في ورقته التي قدمها الى ندوة (تنشيط التجارة البينية كأساس لسوق عربية مشتركة) حدد الدكتور معتصم رشيد سليمان مدير ادارة المال والتجارة والاستثمار بالجامعة العربية شروط اقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وقال إنها عبارة عن مجموعة من الشروط هي شروط هيكلية وشروط موضوعية. حول الشروط الهيكلية فصلها في أولا: توفر الارادة السياسية، اذ لا يمكننا اقامة منطقة تجارة حرة عربية دون قرار سياسى تتخذه الدول الراغبة في عضوية المنطقة، وقال: إن وجود قرار سياسى شرط ضرورى لاقامتها، وقد صدر هذا القرار في يونيو عام 1996، والشرط الثانى في ورقة الدكتور معتصم هو توفر السياسة بعد توفر القرار السياسي، والارادة السياسية هنا يعني الالتزام بتنفيذ القرار السياسى وتجسيده على أرض الواقع وليس مجرد صدور مثل هذا القرار. ويقول الباحث: انه في هذا الاطار يمكن القول ان الارادة السياسية للدول الأعضاء قد أصبحت متوفرة لاقامة هذه المنطقة وذلك باتخاذ هذه الدول للاجراءات التنفيذية لتطبيق البرنامج التنفيذى للمنطقة. ويشير الباحث في هذا الصدد الى أن الدول الأعضاء لا تحتاج الى التنازل عن جزء من السيادة الوطنية لصالح سلطة فوق قومية تقود عملية التكامل الاقتصادى حيث أن منطقة التجارة الحرة ليست سلطة فوق قومية ولكن كما يقول على الدولة أن تتخذ قرارات واجراءات تنفيذية تقلل من سيادتها على سياستها التجارية والمالية تجاه الدول الأطراف في منطقة التجارة الحرة ويضرب مثالا على ذلك أن التعامل التفضيلى في مجال تحرير التبادل التجارى بين الدول الأعضاء أصبح محكوما بحد أدنى، وهو الحد الذى توفره منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. والشرط الثالث الذي يقدمه الباحث في مجموعة الشروط الهيكلية هو وجود المرجعية القانونية لاقامة منطقة التجارة الحرة العربية، وقد تم الاتفاق بين الدول العربية على وضع برنامج تنفيذى لتفعيل الاتفاقية واقامة منطقة التجارة الحرة خلال فترة مدتها 5 سنوات وذلك استنادا لاتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجارى بين الدول العربية كإطار قانونى لاقامة منطقة التجارة الحرة العربية، حيث تضمنت الاتفاقية الموقعة في عام 1981 في مادتها السادسة، أحكاما تنشئ منطقة تجارة حرة، وإن لم تنص صراحة على مسماها. ويقول الباحث ان الشرط الرابع في مجموعة الشروط الهيكلية هو وجود البرنامج الزمنى لاقامة منطقة التجارة الحرة وهذا البرنامج الزمنى ضرورة أساسية للاعتراف الدولى بالاتفاقية (اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري) وقد أقر المجلس الاقتصادى والاجتماعى البرنامج التنفيذى لاقامة منطقة التجارة الحرة العربية واعتماد برنامج أمنى للتنفيذ مدته عشر سنوات. والشرط الرابع هو وجود قواعد منشأ تفضيلية للسلع العربية، وذلك لتحديد أهلية السلع العربية المتبادلة للحصول على الاعفاءات الجمركية والتعامل التفضيلى والامتيازات التى تتيحها منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وذلك حتى لا تتسرب مكاسب توسيع السوق العربية الى أطراف غير أعضاء في المنطقة، كما يسهل وجود قواعد منشأ عربية منح معاملة تفضيلية للدول العربية الأعضاء الأقل نموا، وتعتبر قواعد المنشأ ضرورية في حال وجود منازعات تجارية تنشأ عن تطبيق البرنامج التنفيذي، وكان غياب قواعد المنشأ أحد مبررات طلب الاستثناءات لعدد من السلع العربية بالاضافة الى اعتبار غيابها من عوامل عدم الالتزام بتطبيق اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجارى بين الدول العربية ويقول الباحث: ان المجلس الاقتصادى والاجتماعى بالجامعة العربية قد أقر في عام 1997 القواعد العامة