غياب الأيديولجيا، مع نهاية الحرب الباردة، لا يلغي حمى التعصب، ولكنه ينقلها من الرأس إلى القدمين. الحرب في أوروبا قائمة اليوم على «قدم وساق» ـ بالمعنى الحرفي للكلمة ـ بين أغنى رجلين في فرنسا هما فرانسوا بينول وبيرنار أرنول، وساحتها ليس أوروبا وحدها بل العالم على امتداده، وفرسانها لا يحتاجون إلى تعريف: جوشي، مويه، إيف سان لوران وكريستيان ديور وآخرون. أما أكثر جبهاتها سخونة فهي الأحذية الرجالية، بالمعنى الحرفي للكلمة أيضاً. من الصين إلى بوكاسا لماذا هذه الحرب؟ السؤال يعيدنا في آن واحد إلى الماضي وإلى المستقبل، فالحذاء في ذاكرة الشعوب مثقل بالمعاني، فالحذاء الصيني مثلاً الذي كانت تنتعله الفتيات للحفاظ على أقدامهن صغير بات رمزاً للسجون الاجتماعية وللسياسات ذات البعد الواحد، ولأي سلوك يحاول إعاقة التطور الطبيعي للناس والشعوب. أما الحذاء الأشهر في الذاكرة الشعبية فهو حذاء سندريللا الفتاة الفقيرة المضطهدة والأميرة التي كشفت فردة حذائها الضائعة للأمير عن شخصيتها الحقيقية فتزوجها. وفي التاريخ المعاصر فإن أحذية ايميليدا ماركوس، زوجة رئيس الفلبين الأسبق، كانت تجسيداً حياً للفساد، الذي صار أكثر شهرة من أية عملية سرقة وهدر للمال العام ارتكبها زوجها الديكتاتور خلال فترة حكمه، وباتت تلك الأحذية، بعد أن تنافست شبكات التلفزيون على تصويرها، جزءاً من تاريخ الفلبين. أما أغلى حذاء في العالم فقد كان من نصيب ديكتاتور جمهورية أفريقيا الوسطى الامبراطور بوكاسا الذي دفع مبلغ 85 ألف دولار ثمناً للحذاء الذي انتعله في احتفال تتويجه في العام 1977. التصويت بالقدمين والعلاقة بين الحذاء والسياسة ليست جديدة، فالبريطانيون ومنذ مئات الأعوام اخترعوا عبارة «التصويت بالقدمين»، وأصل العبارة أن الفلاح البريطاني، ومعه الأوروبي، كان عندما يستولي على السلطة أمير أو اقطاعي ظالم، يصنع حذاء غليظاً، ويهجر بيته أو حقله ويلتحق بأمير أو اقطاعي آخر، بحثاً عن الأمن والأمان. وهو ما يختصره أهل الخليج بكلمة «المرافجة». وفي المجال السياسي أيضاً فإن الفنان الشهير ناجي العلي، ومثله حالياً الفنان علي فرزات، استخدما الحذاء العسكري كرمز للقمع والقهر والاستبداد في رسوم كاريكاتورية لا تحتاج إلى تعليق. وهل فينا من ينسى «قبقاب» الفنان دريد لحام في «غوار» بعد أن تحول بالإيقاع والشكل إلى تاريخ وسيرة حياة تتجدد؟ وتراث «القبقاب» ليس ضاحكاً بالضرورة، فقد استخدم كسلاح في قتل «شجرة الدر» في مصر، لإزاحتها عن السلطة، مع انها استخدمت أسلحة أكثر تعقيداً للاستيلاء عليها. وفي روسيا السوفييتية، كما نشرت صحيفة «برافدا»، فإن الحملة التي قادها عمال المناجم ضد بوريس باسترتال مؤلف رواية «الدكتور زيناجو» لخصتها برقية إلى الكرملين تقول: إن الوحل على أحذيتنا هو أكثر شرفاً من تاريخ هذا الروائي». كما أن الأحذية دخلت القاموس السياسي في الحملات المتبادلة بين الأحزاب والشخصيات المعاصرة، ومن بينها عبارة: انت لن تطاول حذائي.... وفي الشعر العربي القديم والحديث أبيات يعرفها المتخصصون، ونود لو نسمعها منهم، عن النعال. حضارة القدمين والحصيلة من كل هذا هو أن هناك من يمتلك قناعة مفادها: إن الحضارة تبدأ من القدمين وليس من الرأس، وهو ما يغوي بالحديث عن المعركة حول الأحذية الرجالية في أوروبا