوحشية عملت لمصلحتهم التكتيكية، وكان وجود قيادة اكثر اعتدالاً في بلجراد من شأنه ان يقوّض قضيتهم. لكن ميلوسيفيتش أفلت بفعلته تقريباً لانه ابتكر وجسد نظام حكم كان بنظر ممارسيه، استجابة منطقية لحالة الاضطراب التي اعقبت انهيار النظام الشيوعي. اما في اجزاء اخرى من وسط وشرق أوروبا، وكذلك في العواصم الغربية، جلب سقوط الآيديولوجية الماركسية ـ اللينينية دفقة من التفاؤل. وبدا ان نهاية الحرب الباردة تنبيء بنظام اوروبي جديد، لا مجال فيه للحرب وحيث التنمية الاقتصادية وحكم القانون والديمقراطية تعزز بعضها بعضاً في حلقة فاضلة بشكل مثالي. لقد سبق ان تم تضمين هذه المباديء في مستند هيليسنكي النهائي لعام 1975، الذي وافقت فيه حكومات شرقي وغربي اوروبا، بمباركة من امريكا وكندا، على احترام حدود بعضها البعض والقبول باعتبار حقوق الانسان قضية دولية. ومع انهيار الكتلة السوفييتية، بدا من الممكن ان يتم ترسيخ مثل هيليسنكي عمليا ونظريا. وبدا ان رغبة الدول الشيوعية السابقة بالانضمام الى نوادي النخبة الغربية، مثل الناتو والاتحاد الاوروبي ستوفر فرصة مثالية للعالم الغربي كي يؤثر على سلوكياتها، وما لم تحل مشكلاتها الداخلية والخارجية بالطرق السلمية وبما يتناسب مع القانون الدولي، فيمكنها ان تنسى امر الجلوس على مائدة النخبة. وبعد هذه الآمال العراض، اثارت عودة ظهور مشاعر القومية العنيفة في البلقان دهشة العديد من القادة الغربيين وتحدث بيل كلينتون بالنيابة عنهم قائلا: «كيف يمكن لاناس عاشوا معا بسلام لفترة طويلة ان ينقلبوا فجأة على بعضهم البعض بمشاعر من الكراهية؟ وفي الواقع ان التنوع في السياسة العرقية في فترة ما بعد الشيوعية، الذي اشتهر من خلال ميلوسيفيتش لكنها مورست ايضا بدرجات متفاوتة من قبل الكروات ومسلمي البوسنة ووسطاء السلطة في الأقلية العرقية الالبانية، هو سلالة معينة من الفيروس القومي. وقد ظهر هذا الفيروس في اماكن عديدة، حيث انهار النظام الماركسي بشعاراته الطنانة الداعية للاتحاد والاخوة على نحو مفاجيء. وفي يوغسلافيا السابقة، كما هو الحال في القوقاز، وجد العديد من القادة الشيوعيين السابقين ان اثارة المشاعر العرقية يوفر وسيلة سهلة لابقاء قبضتهم على الحياة الاقتصادية والسياسية. وفي نهاية المطاف، عندما تكون امة ما أو جماعة عرقية «تصارع من اجل البقاء»، بالمعنى الحرفي او المجازي للكلمة، فان قادتها يمكنهم ان يقمعوا المعارضة وان يهملوا الدعوات المنادية باقتصاد ومجمع اكثر انفتاحا. وعندما تصل اللغة الخطابية القومية الى نتيجتها المنطقية في الحرب، تهجير جماعي وفصل عرقي يفرض بعنف فان هذا التكتيك ينجح بشكل افضل. ولايكتفي القادة السياسيون بتعاونهم الوثيق مع المجرمين ودعاة الحرب باحكام سيطرتهم على الاقتصاد المدني، بل يلجأون أيضاً الى التكسب من الابتزاز وكسر العقوبات والنهب. وعلاوة على ذلك، فان القومية الاجرامية في احد طرفي الصراع تتسبب في حدوث ظاهرة مماثلة على الطرف الآخر، ويظهر «حزب حرب» قوي لديه مصلحة في تخريب أي محاولة لصنع السلام. وراء الاعتقال المبهرج لميلوسيفيتش، كان العالم الغربي يحقق بعض الانتصارات التكتيكية، خاصة في بعض اجزاء البوسنة التي غابت عن العناوين الرئيسية للاخبار. وبسبب الرعب الذي تحملته، والذي تمثل في حرب استمرت ثلاثة اعوام وشردت مليوني شخص او نصف السكان وحصدت ارواح 100 الف شخص او يزيد، وبسبب الطموحات الكبيرة لاتفاقية دايتون للسلام الموقعة عام 1995، فان البوسنة تعتبر نوعا من الاختبار للسياسة الدولية في البلقان. وعلى الرغم من ان السياسة العليا للبوسنة لاتزال في حالة من الفوضى المريعة، الا ان هناك علامات محلية على انه من الممكن، في النهاية، تجميع الدول والمجتمعات المتعددة الاعراق معا من جديد بعد ان كانت ممزقة بفعل الحرب. عن «ايكونوميست»