شلومو بن عامي وزير خارجية دولة الاحتلال في حكومة ايهود باراك المطاحة بضربة الانتخابات القاضية أمام ارييل شارون يهرب من فشله وحكومته تلك الى تحميل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مسئولية فشل مفاوضات «كامب ديفيد 2» ويروي في مذكرات حول هذه المفاوضات وجهة نظره الحانقة على عرفات وبشكل منحاز تماماً يجدر الاطلاع عليه. لكنه ورغم هذا الانحياز الواضح في مذكراته التي نشرتها أمس صحيفة «معاريف» العبرية ونعرضها اليوم لا يقوى على اخفاء رفض باراك لقمة حاسمة مع عرفات بحضور الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون لاتخاذ القرارات المصيرية والحاسمة. ـ يوم الأربعاء الثاني عشر من يوليو اليوم التالي للافتتاح الرسمي طرحت امكانية قيام الامريكيين في هذه المرحلة باعداد ورقة جسر تقدم للطرفين، مادلين أولبرايت تقول لي شيئاً يشبه ما قاله لي ساندي بيرجر في الصباح: عندما سنقدم ورقتنا سيكرهنا الطرفان. في آخر المطاف تراجع الامريكيون عن ورقة الجسر، وفي اليوم نفسه في الساعة الحادية عشرة التقيت مع عرفات، عرفات فاجأني عندما حدثني انه يمد الشيخ رائد صلاح أحد قادة الحركة الاسلامية في اسرائيل بالأموال، تحدثنا عن عملية السلام، قلت له انه ان انهارت العملية فان الانهيار لن يمس بنا نحن وانما سيضر ضرراً فادحاً بمكانة الفلسطينيين في الولايات المتحدة. عرفات عاد وسأل عن سبب موافقتنا على مطلب الدول العربية بالعودة لحدود 1967 ومعارضتنا لنفس المطلب من قبل الفلسطينيين. ـ يوم الخميس الثالث عشر من يوليو قلت لايهود باراك ان حقيقة قبول الامريكيين للمرة الأولى لمبدأ بقاء (80%) من المستوطنين تحت السيادة الاسرائيلية يعتبر انعطافة تاريخية في موقفهم، إذ كانوا يقولون دائماً ان المستوطنات غير شرعية وانها عقبة في طريق السلام. قلت ان هذا المؤتمر سيدخل للتاريخ باعتباره تضمن انعطافة في مجال اضفاء الشرعية على المستوطنات والقدس اليهودية كعاصمة لاسرائيل. هاتان قيمتان لايستطيع احد ان ينتزعهما منا، النتيجة ستكون قبول الأسرة الدولية وليس أمريكا وحدها ذلك للمرة الأولى وسترى بذلك انجازات لكامب ديفيد. المغزى هو ان الولايات المتحدة تقبل ايضا الاحياء اليهودية في شرقي القدس، بما فيها معاليه ادوميم كجزء من عاصمة اسرائيل، سيكون بالامكان اعتبار ذلك ثروة من ثروات القمة ومن الأيام الأوائل. في اليوم نفسه التقيت بكلينتون على انفراد، اللقاء جرى في غرفته واستغرق (45) دقيقة، النقاش دار حول ورقة الجسر الأمريكية التي سحبوها لان الطرفين تجادلا حولها، قدمت ملاحظاتي على هذه الورقة واكدت له ان هناك ثلاثة أمور تعتبر مفتاح اتمام الصفقة من وجهة نظرنا: 80% من المستوطنين تحت السيادة الاسرائيلية، القدس يهودية والأكبر في تاريخ الشعب اليهودي ورفض حق العودة (هذه المبادئ الثلاثة حددت في آخر المطاف