كل شيء يهون في سبيل الجيش لأن نقوده لا بديل لها ، باول: لم يؤرقني ضميري لحظة على احراق قرى فيتنام هذه السيرة الذاتية التي كتبها صاحبها الجنرال كولن باول، بمعاونة من جوزيف برسيكو، تتناول حياته منذ مولده في حي هارلم لأبوين مهاجرين من جمايكا حتى صار صبياً يلعب في أزقة الحي الزنجي الشهير، ثم ضابطاً محارباً، الى ان اصبح مستشاراً للرئيس الامريكي لشئون الأمن القومي، فرئيساً لهيئة الأركان المشتركة. هذه السيرة اذن ـ كما تقول مقدمة الكتاب ـ هي قصة ولد أسود نشأ في جنوب حي برونكس بنيويورك لاسرة مهاجرة، لا تراوده احلام مبكرة، ولا يحمل صباه اي وعود تشير الى الحظ السعيد الذي حمله فيما بعد الى أعلى المناصب وآخرها، منصبه الحالي كوزير لخارجية الولايات المتحدة الامريكية. وفي هذه القصة الطويلة لا تعنينا كثيراً تفاصيل طفولة باول ولا حياته في الجندية واشتراكه في شبابه في حرب فيتنام، غير ان تلك السنوات تحمل مؤشرات عديدة، تعنينا في هذا العرض باعتبارها مفاتيح لشخصية ذلك الرجل. من ذلك مثلاً انه كان في طفولته مغرما بتدمير الطائرات الورقية التي كان الأطفال الآخرون من ابناء الجيران يطيرونها، فقد كان يضع علب المشروبات في الطريق لكي تهشمها عجلات السيارات ثم يقوم مع رفاقه بجمع قطع الزجاج المتناثرة ويثبتها على خيوط طائرته الورقية ويثبت قطعة حادة على ذيل الطائرة، ثم يطلقها لتعترض طائرات الأطفال الآخرين، تؤدي قطع الزجاج وقطعة المعدن الحادة على الذيل الى قطع خيوطها، فتتساقط الطائرات الورقية وتتحطم على الأرض. وذات يوم عندما كان في الرابعة عشرة من عمره توطدت علاقته برجل يهودي، يدعى جاي سيكسر، وكان يملك محلاً في الحي لملابس وألعاب الأطفال وكان هذا الرجل قد اسند الى باول بعض الأعمال لتفريغ البضائع من الشاحنات ونقلها الى داخل المحل قبل اعياد الميلاد، بل بضعة دولارات، ويقول الجنرال في سيرته الذاتية: «منذ ذلك اليوم نشأ ارتباط بيني وبين سيسكر استمر طوال ايام شبابي» ويذكر صاحب السيرة الذاتية ان معظم عملاء المحل كانوا من اليهود وبعد فترة من الزمن بدأ يتعلم لغة اليديش «وهي لغة يهود شرق اوروبا». القوانين المجنونة من الطبيعي ان تشغل حياة باول العسكرية صفحات عديدة من الكتاب الذي تناقشه هنا، وبعيداً عن تفاصيل فنية عديدة في تلك الاجزاء التي تتعرض لدراسة العسكرية متعددة الجوانب، ينبغي ان نلقي نظرة على بعض المؤشرات التي ساهمت في تكوين شخصيته القتالية، ففي مدرسة المشاة مثلاً يتعلم ان مهمة رجل المشاة هي ان «يلتحم بالعدو ويدمره» وان عليه الا يطرح اية اسئلة وان يكون كلامه واضحاً بلا غموض ولا مناطق رمادية. ويقول باول عن دورته التدريبية تلك «ان على ضابط المشاة ان يذهب تواً الى المعركة مظهراً الشجاعة والتصمم والقوة والكفاءة، وكان علينا ان نقتحم الجحيم اذا كان ذلك ضرورياً». وفي تلك المرحلة من عمره يحس الضابط الاسود الشاب كولن باول بعبء التفرقة العنصرية في امريكا وذلك اثناء تلقيه التدريب العسكري في جبال شمال جورجيا، ويذكر انه كان يدفع به الى الانغماس في احوال الجنوب القديم كلما ترك موقعه في الجيش، فقد كان باستطاعته