خطت الدول العربية خطوات مهمة وعملية على طريق تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها متخطية الكثير من العوائق والصعوبات ومتجاوزة عملية الفصل، التي كانت تتم سابقاً بين الاقتصاد والسياسة، الأمر الذي أدخلها في سياق العصر الذي أعطى الأولوية للتكتلات الاقتصادية والتجارية الضخمة وذلك على حساب الأيديولوجيات والسياسات. ولعل من أبرز وأهم هذه الخطوات إطلاق مشروع إقامة منطقة التجارة العربية الحرة العام 1998 الذي قضى بتخفيض الرسوم الجمركية على السلع المتبادلة بين الدول العربية بمعدل 10% سنوياً وزاد من أهمية هذا المشروع قيام الأقطار العربية بالتوقيع على اتفاقيات ثنائية لتسريع وتيرة خفض الرسوم الجمركية كالاتفاقية التي وقعت بين سوريا ولبنان من جهة وسوريا والعراق ومصر من جهة أخرى. كما وقعت سوريا على اتفاقية مماثلة مع الأردن وهي تدرس إقامة مناطق للتجارة الحرة مع بلدان الخليج العربي. وفي إطار هذا المشروع التجاري الكبير اتجهت الدول العربية إلى التعاون في مجال الاستثمار وإنشاء المشاريع والشركات الاستثمارية المشتركة حيث تم مؤخراً تدشين المرحلة الأولى من مشروع نقل الغاز الطبيعي من مصر إلى الأردن ولبنان وسوريا ومن ثم تركيا على أن يتم في وقت لاحق توسيع هذا المشروع ليشمل دول الخليج العربي كما بادرت الأقطار العربية إلى تنفيذ مشروع استراتيجي آخر هو مشروع الربط الكهربائي السداسي الذي يضم مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق وتركيا على ان يتم توسيعه ليصل إلى أوروبا عن طريق مصر والمغرب ويشكل هذا المشروع نقلة نوعية على طريق الربط بين شبكات الكهرباء في الوطن العربي وإقامة بنى تحتية واحدة لمسألة الطاقة وهو أمر يحمل في طياته الكثير من الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية. شبكة القطارات وتتجه المنطقة العربية في الوقت الحاضر في خطوات عملية على طريق انشاء شبكة كبيرة للنقل بالسكك الحديدية وهو ما يمثل تسيير قطار دمشق ـ عمّان ومن ثم الربط بين الموانيء السورية والعراق عبر السكك الحديدية وكذلك الربط بين سوريا وإيران عن طريق تركيا وفي مرحلة لاحقة يتم ايصال هذه الشبكة من القطارات إلى منطقة الخليج وفي مرحلة ثالثة بشبكة السكك الحديدية في أوروبا عن طريق تركيا. ويؤكد الخبراء ان هذا المشروع يعد من أهم مشاريع التكامل التجاري والاقتصادي في الوطن العربي لأنه سيؤدي إلى تطوير حركة التبادل التجاري والسياحي بين الدول العربية من جهة وبينها وبين مختلف دول العالم من جهة أخرى ولابد أن يضع هذا المشروع الأقطار العربية على طريق الاتصال الشامل من أجل نقل البضائع، الأمر الذي سيسهم في إقامة شبكة من المصالح الحيوية التي ستنعكس بصورة إيجابية على علاقات التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري وذلك في وقت تؤكد فيه المعطيات ان نسبة التجارة البينية العربية لا تزال محدودة جدا. ولا تتجاوز الـ 10% في الوقت الراهن، وبالتالي فإن هناك حاجة ماسة إلى توسيع وتطوير حركة التجارة البينية العربية مقارنة مع حجم تجارة الأقطار العربية مع العالم الخارجي التي تشكل 60% من اجمالي التجارة العالمية ولا تزال المنطقة العربية بحاجة إلى المزيد من مشاريع التكامل سواء في المجال الاقتصادي أو التجاري لأن العرب أهملوا خلال العقود الماضية مسألة التكامل الاقتصادي حيث أن الأوضاع والظروف السياسية قد حالت في كثير من الأحيان دون إقامة مثل هذه المشاريع التي باتت ضرورية وحاجة ملحة لكل الأقطار العربية. القمة الاقتصادية ويؤكد الخبراء والمحللون الاقتصاديون ان القمة الاقتصادية التي من المقرر ان تستضيفها القاهرة في أواخر العام الجاري تشكل نقلة نوعية وتحولاً كبيراً في التفكير العربي الاقتصادي الذي اخذ يتجه نحو التكامل وتذليل كل العوائق التي تقف في طريق الوصول إلى الوحدة الاقتصادية العربية خاصة وان الدول العربية تمتلك الكثير من مقومات هذه الوحدة ولكن المطلوب هو امتلاك الإرادة السياسية المصممة على تحقيق التكامل الاقتصادي