في اقتراحات كلينتون). كلينتون ابدى ملاحظة بأن استيعاب هذا العدد من المستوطنين سيلزم اسرائيل بضم 6 ـ 8% من الأرض والأقرب هو 8%. قلت له ان أبو العلاء قد وافق على ضم (4%) من الأرض من قبل أن نصل الى كامب ديفيد، وقمت برسم تصميم القدس للرئيس وأكدت مبدأ توسيع القدس اليهودية. كلينتون قال لي انه غضب جداً على الفلسطينيين الذين لا يأتون باقتراحات جوهرية وكل ما يفعلونه هو الاصغاء كل الوقت، الرئيس طلب منهم أن يتزحزحوا للأمام. أنا وصفت له معضلة القائد الاسرائيلي الذي يضطر في القضية الفلسطينية دائماً أن يواجه شعباً منقسماً ومشرذماً ويضطر لأن يصبح قائد اليسار، في آخر المحادثة أقلني كلينتون في تراكتوره الصغير الى مأدبة العشاء. في نفس الليلة التقينا أنا وآمنون شاحاك ومحمد رشيد (مستشار عرفات الاقتصادي) ومحمد دحلان، الاثنان ادعيا أمامنا ان كل القيادة القديمة تتراجع وتهرب من المسئولية، هذه القيادة انشأت مزاجاً لا مبالياً وخوفاً عقلياً من المسئولية، الاثنان تركانا نفهم انهما وحدهما المستعدين للقفز للمياه الباردة والعمل قبالتنا وقبالة عرفات، أي: محاولة التأثير عليه. ـ يوم الجمعة الرابع عشر من يوليو: في الساعة السابعة مساء جرى لقاء بوجود كلينتون وتواجدت أنا وشاحاك وشلومو يناي، اما عن الفلسطينيين فكان أبو العلاء وحسن عصفور ومحمد دحلان، ومن الجانب الأمريكي دنيس روس وساندي بيرجر وغيرهما. أنا قمت بطرح الموقف الاسرائيلي، في مقطع معين هاجم ساندي بيرجر الفلسطينيين غير المستعدين للعمل حسب طلب الرئيس وانشاء ديناميكية تفاوضية، في أقوالي قلت شيئاً مثل: لقد اقترحنا عليكم عرضاً اقليمياً بامكانكم ألا تقبلوه، ولكن يجب أن نحصل منكم على اقتراح مقابل منظم، ونحن لا نستطيع الاستجابة لمطلب حدود 1967 والتحدث بعد ذلك، وماذا سيحدث ان وافقنا على مبدأ ولكن لم نتوصل للاتفاق؟ الأمر الوحيد الذي سيبقى هو انكم فزتم بالمبدأ أما نحن فنبقى بدون اتفاق، لذلك أرفض قبول مبدأ حدود 1967، قلت ذلك بوجود الرئيس. كلينتون قال انه يقبل موقفنا في قضية الحدود ورفضنا قبول مبدأ العودة لحدو 1967، وذكر إلى أي حد تختلف قضية المستوطنات هنا عن هضبة الجولان وأكد أهمية ادخال 80% من المستوطنين تحت السيادة الاسرائيلية. ـ السبت الخامس عشر من يوليو لقاء صباحي عند باراك، تواجد مريدور وكل الطاقم، انا أقول له: الأمر لايمكن أن يستمر هكذا، لقد آن الآوان لتحويل هذه القمة الى قمة قادة، عليك أن تحدد مبادئك، لنفسك أن تمسك الثور من قرونه وان تحاول الوصول الى اتفاق مع ياسر عرفات ومع كلينتون، لم تكن هناك حاجة للسفر حتى كامب ديفيد من أجل اجراء لقاءات عمل مع الطواقم، هنا يجب أن يلتقي القادة. اضفت اننا سنضطر للتوصل لهذا الاتفاق مثل الاتفاقيات مع الدول العربية على أساس مصالحنا الأكثر نووية، ان نحددها ونقاتل من أجلها، في مثل هذا