منذ عقدين من الزمن اتخذت القيادة السياسية قرارا يقضي بتخديم مناطق المخالفات الجماعية التي تحيط بالمدن وبشكل خاص مدينة دمشق التي تصل نسبة السكان في تلك المناطق الى 35% من عدد سكان المحافظة وعبر العقدين، الماضيين تحققت العديد من الخدمات بما في ذلك تأمين شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء وتعبيد الشوارع وتزويدها بالمدارس وربما بالمراكز الصحية لكن المشكلة ان البلديات لم تسطع منع التوسع الافقي والشاقولي في تلك المناطق لان المخططات التنظيمية لم تصدر في ذلك الحين اضافة الى تراخي البلديات في قمع تلك المخالفات سواء لمراعاة وضع اصحاب الدخل المحدود الذين لا يستطيعون شراء مساكن نظامية او لان البلديات كانت مستفيدة من سكوتها على المخالفات وفي السنوات العشر الماضية حاولت وزارة الاسكان والمرافق ان تصدر المخططات التنظيمية لكن تجمعات السكن العشوائي في المحافظات اخذت بعين الاعتبار واقعها الراهن والمحافظة على الاراضي التي بقيت خالية من الاشغالات لاستخدامها كأماكن لبناء المرافق العامة والحدائق والمدارس لكن تغاضي البلديات عن قمع المخالفات سهل للسكان ايضا ان يتابعوا مخالفاتهم ويشغلوا تلك المساحات التي كانت دون بناء وتحولت المناطق المخالفة الى مناطق سكنية مزدحمة ذات شوارع ضيقة تفتقر للارصفة ولاي نوع من انواع النباتات او الى المناطق فقيرة بالمسطحات الخضراء والحدائق. وامام هذا التزايد السكاني الكبير لتلك التجمعات تراجعت الخدمات فيها لان تصنيف معظم تلك البلديات بقيت من الدرجة الرابعة مع ان سكان معظمها يتراوح بين 60 الى 200 الف نسمة وهذا العدد من السكان يجعل من الضرورة بمكان ان تصبح تلك البلديات من الدرجة الاولى لان تعديل التصنيف يضاعف لها المبالغ المقدمة من الادارة المحلية كما يتيح لها خلق مواضع ضريبية جديدة تؤمن لها السيولة المالية الكافية لتطوير خدماتها وبما يتناسب مع عدد السكان لهذا كله فان الاسراع باصدار المخططات التنظيمية وتعديل تصنيف البلديات التي تخدمها ووقف توسعها العمودي والشاقولي لم يعد ضرورة سكانية وبيئية فحسب وانما ضرورة انسانية تكمن في تجاوز التأثيرات السلبية لهذا الواقع السكني على حياة السكان ومستقبل اولادهم وعلى علاقاتهم الاجتماعية ويمكن ان نذكر في هذا المجال التأثيرات السلبية التالية: تأثيرها على التعليم لقد عملت وزارة التربية على نشر التعليم وافتتاح المدارس بمختلف مراحلها في جميع التجمعات السكانية لكن هذه المدارس في مناطق السكن العشوائي مثل (عش الورود ، بستان الدور، الحجر الاسود، المخيم، التضامن، مزة 86، دف الشوك) تكاد تفتقر في اغلبيتها للباحات المناسبة والاماكن التي تتيح للطلاب ممارسة الانشطة اللاصفية او ممارسة الانشطة ودروس الرياضة وحتى لقضاء فترة الاستراحة بشكل سليم لان اكتظاظ الطلاب في الباحة يعوق تحركهم ونشاطهم باعتبار ان تلك الابنية شيدت في مساحات ضيقة اصلا كأمر واقع وهذا ما يحرم الطالب او التلميذ من تفريغ طاقته الحركية في الباحة كما انه لا يستطيع تفريغها بعد الدوام لعدم توفر الملاعب الرياضية او الاماكن المأمونة لممارسة الانشطة الرياضية او حتى الحركية في تلك المناطق وهذا ما يضع الاهل امام حلين: الاول: يتمثل بالضغط على الابناء وابقائهم في المنزل مع كبح نشاطاتهم الحركية. الثاني: يتمثل في افساح المجال لهم بالنزول الى الشارع وقضاء بعض الوقت بكل ما يرافق ذلك من اخطار التعرف على رفاق السوء او التعرض لحوادث المرور نتيجة لضيق الشوارع وافتقارها للارصفة والباحات التي تتناسب وتحقيق هذه الغاية. الرياضة والثقافة وتزداد المشكلة مع نمو الاطفال ودخولهم مرحلة المراهقة التي تتطلب اهتماما اكبر بهواياتهم الثقافية الرياضية التي يمكن ان تسهم في تحقيق التوازن الجدي والفكري للمراهق ويتعرض طلاب المرحلة الثانوية الى كثير من المشكلات الناجمة عن ممارسة حقهم الطبيعي في لعب نوع من انواع الرياضة وبشكل خاص كرة القدم التي تستهوي الغالبية العظمى منهم فنجعلهم يلعبون في الشوارع الضيقة وتتحول رياضتهم الى شرارة تشعل العديد من المشاجرات والمشاحنات مع المارة او الجوار عندما تصطدم الكرة باحد المارة وبزجاج منزلهم او سيارة او اصطدامها بالغسيل المنشور على الشرفات او بسبب الضجيج الذي يحدثه اللاعبون ومع تكرار الحوادث يتحول ابناء تلك الاحياء الى مشاكسين يدافعون عن حقوق طبيعية لم يستطع المجتمع تأمينها اما الهوايات المتعلقة بالرسم والموسيقا والغناء فهي معدومة تقريبا لانعدام المراكز الملائمة لاقامة الدورات التي تنمي هذه الميول والاهتمامات. في مجال الصحة وما قلناه عن تأمين المدارس يمكن ان ينسحب على مجال الصحة على الرغم من بناء العديد من المراكز الصحية في التجمعات السكنية المخالفة وتزايد عدد الاطباء والصيدليات وعيادات الاطباء واطباء الاسنان فان ذلك لم يرق بالمستوى الصحي للسكان الى درجة تتوازى فيه مع المناطق «غير المخالفة» وذلك لامور تتعلق بالمساكن وافتقار معظمها للشروط الصحية من حيث دخول اشعة الشمس او التهوية الجيدة او الضجيج والدخان والغبار الذي يتصاعد من الورش الصناعية والحرف التي تعشعش في اقبية الابنية السكنية والطوابق الارضية «الحدادة والنجارة واصلاح السيارات والتريكو» وما تتركه من اثار سلبية على صحة السكان. ان عرضنا لهذه المشكلات التي تترك بصماتها على سكان الاحياء المخالفة ليس لاحباط همة السكان او همة البلديات المكلفة بالتخديم وانما لتحفيز الجهات المعنية على اتخاذ مجموعة من الاجراءات والقرارات تحسن من ذلك الواقع يمكن ان نذكر منها: وقف البناء نهائيا في تلك التجمعات والعمل على عدم توسعها افقيا وشاقوليا واستملاك المساحات والساحات المتبقية لتكون متنفسا للسكان او لتشييد المباني الخدمية ودعم البلديات للنهوض بمستوى النظافة وتعبيد الشوارع واقامة الارصفة والاطاريف وكذلك استملاك بعض المساحات المحيطة بتلك التجمعات لاقامة النوادي والحدائق والمدارس. دراسة وضع الورش والمنشآت الصناعية «المخالفة او المرخصة» والعمل على نقلها الى خارج التجمعات بعد تشييد مناطق صناعية ملائمة لها.