ان يذهب الى كولومبيا في ولاية جورجيا ويشتري اي شيء يريده ما دام يحاول ان يتناول الطعام هناك. ويقول باول: «كان باستطاعتي ان اذهب الى احد المحلات التجارية الكبرى فيأخذون نقودي على الا احاول استخدام غرفة الرجال ربما كان يقصد غرفة قياس الملابس، وكنت استطيع ان اتمشى في الشارع ما دمت لا احاول النظر الى امرأة بيضاء». ويضيف: «بينما كنا نتدرب في جبال شمال جورجيا، كانت كنيسة السود الوحيدة تقع بعيداً نوعاً ما في بلدة جينسفيل واردت ان اذهب اليها لاحضر قداس الاحد وزودني الجيش بسيارة نقل وسائقاً ابيض برتبة عريف لكي يقوم بتوصيلي وكنت انشد التراتيل واتمايل مع بقية طائفة المعمدانيين وفي يوم الاحد التالي قال لي العريف انه حرم من حضور القداس في كنيسته بسبب انشغاله بتوصيلي، وتساءل عما اذا كان يجوز له ان ينضم الي في كنيسة السود لو اراد وكان القسيس رجلاً عطوفاً وقال انه يسعده جداً ان يحضر العريف مع رعيته غير ان وجوده في كنيسة للسود قد لا يسر البيض من اهل المنطقة وربما كان من الحكمة ان ينتظر في السيارة». ويقول باول: «وهكذا كانت تقتحم حياتي الحقيقة التي كان ابي والكولونيل بروكهارت قد حذراني منها، والتي كنت اريد ان اتجاهلها، وهذه الحقيقة هي تلك القوانين المجنونة التي تجعل من الخطأ ان يجلس رجلان معاً في بيت الله، او ان يتقاسما الطعام في احد المطاعم، أو ان يستخدما الحمام نفسه». ويمضي باول في حديثه قائلاً ان التفرقة العنصرية كانت نسبياً امراً جديداً عليه، وكان عليه ان يجد وسيلة لكي يتوافق معها ولذلك فقد اخذ في البداية في تحديد اولوياته، وقرر ان على رأسها ان يحقق النجاح في مهمته في الجيش ولذلك فإنه لن يستسلم لمشاعر الغضب المدمرة لنفسه مهما كانت الاستفزازات التي يتعرض لها، ولذا يقول: «اذا كان الجنوب يصر على العيش وفق قواعد حمقاء فإن علي ان ألعب بالأوراق التي في يدي في ذلك الوقت، واذا حصر نشاطي في نهاية طرف من أطراف ارض الملعب، فسوف اصبح نجما في ذلك الطرف، ولن اسمح لشيء خارج موقع عملي، او الاهانات، او المظالم، ان تعوق ادائي لهذا العمل لن اترك نفسي لتصبح مشلولة عاطفياً، لأنني لم استطع اللعب على كل ساحة الملعب ولم اكن اشعر بالدونية ولم يكن في نيتي ان اسمح لأي شخص بأن يجعلني اعتقد ذلك، او لآرائه بأن تصبح هي آرائي في نفسي ولم تكن العنصرية مشكلة السود وحدهم، بل كانت مشكلة امريكا كلها، والى ان تستطيع البلاد حلها فلن ادع التعصب الأعمى يجعل مني واحداً من ضحاياه بدلاً من ان اكون انساناً كاملاً. كنت من وقت لآخر اشعر بالاهانة وبالغضب ولكنني كنت اشعر بالتحدي معظم الوقت وكنت اردد: «سوف اريكم». عشق المؤسسة العسكرية في مرحلة اخرى من عمره كلف كولن باول بقيادة كتيبة قتالية تابعة للفرقة المدرعة الثالثة في ألمانيا الغربية والحرب الباردة مستعرة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي وكان موقع الكتيبة في بلدة جلينهاوزن على بعد 25 ميلاً شرق مدينة فرانكفورت، وثلاثة واربعين ميلاً شرقاً حيث المنطقة السوفييتية ويقر باول بأن الامريكيين حشدوا اسلحة نووية في المانيا الغربية آنذاك، كما يقول ان القوات