إن التكامل الاقتصادي العربي هو طموح ما زالت تعترضه جملة من المعوقات. «الملف» حاور الاقتصادي البارز، مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة الفلسطينية غازي الصوراني الذي يرى توجهاً شعبياً عربياً قوياً لتحقيق التكامل والوحدة الاقتصادية رغم المعوقات التي من أبرزها الاستجابة لسياسات العولمة التي تعني المزيد من تكريس وتعميق التبعية بأشكال مختلفة وجديدة. وأشار إلى وجود معوقات أولية من حيث المبدأ يمكن أن تعبر عن وجود نظام اقتصادي عربي قيد التشكيل. وحذر الصوراني بعد ان فصّل في معوقات تحقيق التكامل المنشود من جملة مخاطر جدية قد تؤدي إلى تزايد حجم الديون الداخلية والخارجية للعديد من الدول العربية وكذلك انهيار الصناعات العربية لصالح الدور الإسرائيلي المركزي الذي يسعى للهيمنة على النظام الاقليمي الشرق أوسطي كله. وحمّل ضعف المقاطعة العربية لإسرائيل مسئولية كبيرة في ذلك ولا يرى الصوراني ان الارادة العربية يمكن أن توقف تأثير كل العوامل الخارجية المعيقة للتكامل الاقتصادي. وقال مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة إن التكامل الاقتصادي هو أحد مكونات الهوية العربية في مرحلة العولمة الراهنة إذ اننا على الصعيد العربي لهذه المرحلة بحاجة ماسة إلى تفعيل المكونات الأساسية لهذه الهوية العربية التي تتخذ من التوجه السياسي والانتماء العربي والثقافة المشتركة أو التوحد تجاه التحديات الخارجية والتكامل الاقتصادي. وأضاف ان هذه المكونات يجب أن تتحمل النخب المثقفة والسياسية العربية مسئولية التفاعل فيما بينها لكي يصبح الحديث عن التكامل الاقتصادي أمراً قابلاً للتحقيق. وأشار إلى انه طالما الامر كذلك بمعنى توفر كافة الشروط والمقومات اللازمة للوحدة السياسية والتكامل الاقتصادي إلى جانب التوحد الثقافي والانتماء والتوحد في مواجهة التحديات الخارجية فإنني أعتقد ان هناك فعلاً توجهاً عربياً يتوقف عند المستوى الشعبي باتجاه اقامة هذه الوحدة السياسية والتكامل الاقتصادي اضافة إلى ذلك فإنني أرى ان هناك مقومات أولية من حيث المبدأ يمكن ان تعبر عن وجود نظام اقتصادي عربي قيد التشكيل والتكوين. وساق الصوراني بضعة امثلة منها، أولاً: ان التكامل يحتاج من النظام العربي عموما الخروج من حالة التبعية والتخلف والتجزئة باعتبار ذلك من اهم العقبات التي تواجهنا الآن في ظل العولمة. ثانياً: ان أولى الخطوات على طريق التكامل الاقتصاد العربي تتمثل في تفعيل التعاون الاقتصادي العربي المشترك، لكن للأسف فإن معطيات الواقع العربي الراهن لا تقدم لنا سوى المزيد من تراكم السلبيات السياسية عموماً والاقتصادية بصورة خاصة وهذا يتضح عبر تحليلنا للممارسات الواقعية لما يسمى نظرياً بالتعاون الاقتصادي العربي حيث يمكن ان نستنتج عبر ذلك التحليل الكثير من المعوقات على النحو التالي: 1ـ لقد هبطت مساهمة الناتج الاجمالي العربي في اجمالي الناتج العالمي من 3% عام 1993 حيث بلغ 650 مليار دولار هبطت إلى 2.1% عام 1997 حيث بلغ 599 مليار دولار حسب التقرير الاقتصادي العربي الموحد. وقال الصوراني أتوقع الا ترتفع هذه النسبة بسبب ذلك الارتفاع المتزايد في حجم الناتج الاجمالي العالمي، وفي هذا الجانب انخفضت مساهمة التجارة الخارجية العربية في التجارة العالمية من 3.4% في عام 1992 إلى 2.9 في عام 79 وفي تقديرنا اذا قدر لهذه النسبة ان تزيد في عام 2001 فإن هذه الزيادة ستكون ناتجة عن تزايد واردات النظام العربي للتجارة الخارجية. 