العربي من أوسع أبوابه وتستطيع الأقطار العربية أن تسابق الزمن على هذا الصعيد وأن تقوم بالفعل بخطوات أكثر جذرية واتساعاً ومنها على سبيل المثال التفكير جدياً باستعادة الأموال والرساميل العربية الموجودة في الخارج والتي تصل إلى أرقام فلكية حيث تشير بعض المصادر إلى ان حجمها يبلغ أكثر من 800 مليار دولار وإذا ما تم توظيف نسبة معقولة من هذه الرساميل في المنطقة العربية فإن ذلك سيؤدي إلى حدوث تغييرات جذرية في اوضاع الدول العربية وبناها التحتية سواء لجهة انشاء المشاريع والاستثمارات الضخمة أو لجهة امتلاك القدرة على امتلاك أدوات العصر لا سيما في مجال بناء شبكة من الاتصالات الحديثة وبناء مصانع جديدة تكون قادرة على خفض كلف الانتاج ومنافسة السلع والبضائع الأجنبية ويؤكد الخبراء ان الدول العربية تمتلك المقومات الأولية لإنشاء صناعة حديثة ومتطورة في المنطقة ولعل من أبرزها توفر المواد الأولية الخام من نفط وحديد وقطن ورخص اليد العاملة مقارنة مع الدول الغربية. ويتم التأكيد بصورة خاصة على أهمية المشاريع والاستثمارات العربية المشتركة في القطاع الراعي لا سيما وأن الدول العربية ذات طبيعة زراعية من الناحية المناخية والجيولوجية الأمر الذي يسهل من عملية تطوير القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني وتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال وسد الفجوة الغذائية الكبيرة التي يعاني منها الوطن العربي حالياً. ضرورات التكامل ولابد من الإشارة هنا إلى ان هناك الكثير من الضرورات الواقعية التي تعترض مسألة التكامل الاقتصادي بين الدول العربية. فالدول العربية التي تربطها الكثير من عوامل التجانس الاقتصادي والاجتماعي تستطيع ان ترتقي إلى مستوى التحدي الواعي الذي يتمثل في بناء التكتلات التجارية والاقتصادية وهناك مثال صارخ على ذلك، فالولايات المتحدة التي تعد من أقوى دول العالم تجارياً واقتصادياً بادرت إلى انشاء تكتل تجاري مع المكسيك وذلك على الرغم من انها ليست بحاجة من الناحية الواقعية إلى مثل هذا التكتل ومع ذلك فهي قد أقدمت على هذه الخطوة لتزداد قوة وتعاظماً من الناحية التجارية وكذلك هو حال دول الاتحاد الأوروبي التي أنجزت سلسلة من الخطوات والنقلات الكبيرة على طريق بناء وحدتها الاقتصادية والتجارية ولا تستطيع الدول العربية ان تخرج عن روح العصر واطاره لأنه في ظل نظام العولمة والانفتاح التجاري الدولي الواسع ووجود الشركات التجارية العابرة للقارات فإن الأقطار العربية لن تكون بقادرة على تحقيق مصالحها الاقتصادية والتجارية من خلال المؤسسات والشركات القطرية بل هي ملتزمة ان تتوحد اقتصادياً وان تسارع إلى اقامة سوق تجارية عربية واحدة لتصبح قادرة على مواجهة التكتلات الاقليمية والدولية القائمة في كل مكان من العالم. وبهذا المعنى يمكن القول ان التكامل الاقتصادي العربي قد أصبح مسألة حياة ومستقبل ووجود لكل الدول العربية التي تتعرض الآن لضغوط كبيرة حتى تتجاوز واقعها الراهن وتنفذ خطوات وإجراءات جذرية في المجالين التجاري والاقتصادي وإذا كان القادة والزعماء العرب قد ادركوا اخيراً اهمية العامل الاقتصادي في بناء قوتهم الذاتية فإن هذا الادراك لا بد له من البحث الجاد عن مشاريع التكامل سواء في مجال الاستثمار والنقل والاتصالات الحديثة أو في المجالات الأخرى التي تحتاج إلى قرارات جريئة وخطوات نوعية لتكون قادرة على ايصال الوطن العربي إلى طموحاته القومية المشروعة. فهل ستشكل القمة الاقتصادية العربية التي ستعقد في القاهرة أواخر العام الجاري البداية الصحيحة على طريق اعلان التكتل التجاري والاقتصادي العربي؟ إن الآمال في هذه القمة ولابد أن تصدر عنها النتائج التي تؤكد بأن الدول العربية قررت بالفعل الدخول في العصر وإنشاء القوة الاقتصادية العملاقة التي تستطيع ان تتنافس مع معظم القوى والتكتلات الاقتصادية العالمية ولتكن البداية متواضعة لكن لابد أن تكون نوعية ومؤسسة بالفعل لمشروع عربي كبير يسهم في وضع لبنة الوحدة الاقتصادية. ـ صحفي سوري