الجوية والبحرية الامريكية كانت لديها اسلحة نووية وكذلك الجيش الامريكي ويذكر ان فرقته كانت مزودة بمدفع نووي عيار 280 ملليمتراً محمولاً على جرار مزدوج وقد حاول الروس معرفة مواقع هذه المدافع النووية حتى يستطيعوا تدميرها اذا قاموا بالهجوم ونتيجة لذلك كانت تلك المدافع محاطة بحراسة من جنود المشاة بينما تقوم الجرارات بسحبها حول غابات ألمانيا تضليلاً للسوفييت. كانت مهمة الجيش الأساسية وجود عناصره على مايسمى خط مشروع الدفاع العام، وهذا الخط يقطع البلاد من الشمال الى الجنوب عبر ما يعرف بثغرة فولدا، وهي فجوة في جبال فوجلسبرج يمتد خلالها الستار الحديدي. وكانت مهمة كل قطعة في المدفعية وكل رشاش وبندقية وقاذفة هاون وكل سلاح مضاد للدبابات في فرقتنا، هي ضرب الروس في اللحظة التي يندفعون فيها من خلال تلك الثغرة وكانت كتيبتي تقوم بحراسة جزء صغير من الستار الحديدي، لماذا يحتمل ان يجيء الروس؟ لم اكن اعرف الاجابة ويضيف ان الاجابة كانت فوق مستواه آنذاك. ويتضح من حديث باول في كتابه عن فترة الجندية وتقلبه اثناء حياته العسكرية وخدمته في مناطق عديدة، مدى عشقه للجندية ولكنه في صفحات اخرى يسرد مبررات عملية لتمسكه بتلك الحياة العسكرية الشاقة فيقول مثلاً: «بحلول صيف عام 1961 كان المفروض ان اترك الجيش حيث كنت قد أكملت سنوات الخدمة الاجبارية الثلاث، ولكن فكرة ترك الجيش لم تخطر على بالي ابداً لقد كنت شاباً اسود، لا يعرف شيئاً في الحياة غير الجندية، فماذا كنت افعل لو تركت الجيش؟ هل اعمل مع ابي في ضاحية صناعة الملابس؟ وهل كنت اذهب ـ كدارس للجيولوجيا ـ الى اوكلاهوما لحفر الآبار بحثاً عن النفط؟ كانت البلاد تمر بفترة كساد، وكنت على وشك ان اقبض راتباً يبلغ 360 دولاراً في الشهر وهو ما يعني مبلغاً سنوياً جيداً يبلغ 4320 دولاراً وكانت مهنتي تتيح لي الترقي الى ابعد ما تستطيعه موهبتي وباعتباري زنجياً لم يكن اي مكان آخر في المجتمع الامريكي ليقدم لي فرصة افضل، فضلاً عن انني لم اكن مهتماً بأي عمل آخر غير العمل في الجيش الذي كنت اعشقه». لقد كان هناك دائماً تضارب في موقف الامريكيين الأفارقة من الخدمة العسكرية، فقد كان بعضهم يتساءلون: لماذا يجب ان نقاتل دفاعاً عن بلد لم يقاتل من اجلنا زمناً طويلاً، من اجل بلد انكر في الواقع حقوقنا الأساسية؟ كيف نخدم بلداً لا نستطيع فيه ان نتلقى الخدمة في مطعم او ان نستمتع فيه بأسباب الراحة العادية المتاحة للامريكيين البيض؟ ومع ذلك وسواء كان هناك تقدير او ازدراء، ترحيب او تسامح، فقد خدم مئات الآلاف من الامريكيين الافارقة تلك البلاد منذ بداية نشأتها ففي ماساتشوستس حيث كنت اخدم آنذاك، كان السود ـ احراراً او عبيداً ـ يتم ادخالهم في الميليشيا منذ زمن قديم يعود الى عام 1652 واثناء الثورة الامريكية خدم خمسة آلاف زنجي تحت قيادة الجنرال واشنطن، وساعدوا البلاد على الحصول على استقلالها، الذي لم يتمتعوا به هم انفسهم واثناء الحرب الاهلية خدم نحو 220 الف زنجي في صفوف الاتحاديين ومات منهم 37500 شخص وتحرر السود من العبودية ولكنهم ظلوا يعانون من التعصب الأعمى، ومن ظهور عصابات كوكلوكس