2ـ تزايدت نسبة وحجم البطالة العربية إلى أكثر من 15% من حجم قوة العمل العربية التي اعتقد انها الآن وفي منتصف 2001 تصل إلى 100 مليون عامل أي ان عدد العاطلين عن العمل قد يزيد على 14 ـ 15 مليوناً يعيلون ما لا يقل عن 75 مليون نسمة. وتساءل الصوراني: أمام هذه الصورة كيف يمكن الحديث عن التكامل الاقتصادي؟ وتوقع المزيد من الاتساع في الفجوة الغذائية بحيث تصل إلى 18 مليار دولار نهاية هذا العام حيث سبق أن وصلت في عام 1998 إلى 12.4 مليار دولار. وأكد في هذا السياق ان الحديث لا يتوقف عند الفجوة الغذائية بالنسبة للقصور العربي اي يمتد للحديث عن الفجوة العلمية وتأثيراتها على التطور الاقتصادي، الاجتماعي، ويمكن القول انه بصدد الفجوة العلمية بين مجموع الدول العربية والعالم هائلة بالمعنى الكمي والنوعي ومقياس ذلك تلك الفجوة بين مجموع الدول العربية وإسرائيل التي تقوم بإصدار اكثر من 10 آلاف بحث علمي في كافة القضايا والعلوم الحديثة فيما لم تقدم الدول العربية في مجموعها أكثر من 8 آلاف بحث علمي وان ذلك مرهون بالطبع بالتراجع في وتيرة التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العربي إلى جانب انه مرهون بمدى انفاق الدول العربية على البحث العلمي وهو ضئيل جداً لا يتجاوز 02.% من الناتج الاجمالي المحلي العربي فيما المعدل العام لهذه النسبة في البلدان المتقدمة لا يقل عن 1.5% وفي إسرائيل تصل هذه النسبة 3%. ثالثا: إذن في ظل العولمة اقول ان استمرار استجابة النظام العربي لسياسات العولمة وركائزها الثلاث الاساسية الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة الدولية فهذا يعني المزيد من تكريس وتعميق التبعية فيه عبر اشكال جديدة وانقسامات داخلية جديدة ايضاً سواء بين أقطاره أو في داخل القطر الواحد. وبالتعريج على الحالة الفلسطينية في هذا الصدد ذكر الصوراني ان فلسطين تحتاج إلى 1.5 مليار دولار سنوياً كاستثمارات من أجل تأمين شبه نمو في حدود 6% فقط. وأبدى الصوراني مخاوف جدية في ظل التبعية للوطن العربي ان يتزايد حجم الديون الداخلية والخارجية للعديد من الدول العربية الفقيرة إلى أكثر من 800 مليار دولار وربما سيزداد عدد الدول العربية التي لن تستطيع سداد فوائد ديونها، ناهيك عن اصول الديون ما يعني المزيد من التبعية والخضوع لشروط العولمة والبنك والصندوق الدوليين من جهة والمزيد من الانقسام والانشقاق الداخلي في جسم البلدان العربية من جهة أخرى. وقال: ستتعرض معظم الصناعات العربية خاصة بعد عام 2005 وفي ضوء إلغاء الحدود الجمركية وفتح الاسواق بلا قيود امام المنتجات الاجنبية ستتعرض لانهيارات شبه شاملة نتيجة إغراق السوق المحلية بمختلف السلع الاجنبية، وبالمقابل ستتراجع القوة التصديرية العربية (ما عدا النفط) وكل ذلك سيكون لحساب الدور الإسرائيلي المركزي الذي يسعى إلى الهيمنة على النظام الاقليمي الشرق أوسطي كله. وأضاف: لقد بات واضحاً ان إسرائيل تتعامل مع الدول العربية اليوم باعتبارها اطرافاً متخلفة فاقدة للإرادة والقوة ومقومات التطور الحضاري والديمقراطي وعلى أساس انها القوة المركزية في المنطقة. وللأسف فقد انعكست بعض العلاقات العربية الرسمية مع إسرائيل في العقد الأخير تحت عنوان خيار السلام بصورة ايجابية