تعددت المحاولات على مدى خمسة عقود كاملة للوصول إلى حد أدنى من التكامل الاقتصادي العربي، فعقدت المعاهدات الجماعية والاتفاقات ، الثنائية ومتعددة الأطراف بين الدول العربية. وكان بعض هذه المعاهدات والاتفاقات سابقاً على السوق الأوروبية المشتركة التي أصبحت الآن اتحاداً أوروبياً مكتمل الأطر والمؤسسات. غير أن حلم التكامل العربي ما زال يراوح مكانه، وكلما اقترب خطوة أو كاد انكفأ خطوات جديدة إلى الوراء. وفي ظل التطورات الدولية المتسارعة واجتياح العولمة، السياسية والاقتصادية، وزحف منظمة التجارة العالمية حيث بدأت تشحذ أنيابها الرأسمالية لالتهام الدول والكيانات الصغيرة أو نهشها، فإن الدول العربية تواجه تحديات جديدة وضاغطة أكثر من أي وقت مضى. وقد أعطت القمة الدورية الأولى في عمان (27 ـ 28/3/2001) بصيصاً من الأمل في أن القادة العرب قد بدأوا ينظرون إلى التكامل الاقتصادي العربي، أو التنسيق كحد أدنى، انه أصبح ضرورة ملحة، بل وحتمية لا خيار سواها في صراع البقاء المحتدم بين من يملك القوة ويعرف كيف يوظفها، ومن لا يملكون هذه القوة أو يهدرونها ويضيعونها في مهاترات وشقاقات تعري أطرافها أكثر مما تحقق لهم أي شيء آخر. فقد خصص البيان الختامي للقمة حيزاً مهماً للجوانب الاقتصادية والتنموية وتبني الدعوة المصرية لعقد مؤتمر اقتصادي قبل نهاية العام 2001 يخصص لبحث مختلف الجوانب المرتبطة بالموضوع. وهذا التطور رغم محدوديته، إلا أنه يمكن اعتباره خطوة أولى في الطريق الصحيح، خاصة وأن المقومات الأساسية والموارد الضرورية متوفرة، وانما النقص في الإرادة السياسية الفاعلة. مقومات التكامل يعتبر الوطن العربي إقليماً واحداً متصل الأطراف جغرافياً، يتألف من 22 دولة عربية، وتبلغ مساحته 14 مليون كلم2، تمثل حوالي 4% من مساحة العالم، ويمتلك الوطن العربي موارد طبيعية شتى أهمها البترول، والغاز الطبيعي، حيث ينتج العالم العربي حوالي 25% من الانتاج العالمي للبترول، و11% من الغاز الطبيعي، ويصل احتياطي البترول إلى 60% من احتياطي العالم، ويصل احتياطي الغاز إلى 23%. وتعتبر أغلب تربة الوطن العربي تربة خصبة صالحة للزراعة، ومساحات شاسعة من أراضي الوطن العربي صالحة للزراعة، وهي غير مستخدمة. وانطلاقاً من الإيمان بالانتماء القومي للأمة العربية وبتراثها الحضاري ومصيرها المشترك وحتمية تضامنها في وجه التحديات دفاعاً عن وجودها ومستقبلها، وباعتبار أنه من الضروري تنسيق السياسات الاقتصادية والمالية في الأقطار العربية بشكل فعّال من أجل القضاء على أسباب التجزئة فيما بينها، وحفاظاً على الثروات العربية القابلة للنضوب، فإن الدول العربية سعت جاهدة لتوحيد الاقتصاد العربي وتهيئته للمعركة المصيرية ضد التخلف والتبعية، بعقد عدة اتفاقات اقتصادية من أهمها: 1ـ السوق العربية المشتركة التي تم الاتفاق عليها في القاهرة بتاريخ 13 أغسطس لعام 1964، ومن أهم أهدافها حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال، وحرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية، وحرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي، وحرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافيء والمطارات المدنية. 2ـ اتفاقية استثمار رؤوس الأموال العربية وانتقالها بين الدول العربية التي وافق عليها مجلس الوحدة الاقتصادية في أغسطس 1970، وأصبحت نافذة المفعول (نظرياً) اعتباراً من 20 فبراير 1972، وتم تعديل بعض أحكامها في ديسمبر 1973. ومن أهم أحكامها تشجيع الاستثمار في البلاد العربية، والمعاملة الوطنية والمعاملة التفضيلية، وحق التحويل، وأوضاع الاستثمار والقطاعات المفتوحة له، وعدم التأميم أو المصادرة، وحق الإقامة بأراضي الدولة المضيفة. 3ـ ميثاق العمل الاقتصادي القومي الذي حرر في العاصمة الأردنية عمّان في نوفمبر 1980. 4ـ الوحدة الاقتصادية بين دول الجامعة العربية التي تم الاتفاق عليها بالقاهرة في السادس من يونيو عام 1962. 5ـ التكامل الاقتصادي العربي المشترك، وتم الاتفاق عليه في القمة العربية الدورية الأولى المنعقدة في عمّان بتاريخ 27 ـ 28 مارس 2001، والذي تم فيه إقرار الخطوات الأولى الكفيلة بتفعيل موضوع التكامل الاقتصادي، وتنفيذ منطقة التجارة العربية الحرة، ودراسة إدماج تجارة الخدمات ضمن منطقة التجارة الحرة العربية، وجذب الاستثمارات وتحفيز القطاع الخاص لذلك، وبحث مشكلة النقل بمختلف جوانبها وأبعادها وسبل تقوية ربط الدول العربية براً وبحراً وجواً، وتطوير القدرات العربية في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ووضع خطة للربط الكهربائي العربي وتقويته، وتنمية السياحة العربية البينية وجذب المزيد من السياح الأجانب إلى المنطقة العربية، والمصادقة على عقد المؤتمر الاقتصادي الأول في القاهرة في نوفمبر 2001 بمشاركة حكومات الدول العربية والقطاع الخاص العربي والأجنبي والمؤسسات الاقتصادية والإقليمية والدولية، وتأييد إعلان أبوظبي حول مستقبل العمل البيني العربي كمنهاج عمل في القرن الحادي والعشرين. ولبلوغ الوحدة الاقتصادية العربية الداعمة لجهود الأقطار العربية الرامية إلى إزالة الفوارق القائمة بينها وتعزيز قدراتها على تحقيق تنمية عربية جديرة بالاعتبار، يجب تحقيق الأهداف التالية: حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال. حرية الإقامة والعمل وممارسة النشاط الاقتصادي. حرية التنقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافيء والمطارات المدنية. حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية. حقوق التملك والإيصاء والإرث. غير أن تحقيق التكامل الاقتصادي العربي المشترك وأهدافه يواجه بعض العراقيل والعقبات، منها عدم تكافؤ القوى الاقتصادية بين الدول العربية، وعدم الفصل بين الاعتبارات السياسية والاقتصادية، والتكتلات الإقليمية التي قد تؤدي إلى اتباع الأطراف الخارجية لسياسات تفضيلية ضد الدول العربية. وتعتبر الخلافات السياسية بين الأقطار العربية أساس تخلف خطط التنمية وعقبتها الكبرى. استراتيجية متكاملة لذلك لا بُدّ من وضع استراتيجية متكاملة للتكامل الاقتصادي العربي تعمل على تحقيق عدد من الأنشطة والبرامج يمكن تلخيصها فيما يلي: أولاً: استكمال منطقة التجارة الحرة العربية، وذلك بالإعلان عن بدء تنفيذ مراحل تطبيق السوق العربية المشتركة. ويتم في هذه المنطقة إلغاء الرسوم الجمركية والضرائب والرسوم الأخرى ذات الأثر المماثل، وإلغاء القيود الجمركية المفروضة على الاستيراد، على كافة السلع المتبادلة بينها ذات المنشأ الوطني في كل منها. ثانياً: إقامة اتحاد جمركي عربي بحيث يتولى مجلس الوحدة الاقتصادية العربية توحيد التشريعات والأنظمة الجمركية بين الدول المنضمة إلى إعلان قيام منطقة التجارة الحرة العربية، وذلك خلال ثلاث سنوات تنتهي بنهاية ديسمبر عام 2003. ثالثاً: إقامة منطقة استثمارية عربية، تستهدف جعل الوطن العربي منطقة جاذبة للاستثمار الوطني العربي والأجنبي على حد سواء، مع تفادي ان تدخل الدول العربية في حرب تيسيرات يكون الرابح الوحيد فيها هو رأس المال الأجنبي، وذلك من خلال تشكيل لجنة من رؤساء أجهزة الاستثمار لتقوم بإجراء الدراسات وإعداد المقترحات التي تصدر بموجبها قرارات بالإجراءات والبرامج التي يجري التوصل إليها. رابعاً: إقامة منطقة تكنولوجية عربية بهدف النهوض بمستوى المعرفة