كلان، والاعدامات غير القانونية. وبعد الحرب الاهلية وافق الكونجرس على انشاء اربع فرق من الملونين وهي فرقتا المشاة رقم 24 و25، وفرقتا الفرسان رقم 9 و10، واصبح جنودها يعرفون باسم «جنود البافالو» كما اسماهم الهنود الحمر وفقاً لاسطورة بسبب بشرتهم السوداء، وشعرهم المفتول، ومعاطفهم المصنوعة من جلد الجاموس، وشجاعتهم القتالية ولم يكن انشاء هذه الفرق الاربع عائداً الى التسامح العرقي، بل كان يعود فقط الى رغبة واشنطن في حماية المستوطنين البيض من الهنود الحمر بعد ان تم استيطان الغرب الامريكي وكان على «جنود البافالو» مساعدة المستوطنين البيض على حماية الاستيلاء على الأراضي التي كان اغلب السود ممنوعين من تملكها. واذا تفقدت لوحات تيدي روزفلت ولوحة الفرسان الذين هاجموا منطقة سان خوان هيل في الحرب الاسبانية الامريكية فلن تجد لقطة واحدة لوجه زنجي واحد. ومع ذلك ربما تكون الكاميرا قد سجلت لقطات لبعضهم لسبب واحد هو وجودهم هناك امام الكاميرا وقد نال سبعة من هؤلاء الجنود وسام الشرف في كوبا، وخدم نحو مليون من السود في القوات المسلحة في الحرب العالمية الثانية واثبت بعضهم مثل طياري المقاتلات السود الاوائل انه ليست هناك اية مهمة تستعصي على مهارة الرجال السود وشجاعتهم. ومع ذلك عاد الجنود السود الى الوطن عام 1945 في الجنوب ليتم عزلهم، وليدخل السود مدارس وكليات لا تتكافأ مع مدارس وكليات البيض، وليعانوا من مستقبل خال من فرص العمل، وليتعرضوا لاخضاعهم لقيود مهنية مثل الحمامات المنفصلة وحنفيات المياه المخصصة للملونين غير ان التعصب العنصري في باقي انحاء البلاد كان اقل حدة. رسالة من «بومبنجهام» يطرح الجنرال الاسود سؤالاً مهماً عندما يصل الى هذه الحالة المحزنة: لماذا.. ورغم كل ذلك.. لبى السود نداء الوطن دائماً؟ ويجيب عن سؤاله بالقول انهم فعلوا ذلك لكي يمارسوا حقوقهم كمواطنين في الجانب الوحيد المسموح لهم فيه بذلك لقد فعلوا ذلك اعتقادا منهم بأنهم اذا اظهروا شجاعة مماثلة وتضحية مماثلة في القتال والموت من اجل وطنهم، فإن المساواة في الفرص سوف تتبع ذلك حتما وعلى سبيل المثال وعد الجنرال اندرو جاكسون السود الذين قاتلوا تحت امرته بمنحهم اراضي وخاصة اولئك الذين خاضوا معه معركة نيو أورليانز، وقد قاتلوا ومات بعضهم ولكن عندما توقف القتال وزال الخطر لم يحصلوا على شيء وظل الحال كذلك حتى يوم 26 يوليو 1948 عندما وقع الرئيس الامريكي هاري ترومان الامر التنفيذي الذي ينهي التمييز العنصري في القوات المسلحة، فإذا كان مسموحاً للجنود الامريكيين السود بأن يموتوا فداء وطنهم فيجب في النهاية السماح لهم بأن يخدموا في الجندية على قدم المساواة مع البيض ويقول باول انه انضم الى الجيش بعد عشر سنوات فقط من نقطة التحول التاريخية تلك. ومع ذلك يقول باول عند حديثه عن اشتراكه في حرب فيتنام ان زوجته ألما لم تقل له شيئاً في رسائلها عن الموقف بالنسبة للتفرقة العنصرية اعتقاداً منها بأن لديه ما يكفي من المتاعب في ميدان القتال، ولكن صحيفة «بتسبرج كورير» الاسبوعية الخاصة بالسود صنفت مدينة برمنجهام بأنها «أسوأ مدينة كبيرة في الولايات المتحدة». ويقول