إلى حد كبير وأحادية إلى حد كبير ايضا بمعنى ان الشعب الفلسطيني ما زال محروماً من تحقيق دولته المستقلة ونيل حريته، بينما وفر عدم انهاء المقاطعة العربية على إسرائيل حسب الخبراء العرب حوالي 45 مليار دولار سنوياً عدا عن تزايد حركة التجارة العربية الإسرائيلية. وقال الصوراني: طالما اننا نتحدث عن التكامل الاقتصادي العربي ومدى ارتباطه بالواقع الفلسطيني الذي نعايشه عبر هذا العدوان الهمجي اليومي للاحتلال الإسرائيلي على شعبنا فإن من الواجب التذكير بموضوع البطالة المتفاقمة في أراضي الحكم الذاتي هذه الأيام والتي بلغت حداً لا يجوز الصمت عليه فقد بلغ عدد العاطلين عن العمل ما يزيد على 300 ألف عامل وهؤلاء لا يشكلون سوى نسبة تقل عن عشرة بالمئة من مجموع العمالة الاجنبية في السوق العربية. ورداً على سؤال حول العوامل الخارجية التي تؤخر التكامل الاقتصادي العربي، قال الصوراني: لا أعتقد ان هناك عوامل خارجية قادرة على تعطيل هذا التكامل اذا توفرت الارادة العربية الداخلية لتحقيق هذا الهدف. وأضاف: اننا كعرب نملك امكانات كبيرة قياساً ببلد مثل الهند والصين، وهما دولتان متقدمتان جداً الآن بالرغم من العوامل الخارجية وشروط العولمة. وأوضح الصوراني نحن نلاحظ ذلك التقدم التكنولوجي والاقتصادي والصناعي حتى على صعيد الفضاء والأقمار الصناعية علماً بأن الناتج السنوي المحلي الاجماعي لدولة الهند لا يتجاوز 325 مليار دولار في حين ان الناتج السنوي المحلي العربي ربما يتجاوز في عام 2000 الرقم 750 مليار دولار، اما الصين فإن ناتجها السنوي المحلي لا يزيد أبداً عن اجمالي الناتج المحلي العربي وهي تسعى جاهدة عبر تخطيطها للمستقبل لكي يصبح دخلها القومي 8.5 تريليونات دولار عام 2025. واعتبر ان المشكلة الكبرى هي في اهدار الأموال على الانفاق الجاري غير الرأسمالي بصورة غير مقبولة. وقال: أعتقد اننا بحاجة إلى قليل من التخطيط أو الرؤية الفعلية لمصالحنا القومية والقطرية لكي نشق طريقنا نحو التطور والصمود في وجه شروط العولمة. وأضاف: وأرى اننا نملك القدرات والامكانات التي يمكن ان ترفع الناتج المحلي الاجمالي العربي من 750 مليار دولار حالياً إلى 1.5 تريلون دولار على الأقل خلال السنوات العشر المقبلة وذلك باللجوء إلى بعض الاجراءات العملية في مواجهة هذه التبعية وهذا الانفتاح غير المحدود مع السوق الغربية الاستهلاكية. وفي ختام الحوار، شدد الصوراني على أنه آن الأوان لوقف استفحال ظاهرة اندماج أسواق المال العربية في الأسواق الدولية وكذلك الاقتصاد العربي بهذه الصورة الأحادية وذلك عبر اعتماد سياسة التكامل والاعتماد الجماعي العربي على الذات دون قطيعة بالطبع مع السوق العالمية، لكن بما يخدم المصالح القطرية القومية أولاً، كما آن الأوان لتفعيل القرارات الخاصة بمشاريع التكامل الاقتصادي العربي المتعددة التي جرى اقرارها على الورق طوال حقبة تاريخية تمتد منذ عام 1950 عندما تقرر انشاء المجلس الاقتصادي العربي ثم اتفاقية التجارة 1993 واتفاقية الوحدة الاقتصادية 1957 وقرار السوق العربية المشتركة 1964 واتفاقية الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي 1967 ومركز التنمية الصناعية العربي 1968 والمنظمة العربية للتنمية الزراعية 1996 وصولاً إلى مصادقة 18 دولة عربية على اتفاقية تسيير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية.