رغم ان عالم اليوم بات يبحث عن جديده الاقتصادي كي يرتديه محصناً بقوته في السوق، الا ان هذا الثوب، لم يعد قادرا على المواجهة اذا ما اعتمد الاشكال التقليدية للتجارة والاستمرار في نمطية الانتاج القديم لأن النمط الجديد للنهوض الاقتصادي لابد ان يتسلح ويتحصن بثوب التكنولوجيا سواء من حيث تصنيعها أو من جهة استخدامها، وإذا كان الوطن العربي يحاول حالياً السعي باتجاه السوق العالمية فإن هذا السعي مرهون بمقدمات تكاملية ضمن أسواقه الاقتصادية التي ما زالت تحبو نحو منطقة تجارة حرة عربية من خلال بدايتها التي أعلنت عام 1998 لتكون متكاملة عام 2008 مما يدلل بشكل مبدئي ان السنوات الباقية لإنشاء هذا التكتل الاقتصادي ـ إن تم كما خطط له ـ فإنه سيبقى بدائياً أمام التكتلات الكبرى لأننا نعيش في زمن لا يرحم بإيقاعه المتسارع، إضافة إلى ذلك فإن أي تكتل اقتصادي عربي سيبقى بعيداً عن المواجهة أو كحد أدنى الحفاظ على ماء وجهه إذ بقي بعيداً عن ثورة المعلومات وتقاناتها وأساليبها المتسارعة. لعل الواقع الاقتصادي العربي سواء كان بطيئاً أو نشطاً فإنه لابد له أن يأخذ نصب عينيه بأمرين مهمين الأول: واقع الاقتصاد العربي من حيث آلية انتاجه، والثاني: الحاجة العربية الملحة لأنماط التعاون، والوطن العربي على وضعه الحالي اقتصادياً هو تكتل محارب ولكن ليس بالصيغة التقليدية السياسية بل من خلال أنماط الاقتصادات العالمية التي تواجهه سواء كانت صديقة أم معادية، لأن عالم اليوم هو عالم التكتلات التي صارت مشروعة في أبجديات الاقتصاد لأن فيها محاولة للبقاء أمام الناشط الاقتصادي الأكبر وهو العولمة. ومن خلال مفهومي العولمة والتكتلات الكبيرة فإن ذلك يؤشر الى بقعة واضحة في عالم الاقتصاد نراها بالهيمنة لخدمة مصلحة أي شكل من أشكاله الحديثة سواء كان لهذا الشكل هدف سياسي أم لم يكن. ومن خلاله يبدو أن نمط المنافسة ليس موجهاً ضد العرب كما يتوهم البعض بل هو موجه ضد أي شكل من أشكال الاقتصادات القوية أولاً والاقتصادات التي لا تريد أن تكون قوية ثانياً وبذلك فإن المنافسة هي منافسة بين التكتلات الكبرى والضحية بين المتحاربين هي الاقتصادات المشتتة والضعيفة والتي لا تريد الخروج من هذا الاطار. ومن طرف آخر فإن منظمة التجارة الدولية الحرة لابد من تسللها الى الاقتصادات الضعيفة وتحرير التجارة الدولية آتٍ قبل أن تتحرر التجارة العربية إذا ما بقيت ضمن توجهات تسير بسرعة السلحفاة أو الأرنب. وهذه المخاطر مجتمعة تؤكد من جديد الحاجة الماسة للإسراع إلى عالم عربي اقتصادي موحد، والنهوض في البنية الانتاجية العربية لأن واقع السوق العربية لا يعبر عن حقيقة الامكانيات فهو ما زال يعتمد على الثروات الطبيعية المتأثرة بالسعر العالمي من جهة وبكمية الانتاج من جهة أخرى اضافة إلى ذلك فإن السوق العربية الداخلية تعاني من السلع الرخيصة والمستوردة ومن قلة الدخل في مؤشر القوة الشرائية اضافة إلى الطرائق التقليدية في توظيف رؤوس الأموال، والأهم من ذلك أن البنية الانتاجية في الوطن العربي ما زالت في مجملها تعتمد على الصناعات التطبيقية وبالمقارنة مع دول العالم الثالث وليس الدول المتقدمة نجد أن بعض الدول وخاصة في جنوب شرق آسيا ومحيطها بدأت تعتمد على الصناعات الالكترونية من أجهزة كمبيوتر ورقائق رقمية أي انها دخلت في بداية الاقتصاد الذي سمي باقتصاد المعرفة. الأبيض والأسود لعل الاقتصادات الجديدة تزخر بألوانها ولكن مع تعدد هذه الألوان المبهرة فهي لا تعرف سوى الابيض والاسود والواقع ان الاقتصاد العربي ما زال رمادياً فهو أولاً قائم على بنية انتاجية متعلقة بالمصادر الطبيعية ويعاني من مشاكل أصبحت تقليدية بمفهوم اقتصاد المعرفة. خاصة ان الدول العربية تعاني من تشابه الانتاج والأهم من ذلك كله أن اعتمادها على الاقتصاد التقليدي لن يوفر لها الفرصة للدخول بالنمط الجديد وهو «اقتصاد المعرفة» الذي يعتمد أولاً وأخيراً على التكنولوجيا دون النظر الى المواد الأولية واقتصاد المعرفة يبدو أنه يدخل في تفاصيل الشئون الكبرى السياسية والاقتصادية والثقافية كونه يحمل هاجساً عصرياً لنمط جديد من الصناعات الصاعدة بقوة فعل المعلومات وتوفر الفرص والسلع بشكل متسارع مواز