التكنولوجية في الوطن العربي، وتمكينه من التعامل في مجال التطوير التكنولوجي على أساس الأخذ والعطاء، بدلاً من الوقوف موقف المتلقي الذي يثير اعتبارات تبعية تقلل من القدرات التنموية العربية وتضعف من روابط التكامل بين الأقطار العربية، وتتضمن هذه المنطقة برنامج شبكة البحث العلمي والتكنولوجي العربية للنهوض بالمؤسسات البحثية العاملة في الدول الأعضاء، وبرنامج تحويل الوطن العربي إلى منطقة الكترونية تكون أساساً لبناء مجتمع المعلومات، وتحسين وضع الوطن العربي في المجتمع العالمي ورفع مستوى معيشة المواطنين، وزيادة القدرة التنافسية العربية ودعم الأسواق العربية في مواجهة تلاحم الأسواق العالمية، وتطوير البنية الأساسية العربية وفق التقدم في تكنولوجيا الاتصالات، وإقامة سوق موحدة لمنتجات وخدمات المعلومات والاتصالات، والنهوض بأبحاث وتطبيقات الهندسة الحيوية التي تمثل أهمية قصوى لسببين أولهما، ان النشاط الزراعي يمثل المصدر الأساسي للدخل في كثير من الدول العربية، وثانيهما ارتفاع نسبة المساحات القاحلة والصحارى في الوطن العربي مع الشح الشديد في مصادر المياه، الأمر الذي جعل الوطن العربي من أكثر مناطق العالم انكشافا في الغذاء، إضافة إلى تطوير مصادر الطاقة البديلة والمتجددة. المواطنة الواحدة هناك حاجة ملحة إلى خلق مجتمعات متعاطفة ومتكافلة، تحافظ على وحدة الهوية العربية ازاء الانفتاح الاقتصادي على الخارج. ومن ثم فإن النظرة إلى التكامل لا تكتمل إلا إذا شملت النظرة إلى مواطني اقليم التكامل، واعتبرتهم مواطنين يحملون مواطنة مشتركة، إلى جانب تحرير حركة المنتجات إذا حملت شهادة المنشأ المشترك. ويجب دعم المواطنة العربية كقاعدة لبناء مجتمع عربي متكامل من خلال عدد من الخطوات اللازمة، لعل أبرزها: التقريب بين مستويات العيش في المواقع المختلفة في الوطن العربي. تحقيق التماسك الاجتماعي، وهو ما يتطلب نشر الوعي بين الجماهير بأهمية التكامل، وإفساح المشاركة في مناقشة القضايا التكاملية، والشعور بإمكانية المساهمة في تحديد أهداف الأنشطة التكاملية وفي تنفيذ ما تتطلبه من فعاليات. الربط بين الجامعات العربية والمعاهد العليا وتوحيد مستويات المؤهلات العلمية، والعمل على تطوير المناهج وبناء الاقتصاد العربي القائم على المعلومات. تبادل الزيارات والبعثات الشبابية والطلابية سواء في المراحل العالية للتعليم، أو المراحل الأدنى، مع التعريف بأوضاع ومتطلبات التكامل الاقتصادي العربي. اعتماد برنامج تدريب مشترك للنهوض بالقوى العاملة العربية القادرة على جذب الاستثمارات والمساهمة في النشاط الاقتصادي في الوطن العربي. برنامج مشترك لسياسة سكانية عربية لمعالجة شئون السكان وانتقال البشر والعمال وحقوقهم. وحسب ما ورد في مذكرة الأمانة العامة لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية المقدمة إلى القمة، اعتمد مجلس الوحدة الاقتصادية العربية في عمله حتى الآن على أسلوبين رئيسيين: الأسلوب الأول: اصدار قرارات بعضها يطالب الدول باتخاذ ما يلزم لتنفيذها، ويعود عادة فيصدر قرارات للتذكير بقرارات سابقة والمطالبة بتنفيذها، والبعض الآخر ينطوي على تكليفات لأمانة المجلس ولجانه المختلفة تنتهي عادة إلى مقترحات بقرارات يعتمدها المجلس بعد النظر فيها وربما تعديلها. الأسلوب الثاني: إعداد مشروعات اتفاقيات يقرها المجلس ويترك أمر تنفيذها إلى تصديق الدول الأعضاء عليها. وقد نشأ هذا الوضع نتيجة عدم اكتساب قرارات المجلس صفة إلزامية، وترك الأمر إلى الدول تختار ما يتفق وتوجهاتها وتتجاهل ما لا تراه متفقاً مع أوضاعها. وأدى هذا الوضع إلى عدم تقابل المنافع والأعباء في العملية التكاملية.