الاتفاق عندما تختلط مسائل التاريخ والاحباطات المتراكمة وحركة السكان لن يكون بالامكان التوصل الى اتفاق على أساس نوع معين من التعويض الأخلاقي. علينا أن نبدأ في البحث عن قيم عليا بديلة لتلك التي خضعنا لها حتى الآن، وان نعيد تحديد الصهيونية من جديد، أهملنا النقب والجليل، علينا ان نبدأ في النظر لهذه الاتجاهات كبديل للمثل السامية التي طورناها منذ 1967، أنا لا اعتقد ان شيئاً ما سيخرج من هذه القمة ان لم تبدأ أنت وعرفات وكلينتون في الالتقاء بشكل منظم. في نفس اليوم جرى لقاء عمل للطواقم التفاوضية، انا مع الطاقم الاسرائيلي وابو العلاء مع الفلسطينيين، فجأة دخل كلينتون مع اولبرايت وروس وساندي بيرجر، انا قمت بطرح مواقفنا والخرائط.. الخ وبعدي تحث ابو العلاء في مصطلحات مطلقة: حدود 1967 الشرعية الدولية.. الخ. «كلينتون جلس قبالتي وفجأة بدأت الاحظ كيف يتحول هذا الرجل الاشقر الى احمر اللون شيئا فشيئا، وعندما تهجم ابو العلاء بشكل مهين جدا وصرخ عليه: سيدي هنا ليس مجلس الامن، وليس الجمعية العمومية، اذا كنت تريد اذهب لالقاء محاضرة هناك، ولاتهدر وقتي فأنا، ايضا اخاطر بالكثير هنا. من تلك اللحظة اتخذ ابو العلاء لنفسه موقعا عدائيا وبعيدا في القمة. كلينتون طرح باقواله المعضلة المركزية لهذه المفاوضات هل ينوي تطبيق قرارات الامم المتحدة كما يفهمها الفلسطينيون ام ان الامر عبارة عن مفاوضات، هذا لب المسألة كلينتون اتهم الفلسطينيين بأنهم لاينفذون الوعد الذي حصل عليه من عرفات بالامس «المقصود ان يقدم الفلسطينيون اقتراحات عملية» وقال ان القمة تعني التحدث من خلال نوايا صادقة وانتم الفلسطينيون لم تأتوا للقمة مع نوايا صادقة، ونهض مغادرة الغرفة ووجهه متجهم. في نفس الليلة ابان مأدبة العشاء اوقفني كلينتون للحظة، وقال: لقد افسدت عليكم لقاءكم؟ فقلت له: لا بأس فهذه معالجة ضرورية بالصدمة. في احدى الليالي فرض علي كلينتون وعلى دحلان وصائب عريقات ان نجري نوعا من لعبة المناظرة، هذه كانت امسية انشأنا فيها ديناميكية جديدة كليا، انا كنت خلاقا جدا وهذا الامر نفس الضغوط والمسئولية عنا، وبدأ ضغط كبير من كلينتون على عرفات اثر هذه اللعبة، الامريكيون بدورهم اثنوا على ادائي، وفي مرحلة معينة تحدث صائب عريقات وقال في السياق ان الفلسطينيين سيطلبون تعويضا عن سنوات الاحتلال الاسرائيلي، فانفجر الامريكيون تماما عندما سمعوا بذلك. يوم الاحد السادس عشر من يوليو قلت لباراك اننا قمنا بخطوة هامة من الناحية التكتيكية، ورفعنا عنا طوق الضغط، المطالب الان موجهة لعرفات، ساندي بيرجر قال انه جرى لقاء صعب بين كلينتون وعرفات وقال له: عليك ان تأتي الي مع الردود حتى الساعة التاسعة ليلا، وهكذا نشأ وضع ضروري وهام جدا بالنسبة لنا من الناحية التكتيكية. كلينتون ركله تماما، هذا ما قاله لي موظفو الرئيس، وعندئذ في لقائي