بيوت صنعاء القديمة... تتمتع بمزايا معمارية فريدة، فأجزاؤها الداخلية تظل صورة طبق الأصل للبناء القديم والتاريخي من قاعدة البيت الى قمته، ابتداء من الباب الخارجي مروراً بالديوان وانتهاء بالمطبخ والتنور. وللحفاظ على هذا الطابع البديع، منعت الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية السكن من أي استحداث يضر بالبناء القديم، معلنة استعدادها الدائم في ترميم وإصلاح ما خربه الدهر..! انطباعات زائر الانطباع الأول ـ وربما الرئيسي ـ الذي يخرج به الضيف وهو يزور صديقاً له أو بعض أصدقائه في صنعاء القديمة، ذلك الطابع المعماري الأصيل للمنازل والترتيب والتنسيق البديع والمحافظ لمكونات المنازل الداخلية من حيث تقسيم الغرف وانتشار الزينة وشكل الأبواب والنوافذ والمطابخ الى المكونات الأساسية التي تكاد تكون واحدة في كافة منازل صنعاء القديمة، فالضيف أو الزائر يشعر بمدى اهتمام وعناية سكان المدينة القديمة بجوانب الزينة والتحف والمزاهر والمباخر والمدايع وإبقائهم للمطبخ القديم المعتمد على التنور ومخزن الحبوب. فإن سكان صنعاء يعتنون بزينة البيت الداخلية، حيث يوضع الساكن مزهرية من الورد الطبيعي في كل جزء داخل منزله، وعلى النوافذ وبجانب الأبواب الداخلية، وبجانب المزهرية النحاسية المكللة بالورود تضع «المرشات» الخاصة بماء الورد المحبوب والمرغوب لسكان اليمن وكذلك المباخر التي تستعمل لإحراق العود الطيب والبخور وذلك لإعطاء البيت رائحة جميلة، وتعتني المرأة في صنعاء القديمة بتلميع كافة المقتنايت المصنوعة من النحاس من مزاهر ومباخر ومدائع وكذلك تعليق الصور الفوتوغرافية لعائد حرب الأسرة والجد والأبناء، وألواح كتب عليها بعض آيات من القرآن الكريم وبخط جميل وبديع على جدران غرف الاستقبال وديوان المنزل. ويوضع وسط كل غرفة صحن مصنوع من النحاس يتوسطه مداعة أو مدائع لزوم الكيف، فيما تفرض الغرف بالسجاد الجميل وخصوصاً في بيوت أهل الغنى والثروة والجاه وبالسجاد المتواضع بالنسبة لبيوت محدودي الدخل والغلابة، وتوضع أيضاً الوسائد على جدران الغرق وفوق كل وسادة يضع ما يسمى بـ «بنت الوسادة» وهي من القماش الملون البديع ثم «المداكي» للاتكاء عليها اثناء تناول ومضغ «القات» وتوجد في معظم الغرف خزانة، اما داخل الجدار أو في أحدث زوايا الغرفة، وتحفظ فيها الأوراق المهمة والوثائق المهمة و تسمى «البصائر» وفصول قسمة الورثة وغير ذلك مثل الحلي والنقود، وتكون الخزانة الأولى ـ داخل الجدار ـ كبيرة ومرتفعة حتى لا يطالها الأولاد الصغار وتحفظ فيها اشياء كثيرة وبابها واسع يتسع لدخول الشخص البالغ والكبير، اما الخزانة الاخيرة ـ في الزوايا ـ فهي صغيرة لا يتجاوز طولها 25 سنتيمترا، ولكل خزانة مغلقة خاصة بها وتوضع فيها النقود وما خف وزنه وغلى ثمنه. ملاحظات باحث أما أبواب الغرف وخصوصاً الدواوين و«المناظر» ـ الدور الأخير للمنزل ـ وكذلك «المفارج» فإن عملية نجارتها معمولة في غاية الدقة والجمال، فالباب مزيناً بأشكال مختلفة من الأعمال الخشبية والنحاسية الفنية. أما النوافذ فهي مصنوعة من الأخشاب المصقولة والزجاج الأبيض والعاكسة حيث ان نوافذ «المفارج» معمولة من الداخل من الزجاج والخارج من الخشب ويفضل معظم سكان صنعاء القديمة وكذلك بقية المدن اليمنية حالياً النوافذ الزجاجية المغطاة بالستائر البيضاء... ومن حيث أشكال العقود التي توجد فوق النوافذ فهي عبارة عن ألواح من «القمري» الملون الذي يعطي ضوءاً كافياً ويمنع دخول أشعة الشمس الحارقة في فصل الصيف. أما بخصوص المطاحن، يوضح الباحث زيد علي عنان انه كان يوجد في معظم البيوت الكبيرة عدة مطاحن للحبوب في اسفل البيت تسمى «طبقة المطاحن» وفي البيوت المتوسطة والصغيرة يوجد مطحن واحد، وقد اختفت معظم هذه المطاحن لوجود الطواحين الآلية ـ تعمل بواسطة الديزل، ويوجد في كل بيت من بيوت صنعاء القديمة مخزون خاص لحفظ الحبوب من بُر وشعير وذرة، وتتميز هذه المخازن بوجود فتحات صغيرة للتهوية ويدخر الحبوب فيها لسنة كاملة. وأما المطابخ، فتكون عادة في أعلى طبقة في البيت لعدم تسرب الدخان الى البيت وله نافذة تسمى «السية» ـ مدخنة ـ ظاهرة، وفي بعض البيوت الكبيرة يكون المطبخ في أي دور طبقة شرط أن تكون له مدخنة منفردة ومحكمة يصعد منها الدخان الى أعلى البيت ولا يتسرب الى داخله، كما يوجد في كل بيت تنور واحد أو اثنان بالنسبة للبيوت المتوسطة والفقيرة، أما بالنسبة للبيوت الكبيرة فتوجد فيها من ثلاثة الى خمسة تناوير. تعليمات مهمة إن هذا الطابع الداخلي المميز لبيوت صنعاء القديمة التاريخية، دفع الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية الى تبني كافة الاصلاحات والترميمات الداخلية والخارجية وتشديد الرقابة على أي استحداثات تضر بهذا الطابع قد يلجأ إليها السكان في أي وقت من الأوقات، فالهيئة بحكم مسئوليتها مكلفة ـ على سبيل المثال ـ في إصلاح أي شرخ أو تهدم جدار أو مطبخ أو باب، كما منعت السكان من تغيير أي معلم قديم خارجي أو داخلي وإشعارها بأي طاريء يمس طابع البناء والتقسيم الداخلي للبيوت لتتولى هي معالجته وفقاً لخبرتها وكفاءة عامليها، وتسعى الهيئة بذلك الى الحفاظ على الطابع المعماري البديع الذي تتميز به منازل صنعاء القديمة التاريخية.