لمنشأ السلع العربية لأغراض تطبيق البرنامج التنفيذى لاقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. والشرط الخامس والأخير في مجموعة الشروط الهيكلية كما أورده الباحث في ورقته هو الاطار المؤسسى الفاعل وهو يعتبر هنا المجلس الاقتصادى والاجتماعى هو جهة الاشراف الرئيسية على تطبيق منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، ويساعده في اداء مهامه لجنة التنفيذ والمتابعة التي يتبعها عدة لجان فنية وتنفيذية مثل لجنة المفاوضات التجارية، واللجنة الجمركية واللجنة الفنية لقواعد المنشأ العربية، وقد أنشأ المجلس الاقتصادى مؤخرا نقاط الاتصال لمنطقة التجارة الحرة داخل كل دولة كمرجعية قطرية لتوفير البيانات والمعلومات وتبادلها بين الدول الأعضاء ومع الأمانة العامة للجامعة، ومع القطاع الخاص في كل دولة، ويتولى جهاز الادارة العامة للشئون الاقتصادية في الجامعة العربية الأمانة الفنية لمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، إلا أن التطورات اللاحقة سوف ترتب ادخال تغيرات جوهرية على الهيكل المؤسسي. الشروط الموضوعية وفي مجموعة الشروط الموضوعية اللازمة لاقامة منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى تحدث الباحث عن أربعة شروط أولها: نظام اقتصادى يقوم على حرية السوق، حيث تستند منطقة التجارة في أساسها النظرى على نظرية التجارة الخارجية التي تقول بأن التخصص الانتاجى يتم وفق المزايا النسبية التي تتمتع بها كل دولة، وأن هذا التخصص لا يحدث إلا إذا توفرت شروطه في حرية انتقال السلع وسيادة مبادئ الحرية الاقتصادية، وأية قيود على حرية حركة السلع وحرية الأسعار والتحويلات تؤدى الى عرقلة اقامتها والى تشويه هيكل التجارة العربية البينية، وفي هذا المجال يرى الباحث: أن الدول العربية حققت خطوات هامة باتجاه تحرير اقتصادها بعد تبنى العديد منها لبرامج الاصلاح الاقتصادى والتصحيح الهيكلى مما ساعد في ازالة كثير من المعوقات التي اعترضت قيام منطقة تجارة حرة في فترات زمنية سابقة. وثانى هذه الشروط الموضوعية هو توفر انتاج سلعى قابل للتداول، ويقول الباحث: إن المقصود هنا هو أن تمتلك الدول العربية الأعضاء قواعد انتاجية زراعية وصناعية تنتج كميات من السلع تفوق حاجات الطلب المحلى لكل دولة، وأن تتمتع هذه السلع بالجودة وبأسعار تنافسية. ويقول الباحث: ان الدول العربية تمتلك فوائض سلعية وأن امكاناتها التصديرية تنمو بشكل مطرد حيث ارتفعت قيمة الصادرات الزراعية للبلدان العربية من حوالى 3.7 مليارات دولار أمريكى 1990 الى حوالى 4.6 مليارات دولار خلال 1995، و5.7 مليارات دولار في 1998، وحيث ان قيمة واردات السلع الزراعية لدول منطقة التجارة الحرة يصل الى حوالى 20 مليار دولار أمريكى سنة 1998 فإن ذلك يعبر عن مقاربة واقعية للامكانات التسويقية التي تتيحها منطقة التجارة الحرة العربية لصادرات السلع الزراعية أمام الدول الأعضاء فيها. ويشير الباحث الى أن الصادرات الصناعية للدول الأعضاء تصل الى حوالى 39 مليار دولار في سنة 1998 وأن واردات الدول الأعضاء من السلع الصناعية تصل لحوالى 102.7 مليار دولار فإن السوق التصديرية التي تتيحها المنطقة أمام المنتجات الصناعية تقدر بحوالى 62.7 مليار دولار في عام 1998. وثالث هذه الشروط الموضوعية كما وردت في ورقة الدكتور معتصم رشيد سليمان هو أن تبدأ منطقة التجارة الحرة العربية من مستوى تبادل مرتفع بين الدول الأعضاء فيها ويقول: ان الشائع أن نسبة التجارة العربية البينية لا تتجاوز 10% من اجمالى التجارة العربية الخارجية في أفضل حالاتها، وأنه اعتمادا على هذه النسبة المتدنية فإنه يصعب قبول فرضية وجود مصالح اقتصادية بين