أبدى سلوبودان ميلوسيفيتش بالغ دهشته لتجرؤ مفوض الشرطة على اقتحام معقله واعتقاله، فقد كان يظن أنه بمنجى عن ذلك ومأمن، وأن مقامه سيظل حصناً حصيناً إلى الأبد. وهكذا فاجأه أمر الاعتقال مفاجأة مذهلة، وسبب له صدمة عنيفة أدت به إلى الاكتئاب وهو لمّا يكمل ليلته الأولى بالسجن. مبرر الدهشة وهكذا بين ليلة وضحاها أضحى جبار البلقان مثاراً لسخرية الكل، ابتداء بمحاميه وسجانه، وانتهاء بقادة الدول الغربية جميعاً... لقد سخر منه محاميه من دون أن يقصد إذ ذكر أن مما أفضى به سلوبودان إليه هو شعوره بالدهشة لما حلّ به، حيث أصبح حالاً بالسجن... أما سجّانه فقد صرح للصحفيين، ما أتعس ذلك الرجل، فقد انتقل من فيللته الأنيقة الباذخة إلى زنزانة عتيقة بالية، بسجن من السجون التي بناها الشيوعيون لخصومهم وهي ربما كانت أسوأ سجون الدنيا على الإطلاق اذ انها صممت ليس لغرض الاعتقال فقط، وإنما لغرض الإذلال والإرهاب! وفي الحق فما كان لدهشة ميلوسيفيتش من مبرر فبعد ساعات فقط من لحظة إلقاء القبض عليه، كان قد انقضى أجل المهلة التي أعطتها الولايات المتحدة لحكومة صربيا، بخصوص تسلم قرض مالي بمبلغ خمسين مليون دولار، كان قرضاً مشروطاً بشرط واضح، يتعلق باعتقال ميلوسيفيتش ومحاكمته. وقد كانت الحكومة اليوغسلافية في سباق مع الزمن لاعتقال ميلوسيفيتش قبل أن ينقضي ذلك الأجل، وقد فشلت محاولتان من قبل لاعتقاله ولم تتم الثالثة، إلا بعد ساعات من انتهاء الموعد. أعطت تلك الملابسة وضعية مريحة للرئيس الأمريكي بوش إذ علق على حادث الاعتقال قائلا انه يمثل خطوة مهمة نحو إغلاق ملف البلقان الفاجع، وعندما جاء دور الحديث عن تجديد المهلة للقرض ليوغسلافيا فقد لاذ الرئيس الأمريكي بالصمت، بحسبان أن الصمت يعطيه فرصة أخرى لمواصلة الضغط على يوغسلافيا. بيع مرتين وهكذا بيع سفاح البلقان بمبلغ خمسين مليون دولار لم تستلم بعد، وإن كان عليه أن يندهش أو يحزن فقد كان يجب عليه الاندهاش والحزن لهذا الأمر لا غير. ثم بيع السفاح مرة ثانية عقب الاعتقال وفي هذه المرة فقد بيع لشعبه، إذ أعلنت أولى التهم الموجهة إليه، وهي المتعلقة بسرقة مبالغ تزيد في جملتها على مئة مليون دولار من الخزينة اليوغسلافية. وكان واضحاً أن التهمة الثانية قد صيغت لإخفاء البيع الأول للأمة، حيث خوطبت عاطفة الشعب اليوغسلافي بحديث عن الأموال التي انتهبت من الخزينة العامة، وعن خيانة «البطل» السابق للعهد، وإلا فما كانت تلك الجريمة التي اعتقل بمقتضاها ميلوسيفيتش، فالتهمة الحقيقية الموجهة لميلوسيفيتش، والتي اعتقلوه بسببها، هي تهمة عالمية المنشأ، ومتعلقة بجرائمه ضد الإنسانية، ولكن الشعب اليوغسلافي ـ من العرقية الصربية لا يريد أن يسمح بذلك، ولا أن يعترف به، وهو إلى الأمس القريب كان يسير في ركاب ميلوسيفيتش وينساق لدعاويه لشن الحروب التي سيحاكم عن جرائمها بعد الغد! وقد أضيفت تهم أخرى علها تغطي على الدويّ العالمي الذي أعقب اعتقال ميلوسيفيتش حيث أعلن ان الأسلحة التي عثر عليها في الحصن الذي استسلم فيه ميلوسيفيتش، هي أسلحة غير مرخصة قانونياً، وأنه سيحاكم على حيازتها، كما ذكرت الحكومة اليوغسلافية التي ظلت في حالة انعقاد دائم لمتابعة الأمر، انها قد عثرت في الحصن على أوراق بالغة الأهمية تحوي مخططات لإثارة انتفاضة شعبية ضد الحكومة اليوغسلافية، وهو أيضاً أمر يعاقب عليه القانون. اللحاق بلاهاي لو كانت الحكومة اليوغسلافية في توجيهها لتلك التهم إلى ميلوسيفيتش صادقة، لكان ذلك يعني انها جادة في منع محاكمته عالمياً. فإن صدور أحكام عقابية على تلك المخالفات، يعني بقاء ميلوسيفيتش لعدة سنوات بالسجن اليوغسلافي، بعيداً عن منال محكمة لاهاي، التي يريده العالم فيها الآن... وهنا لا يغني حكومة بلجراد أن تتذرع طويلاً بعدم وجود قانون لديها لتبادل المجرمين... إنها قد تلعب بذلك