لسرعة الأجهزة الرقمية. وأمام هذين الشكلين فإن الاقتصاد العربي الذي يسعى جاهداً الى فتح الأسواق والتجارة البينية وتخفيض الجمارك وحرية تنقل البضائع وتنشيط التعامل التجاري بين الدول العربية بشكليه العام والخاص هو في ذات الوقت قاصر اذا ما حقق تلك الامور التي يسعى اليها لأن التجارة الالكترونية قد تجاوزت تلك العوائق وهذه المؤشرات تبدو واضحة اذا ما علمنا نسبة التجارة البينية بين الدول العربية بقيت تراوح مكانها بل لعلها انخفضت، ففي عام 1990 كانت 10.05% وعام 1995 كانت 19.4%، وهذان المؤشران قبل نهوض التجارة الالكترونية المتسارعة فكيف الحال الآن أمام النشاط الهائل لتلك التجارة أقصد (الالكترونية). تكنولوجيا المعلومات! في برنامج اتفاق الإطار لإقامة منطقة تجارة حرة عربية كبرى جاء في الفقرة التاسعة البند الخامس: «تطوير تبادل البيانات والمعلومات بين الدول العربية باستخدام شبكات الاتصال العربية والدولية، وتكوين قواعد للمعلومات تشمل البيانات الاقتصادية والاحصائية والنظم التجارية والبيانات الجمركية، والرسوم والضرائب...» وقبل الدخول في نمطية هذه الفقرة فإنها الأخيرة من البرنامج الذي وضع لإقامة منطقة تجارة عربية حرة، وبعيداً عن الشكل وتوجهاً نحو الواقع فإن العرب ما زالوا يعانون من نقص شديد في البيانات والمعلومات وهي شبه غائبة عن الأسواق العربية وبذلك فهي مغيبة أمام المستثمرين العرب والشركاء ولا يتوفر لهم معلومات تفصيلية عن الأسواق والمؤسسات، ولا تساهم هذه المعلومات بتوسيع دائرة الاستيراد والتصدير نتيجة لضعفها. وبوقائع ما يرتبط بالمعلومات فإن الدول العربية مجتمعة انفقت على الابحاث العلمية خلال عام 2000 نسبة 0.3% من اجمالي الناتج القومي للدول العربية، بينما الدول الصناعية انفقت عام 1995 حوالي 500 مليار دولار أي 3% من الناتج القومي وفي عام واحد. وفي الوطن العربي أكثر من عشرة آلاف مؤسسة استشارية ولكنها لا تلاقي أي دعم حقيقي سواء معنوياً أو تمويلياً علماً بأن الوطن العربي يمتلك كفاءات بشرية مميزة، ففيه من حملة الدكتوراه والمختصين حوالي 50 ألف خبير وهؤلاء المسجلين فقط ولكن انتاجهم يكاد يكون اقل من 10% نتيجة عدم توفر المكان المناسب لهم. متى نستفيد؟! كيف نستفيد من التقانة في مجال النهوض الاقتصادي وكيف يستفيد العرب من تكنولوجيا المعلومات؟ الواقع ان القبول المبدئي بالمعاملات الالكترونية هو المشكلة الأولى التي ما زلنا نعاني منها، فالمؤسسات الكبرى ما زالت تحكمها عقلية مترددة أو خائفة من التقانة لأنها لا تمتلك ادواتها فهي بالمقابل عاجزة عن فهمها خاصة ان هذه المؤسسات يديرها كبار السن الذين ما زالوا مدهوشين من سيطرة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، لذلك بات التفكير الجديد للاقتصاد العربي يبدأ من تفهم التقانة و الدفع باتجاه النمط الجديد للاقتصاد المعرفي الذي يبدأ من تطوير الصناعات الالكترونية بدلاً من البعد عنها أو في أحسن الحالات استهلاكاً ومن ثم وبالتوازي الدخول في عالم التجارة الالكترونية والمساعدة الحكومية على تطويرها وفتح منافذها بيسر وسهولة ويتطلب ذلك وقبل كل شيء تحديث المعاملات المالية بين الدول العربية بعد تحديثها بالداخل وفي هذا المجال لماذا لا يكون هناك عملية عربية موحدة؟! إضافة إلى ذلك فالتجارة الالكترونية تعتمد على الانترنت ومن المفيد هنا السعي نحو ايجاد مصطلح عربي موحد يواكب حداثة العصر ويؤسس لمواقع عربية نشطة وفعّالة تسهل التعاملات العربية بين الاطراف مجتمعة التي تستخدم التجارة الالكترونية وأهمها (الاتصال والتبادل بين الشركات) و(طرق الاتصال والتبادل بين الشركة والمستثمر) اضافة إلى طرائق الاتصال العالمي والتوسع في مجال التجارة الالكترنية عالمياً ولكن بقوة من خلال سوق عربية موحدة. وهذا لا يتم بالطبع دون الاهتمام الكبير بالعامل المؤهل معلوماتياً والقادر على العطاء وإتاحة الفرصة للجاهزين من الخبرات العربية التي تهاجر مع عقلها لتخدم الاقتصاد الآخر. وطبعاً هذا كله مرتهن بتحديث عملي للقوانين الاقتصادية على مستوى الوطن العربي عله يكون لنا موطيء قدم في عالم صار الايقاع السريع منسياً أمام سرعة الأجهزة الرقمية. ـ كاتب فلسطيني