الدول العربية تفرض عليها اقامة منطقة تجارة حرة بينها، وبالتالى نحتاج الى فترة زمنية أطول لتزداد نسبة التجارة العربية البينية الى معدلات أعلى، وهنا يرى الباحث أنه لابد من تبنى نظرة ديناميكية للحكم على فاعلية منطقة التجارة الحرة العربية والخروج من اطار النظرة الاستاتيكية، فالنمو الاقتصادى عملية ديناميكية تحتاج بشكل متحرك الى توسيع السوق افقيا وعموديا، وعلينا التركيز على علاقة الارتباط بين النمو الاقتصادى وتوسيع السوق وبالتالى أثر توسيع السوق على زيادة الدخل والادخار والاستثمار والعمالة، وكذلك تحقيق وفورات في القطاعات الانتاجية. ورابع هذه الشروط الموضوعية في ورقة الباحث هو تقارب مستويات التطور الاقتصادي، ويوضح في هذا الشرط: ان عملية التكامل الاقتصادى في جوهرها هي اعادة تخصيص الموارد وفقا لمستويات التطور الاقتصادى بين الدول الأعضاء في التكامل وتتم اعادة التخصيص لصالح الطرف الأكثر تطورا، أى ان الدول الأكثر تطورا تجنى مكاسب أكبر من عملية التكامل الاقتصادى وهذا يجعل الدول الأقل تطورا تعزف عن الدخول في التكامل ما لم ينص على معاملة خاصة لها، أو تحدد لها برامج تنمية اقتصادية تتحمل جزءا من تكاليفها الدول الأكثر استفادة من عملية التكامل الاقتصادى (هذا ما تم في اطار السوق الأوروبية المشتركة) وفي اطار البرنامج التنفيذى للمنطقة فقد نص على معاملة خاصة للدول الأقل نموا، كما سعت الأمانة الفنية الى توفير مساعدات فنية من قبل البنك الاسلامى للتنمية للدول العربية الأقل نموا التي تتقدم بطلبات الانضمام الى منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. آثار التطبيق وفي ختام الورقة التي قدمها الدكتور معتصم آثر أن يتعرض لبعض قضايا التطبيق في أولا: أثر التخفيض في الرسوم الجمركية على أسعار السلع، ويقول في هذا الصدد أن الدول العربية الأعضاء في منطقة التجارة بدأت في يناير الماضى تطبيق الشريحة الرابعة من التخفيض المتدرج على الرسوم الجمركية، وعلى الرسوم والضرائب ذات الأثر المماثل، وبذلك تصبح نسبة التخفيض المتراكمة 40% على السلع العربية المتبادلة، ومن وجهة النظر الاقتصادية تشكل هذه النسبة تخفيضا مهما على أسعار السلع العربية المتبادلة، وتتناسب أهمية التأثير طرديا مع ارتفاع معدلات الرسم الجمركى المفروضة على السلع المستوردة قبل بدء عملية التخفيض المتدرج. ويشير الباحث أيضا الى أثر تطبيق التخفيض الجمركى بنسبة 40% على تكاليف الانتاج، ويقول ان المبدأ الأساسى الذي تقوم عليه منطقة التجارة هو التخصص الانتاجى وفق المزايا النسبية التي تمتلكها كل دولة لانتاج السلع المتبادلة في السوق العربية، أى أن كل دولة ستتخصص في انتاج السلع التي يمكنها انتاجها بتكاليف أقل، وبالتالى تقوم بتغطية الطلب المحلى والتصدير للدول الأخرى، وبالمقابل تستورد الدولة السلع التي لا تمتلك ميزة نسبية في انتاجها، وهذه العملية ستؤدى الى تخفيض أمثل للموارد وتحقق وفرا في التكاليف الاجمالية، وخفضا في أسعار السلع للمستهلكين، وفي المعوقات التي يثيرها الباحث أيضا وهو يتحدث عن قضايا التطبيق أن انخفاض نسبة التبادل التجارى بين الدول العربية لا يعود الى تماثل الانتاج وإنما يعود الى ارتفاع تكاليف انتقال السلع عبر الدول العربية، ليس مجرد تكلفة الشحن وإنما أيضا رسوم وأجور وضرائب وتكاليف تأخير على المنافذ الجمركية، ويقول انه لم يسبق أن تم التعامل مع مثل هذه الأنواع من الرسوم والضرائب في الاتفاقات السابقة التي نادت بالتكامل الاقتصادي، وقد ظهرت هذه المعوقات مع التقدم في تطبيق البرنامج التنفيذى لمنطقة التجارة الحرة، وبالتالى يتم في اطار البرنامج التنفيذى دراسة هذه الأنواع من المعوقات.