الادعاء لوقت محدود، ريثما تضطر إلى استصدار قانون بذلك الخصوص بأثر رجعي، حتى يشمل حالة ميلوسيفيتش، أو ربما تضطر إلى تجاوز تلك العقبة القانونية الشكلية وتقوم بتسليم ميلوسيفيتش مباشرة لسلطات القانون الدولي. هذا وقد لا تمهل الضغوط الدولية حكومة بلجراد حتى تكمل محاكماتها لسفاح البلقان على تلك التهم الهامشية. فمنذ الآن بدأت الأصوات تتعالى بضرورة الإسراع بتسليم ميلوسيفيتش. فها هو كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة يطالب بلجراد بأن تتعاون مع مطالب محكمة لاهاي لمجرمي الحرب وتقوم بتسليم رئيسها السابق لها، وها هي المدعية العامة لتلك المحكمة، ديل بوتي لا تنتظر طويلاً فتكرر مطالبها بضرورة تسليم ميلوسيفيتش وهذه المرة فهي تحدد أجلاً زمنياً ينتهي بانتهاء هذا العام، كما تشفع مطالبها بتهديد باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي لكي يفرض عقوبات جديدة على بلجراد وهو الأمر الذي سيفاقم مشاكل الحكومة الجديدة، التي هي بصدد الخروج من النفق المظلم الذي أدخله فيها ميلوسيفيتش بحروبه التي استمرت لثماني سنوات عجاف... وها هي منظمة العفو الدولية تطالب بالترحيل الفوري لميلوسيفيتش إلى لاهاي، فهي لا تعطي أي مهلة، ولا تسمح بأي محاكمة محلية له، وتسعق منظمة العفو الدولية حكومة بلجراد بالمسوغات القانونية للترحيل، فهي لا تحتاج إلى أي قانون أو اتفاقية لتبادل المجرمين، فمجرد عضويتها بالأمم المتحدة، تلزمها بإرسال أي متهم تحت مواد القانون الدولي إلى المحكمة التي طلبته. اعتراف ميلوسيفيتش وإذا كانت حكومة بلجراد تحاول حالياً أن تتجاهل جرائم رئيسها السابق ضد الإنسانية وتحاجج محكمة العدل الدولية بأنها لم تقدم لائحة اتهامات كافية بهذا الصدد، فإن سلوبودان ميلوسيفيتش بخراقة منطقه، يحرج حكومته كما يحرج موقفه الشخصي، باعترافه فور اعتقاله بأنه قام بتسليح صرب البوسنة، الذين ارتكبوا معظم المذابح ضد المسلمين... وقد اعترف ميلوسيفيتش بتلك الجرائم الكبرى، بينما أنكر ارتكابه للجرائم الهامشية التي تنتوي حكومته محاكمته تحت طائلتها. لقد فصّلت محكمة جرائم الحرب الدولية اتهاماتها جيداً ضد ميلوسيفيتش وأعوانه منذ 24 مايو 1999، وركزت على قتل مسلمي كوسوفو بأكثر مما ركزت على قتل مسلمي البوسنة لأن مسئولية ميلوسيفيتش كانت هنا مباشرة، ولكن ها هو ميلوسيفيتش يعين المحكمة عليه، باعترافه بضلوعه أيضاً في مذابح البوسنة والهرسك، فلعل المحكمة تقوم بناء على ذلك بتفصيل لائحة اتهامات جديدة ضده في ذلك الصدد. وهكذا ورط ميلوسيفيتش حكومته وأضعف موقفها أكثر باعترافه. إن حكومة بلجراد الآن هي في وجه ضغوط دولية قوية، لن تستطيع الصمود أمامها طويلاً، وهي ليست بحاجة إلى عقوبات جديدة بل بحاجة إلى معونات عاجلة. والشروط الأمريكية تربط ربطاً وثيقاً ما بين استمرار العون، وبين تسليم ميلوسيفيتش، وإرخاء قبضة أبناء العرقية الصربية على قوات الشرطة، وإيقاف تسليح جنود صرب البوسنة، وتسريحهم من القوات النظامية، وإطلاق سراح السجناء من أبناء العرقيات الأخرى، وهذه الشروط الأخيرة كلها تقع في كفة لا تكاد توازن الكفة الأولى التي يقع فيها شرط اعتقال وتسليم ميلوسيفيتش. ولكن مضي الحكومة اليوغسلافية إلى الشوط الأول في التنفيذ يعطي الأمل بأنها ستمضي سريعاً في التنفيذ. وبإنجاز الأشواط المطلوبة تكون يوغسلافيا قد بدأت صفحة جديدة في تاريخها الحديث، وقد تنطلق بمؤثراتها بشروط أوروبية هذه المرة، حيث من المرجح أن يوغسلافيا قد تتخلى عن سماتها الاقتصادية الحالية، لتلحق بنمط الاقتصاد الأوروبي، فتعوض سراعاً خسائر الحرب، وضياع الأقاليم التي انفصلت عنها، ولكنها في كل الأحوال يجب أن تبقى تحت المراقبة الدولية الدائمة، تماماً كألمانيا التي لا تزال رهن المراقبة بسبب سوابقها الدموية الشبيهة بسوابق الصرب. ً