وجلعاد شير مع كلينتون واتباعه في ساعات الظهيرة قال لي الرئيس: لقد حدثت هنا اخيرا حركة حقيقية، وكرر ان من المهم الوصول الى 80% من المستوطنين تحت السيادة الاسرائيلية والقدس يهودية كبيرة تحت السيادة الاسرائيلية. ساندي قال لي في اليوم التالي ان عرفات ضغط جدا وانه يشعر بنفسه بعد محادثة مع الرئيس انه على شفا الهاوية، لذلك احضر الان اقتراحات مقابلة قد تشكل حسب رأي بيرجر اساسا لحل كل المسائل. بن عامي يقول انها كانت المرة الاولى التي وافق فيها عرفات على ضم كتل استيطانية لاسرائيل بنسبة تصل الى 8% وفي قضية مبادلة الاراضي قال لكلينتون: انت الذي ستقرر ياسيدي الرئيس الا ان عرفات ارسل لكلينتون في وقت لاحق رسالة وتراجع فيها عن موافقته. في احد الايام اسجل لنفسي: فضيحة في الجانب الفلسطيني، ابو مازن علم بأن دحلان سيقدم لعرفات اقتراح دنيس روس بأن يحصل الفلسطينيون على الوصاية فقط وليس السيادة في الحرم لابداء رأيه فيه، ابو مازن هاجم دحلان: هل ستقترح الوصاية على الحرم؟ يوم الاربعاء التاسع عشر من يوليو عشية سفر الرئيس لليابان سجلت لنفسي: الرئيس يرى الاتفاق وحزين لانه لايجد الحل، الرئيس توقف بجانبي في غرفة الطعام وسألني: ماذا عليّ ان افعل؟ اقترح عليّ قلت له: رتب جلسة ثلاثية. فقال لي ان باراك طلب منه الالتقاء مع عرفات وانه ينوي القيام بذلك. الرئيس قال لي: باراك قائد شجاع وجريء، قلت له: اذا لم نتوصل للاتفاق فان النتيجة ستكون حسب رأيي انتخابات في اسرائيل او حكومة وحدة وطنية، فأجابني عندئذ، هذه مسألة فظيعة، فهذا يعني اننا نتوجه نحو الحرب. «في نفس الليلة قمنا بالترتيب للعودة الى البلاد، كان هناك شعور بأن كل شيء انتهى، وعندها قال لنا احد مساعديه، لاتحزموا بعد الا انني قمت باعداد الحقائب رغم ذلك. بين الاثنين والثلاثاء 24 ـ 25 يوليو الليلة الماضية محادثة ليلية مع كلينتون بمشاركة الطواقم من التاسعة حتى الواحدة فجرا، كلينتون سألني قبل اللقاء «الذي افترض به ان يقوم عريقات باحضار ردود على اقتراحات كلينتون» ان كنت انوي طرح تقسيم البلدة القديمة لحيين تحت السيادة الاسرائيلية، واثنين تحت السيادة الفلسطينية في اللقاء فقلت له ان الفكرة سحبت ولم تعد مطروحة. عندما تحدثت عن «قداسة» جبل الهيكل رد الرئيس بانفعال كبير: ليس كل اليهود في العالم فقط يؤمنون بذلك، وانما اغلبية المسيحيين ايضا. «جورج تنت «رئيس السي.اي.ايه» خرج لاقناع عرفات بقبول اقتراحات كلينتون انا قلت لعريقات بوجد الرئيس: انتم اربعة ملايين مسلم فلسطيني في نهاية المطاف، وتقامرون بتمثيل مليار مسلم في الحرم، اقتراحات الرئيس هي فرصة تاريخية وانتم تعودون وتفوتوها، وافقت قائلا ان عرفات وضع المسألة الاسلامية نصب عينيه بدلا من المسألة الوطنية الفلسطينية. «قضيتكم الوطنية تتحول الى رهينة للاسلام وانتم ستدفعون ثمنا فادحا لذلك».