باول: «بينما كنت في فيتنام وقع 18 حادث تفجير قنابل في مناطق السود في برمنجهام، وقد اطلق السود على المدينة اسما مشتقاً من كلمة قنبلة بالانجليزية في المقطع الاول من اسم المدينة وهو Bombingham وبينما كنت اقاتل قوات الفييتكونج اعتقل الدكتور مارتن لوثر كينج لانه قاد مسيرة احتجاج في قاعة المدينة في برمنجهام وبعد ذلك نشر وثيقة يهز فيها ضمير امريكا في رسالته الشهيرة «رسالة من سجن برمنجهام» وبينما كنت اذرع وادي شاو في فيتنام لقتال الشيوعيين كان حماي في امريكا يجلس مستيقظاً طوال الليل وبين فخذيه بندقية استعداداً للدفاع عن بيته ضد هجمات مواطنيه الامريكيين اصحاب اللون المختلف، ولم اعلم آنذاك ابداً ان اهلنا اتصلوا بزوجتي ألما هاتفياً لكي يتوسلوا اليها ان تترك برمنجهام وقد تسربت الينا اخبار قليلة ونحن في وادي شاو وارادت ألما برسائلها الي ان تشد من ازري لا ان تثير قلقي بالمتاعب التي تواجهها. في فيتنام ما دمنا قد وصلنا مع المؤلف الى فيتنام فإننا نجد في الجزء الثاني من الكتاب انه يتحدث عما كانوا يفعلونه بالقرى الفيتنامية يقول كولن باول: في يوم 18 فبراير وصلنا الى قرية مهجورة، وهرب اهلها عند اقترابنا منها فيما عدا امرأة عجوزا حال ضعفها دون هربها، وقمنا باحراق الاكواخ المسقوفة بالقش، واحتفظنا بجزء من المحصول الزراعي لأنفسنا وفي مناسبات لاحقة اصبحت عملية التدمير اكثر تطوراً اذ كانت طائرات الهليكوبتر تحضر لنا براميل عبوتها 55 جالونا من المواد الكيماوية مبيدة للزراعة، وكنا نفرغ بعضها في رشاشات يبدو شكلها كطفايات الحريق وبعد دقائق من عملية رش المزروعات بها تبدو النباتات وقد تحولت الى اللون البني واصبحت ذابلة». ويتساءل باول: «لماذا كنا نحرق البيوت وندمر المحاصيل الزراعية؟» ويجيب في محاولة لتبرير تلك الجرائم بقوله: «لقد قال هوتشي منه ان الشعب هو مثل البحر الذي يعيش فيه الفدائيون وكانت مشكلتنا هي التمييز بين السمك الصديق واسماك الفييتكونج السابحة في ذلك البحر، وقد حاولنا حل المشكلة بأن نجعل البحر غير صالح للسكنى وبمنطق الحرب القاسي ما الفرق بين ان تطلق النار على عدوك او ان تميته جوعاً؟ اما بالنسبة للفلاحين المساكين الذين احرقت بيوتهم ومحاصيلهم فقد اضطروا الى الاعتماد على الفيتناميين الجنوبيين للحصول على الطعام وكانت استراتيجيتنا هي ان نكسب قلوبهم وعقولهم بدفعهم الى الاعتماد على الحكومة وانا واثق من ان هؤلاء الناس اهل الجبال كانوا يتمنون لو أنهم لم يعرفوا جيش جمهورية فيتنام او الفييتكونج او الامريكيين. ثم يكشف المؤلف عن حقيقة شعوره آنذاك فيقول: «مهما كانت عمليات تدمير البيوت والمحاصيل مما تقشعر لها الأبدان عند قراءتها على الورق البارد، الا انني وانا ضابط شاب كنت مبرمجاً كي اؤمن بحكمة رؤسائي ولكي اطيع اوامرهم ولا يؤرقني ضميري على ذلك». والجنرال كولن باول الى جانب ذلك يصر في نهاية الفصل الرابع من سيرته الذاتية على انه ما زال مقتنعاً بأن مساعدة حكومة فيتنام الجنوبية كان امراً صحيحاً ويردد المبدأ المكيافيلي ولكن بألفاظه هو اذ يقول: «لقد كانت الغايات مبررة بالرغم من خطأ الوسائل».