وفق تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» على صفحتها الأولى، مع حوار عن «اللعب بالأقدام» ساهمت به مجلة «الايكونوميست» البريطانية. جوشي وبيرلوتي يقول تقرير الصحيفة الاقتصادية الرصينة، ان «دار جوشي» الايطالية اللامعة في عالم الأحذية والأزياء والعطور ويملكها المليونير الفرنسي فرانسوا بينول أقامت دعوى قضائية على دار «مويه» المنافسة في الحقول نفسها ويملكها المليونير الفرنسي برنار أرنول، والتهمة هي أن الثانية قامت وعن سبق الإصرار والتصميم على سرقة نوعين من موديل أحد أحذيتها الرجالية فقلدتهما وطرحتهما في الأسواق باعتبارهما من ابتكارها وهو ما يشكّل خرقاً لقانون حماية الملكية الفكرية. وفي يناير الماضي أصدرت المحكمة الفرنسية حكماً يقضي بتغريم دار مويه مبلغ 200 ألف دولار تدفعها إلى دار جوشي. دار مويه استأنفت الحكم استناداً كما يقول محاموها، إلى أن الأحذية الرجالية تتشابه في موديلاتها، وعددها محدود، ولا تدخل في باب الفن والابتكار، إلاّ أن امبراطورة الأحذية الايطالية أولفا بيرلوتي، وقد ورثت الدار عن والدتها قبل أن تبيعها للمليونير الفرنسي، تردّ بغضب: «إن الحذاء شيء خاص جداً وهو يستحق أن ينظّف بالشمبانيا. لقد أقمت الدعوى دفاعاً عن زبائني الذين أمضيت 40 عاماً وأنا أنحني عند أقدامهم بحماسة وحب. إن حذاء الرجل ليس شيئاً عادياً إنه يحتاج إلى ابتكار وإبداع». الحزب وبيرلوتي على حق إذ أن زبائن جوشي أقاموا منتدياً لهم في باريس يجمعهم مرة في العام، ويتناولون خلاله الشمبانيا بينما تقوم عاملات متخصصات بتلميع أحذيتهم التي تتراوح قيمة الزوج منها بين 85 ألف دولار ومئتي ألف دولار، وأشهر هؤلاء الزبائن، بالاضافة إلى الامبراطور بوكاسا، الرئيس الأمريكي جون كنيدي، والملياردير ارسطو أوتاسيس والفنان آندي وورهول، وقد انضم إلى هؤلاء مؤخراً وزير الخارجية الفرنسية الأسبق رونالد دوما الذي يمثل الآن أمام القضاء بتهمة الفساد، فقد اتهمت المحكمة الوزير بأنه تلقى زوجاً من الأحذية هدية من عشيقته التي دفعت ثمنه من الأموال العامة، مع أن الوزير يؤكد انه عاد ودفع الثمن من جيبه الخاص. وساحة المعركة تتوسع باستمرار بين باريس وامستردام وعواصم أخرى، في الشوارع كما في المحاكم بعد أن دخلتها دار ايف سان لوران التي يملكها فرانسوا بينول ودار كريستيان ديور التي يملكها المليونير المنافس، وكانت آخر المنافسات بينهما شراء دار الأزياء الايطالية فيفدي، وقد دفع فرانسوا بينول مبلغ مليار دولار للحصول عليها. اللعب بالأقدام في شهر مارس الماضي توفيت البريطانية ننيتي دي فالوا عن عمر يصل إلى 102 سنة، الاسم الحقيقي لها هو ادريس ستانوس، وهي من ايرلندا، ولكنها عندما امتهنت رقص الباليه وهي في الرابعة عشرة من عمرها اختارت ان يكون اسمها فرنسياً لأن الفرنسيين في ذلك الوقت كانوا أفضل «اللاعبين بالأقدام» على حد قولها، وفيما بعد نجحت في تأسيس الباليه الملكي، وهي أشهر فرقة للباليه في بريطانيا، وقبل وفاتها كانت عبارتها المفضلة هي: «إن الجميع يعرف أنه إذا أردت أن تشاهد فعلاً لعباً جميلاً بالأقدام فإن عليك أن تأتي إلى انجلترا». وكانت تتحدث عن الباليه وليس عن الرياضة التي ينافس أنصارها ستالين نفسه في التعصب الأيديولوجي لنواديهم، ولعلّ أحزابهم هي الكلمة المناسبة.