لم تعد قضية التكامل الاقتصادي العربي ملفا لدولة عربية دون شقيقة اخرى غيرها.. ولم يعد تباين وجهات النظر، بين حكومات المنطقة العربية سببا لتأجيل البدء في بناء صرح لوحدة مصالح عربية، ترعى مختلف الجوانب التجارية والعلمية والفنية لتلبية احتياجات الشعوب العربية.. كما ان عجلة العولمة والتنمية الدولية تدور بسرعة تستوجب ان يكون للعرب خط تماس معها، ان لم يواكبها على كافة محاورها، فان الحد الأدنى للتطور الاقتصادي العربي ينبغي ان يسير معها على التوازي، فهل توجد معوقات امام حدوث تكامل اقتصادي عربي؟ حول هذا السؤال وغيره يطرح «الملف السياسي» هذه القضية الملحة، في حوار مع الدكتور «روود بلاس» خبير التنمية الاقتصادية بمؤتمر العولمة، فقال: التحرك العملي السريع لبداية حدوث تواصل عربي ـ عربي، مستمر بضمانات لا تخضع بحال من الاحوال لمتغيرات سياسية تؤدي لتجميده، ولا تواصل بدون تأمين اتصالات جماهيرية دائمة، عبر كل وسائل النقل والمواصلات المتاحة حاليا، والواجب استحداثها في القريب العاجل ببلادكم، فوجود شبكة سكك حديدية تسهل عمليات النقل معتدلة الأسعار للمواطنين العرب والبضائع، وتساهم في: تطور سريع لحركة البناء والتعمير. ولو نظرنا جغرافيا ـ كنموذج ـ لطبيعة الارض بين ليبيا ومصر والسودان، لوجدنا ان الثروات الطبيعية المتاحة للبلاد الثلاثة، وتوافر عناصر الزراعة، والطاقة البشرية، والخبرات الفنية، والأموال اللازمة، وبدون ادنى مبالغة دون الاستعانة بالخارج «وليس معنى ذلك ان في عملية الاستفادة بالخبرات الخارجية حال احتياجها عيبا عليكم»، تستطيع هذه الدول توفير مصادر غذائها، والكل يعرف ان من يملك غذاءه يملك امنه، فمصر التي تعاني من البطالة، ويخرج من جامعاتها ومعاهدها العليا عشرات الالاف سنويا بحثا عن عمل، والسودان بارضه الزراعية الخصبة، وليبيا بثروتها النفطية، يكفي ذلك لحدوث تنمية تكاملية سريعة، وتكون واحدة من البدايات المطلوبة هي انشاء سريع لشبكة سكك حديدية تربط البلاد الثلاثة، فمدينة الاسكندرية يوجد بها ميناء كبير، يسهل خروج البضائع في الحاويات مباشرة لعربات القطارات التي تنتقل لليبيا. واضاف: انا لا اريد الخوض في طرح افكار ربما لا تصلح لبلادكم، لكن توجد اشياء اساسية لا ترتبط بشعوب دون غيرها، وقصدي من النموذج السابق ذكره باختصار هو وضع ركيزة لخطة تنمية تكون جزءاً من مشروع تطوير تكامل عربي شامل، يحول دون التعارض المستقبلي، فلو كنت انا المعني بالقضية سأبدأ في عمل مسح شامل للبلاد الثلاثة يتضمن اجابة الأسئلة التالية: ـ ماذا يحتاج سوق العمل لخبرات ومهن فنية؟ ـ هل ما يحتاجه سوق العمل في ليبيا والسودان ومصر متوافر؟ ـ هل من الممكن توفير الاحتياجات من سوريا والاردن مثلا؟ ـ ما هو حجم البطالة ؟ وما هي المشروعات المطلوبة لتشغيلها؟ ـ هذه بعض من البديهيات، لكن تبقى مشاكل سياسية وسيكولوجية عالقة لابد من التطرق اليها والاتفاق على ايجاد حلول لها. ـ ماذا تقصد بالتحديد؟ ـ انطلاقا من النموذج الذي طرحته انا عن الدول الثلاث المجاورة، وفقا للمعلومات المتوافرة لدينا توجد ازمة ثقة بين حكومتي مصر والسودان، فمصر التي تحتضن جانباً من المعارضة السودانية وتوفر لها النشاط من على اراضيها، وتمدها بالمال اللازم، ومشكلة جنوب السودان وعدم التوصل لحل لها بين الحكومة وجون قرنق، ومشكلة الحدود مع مصر الخاصة بمنطقة حلايب وشلاتين، والاعتقاد الليبي ان مصر طامعة في ثرواتها النفطية، نظرا لتعداد السكان القليل والدخل المرتفع، وهو الأمر المعكوس تماما في مصر، ومخاوف ليبيا من زيادة العمالة المصرية في اراضيها، والدعم الليبي للسودان بهدف تحقيق حلم الاتحاد الافريقي، ومساعدة النظام الاسلامي في السودان، هذه المشاكل لابد من التوصل لحلول لها، والقفز فوقها، وبصراحة شديدة لكم الاستفادة بنموذج الاتحاد الاوروبي. ـ وهل يصلح النموذج الأوروبي للبلاد العربية؟ ـ بالتأكيد فنحن في أوروبا لنا مذاهب وبعض الديانات المختلفة، ونتحدث لغات مختلفة، وكانت بيننا حروب دامية في ماضي ليس بالبعيد، واستطعنا التغلب على كل ذلك وتوصلنا لمنظومة اقتصادية وسياسية بل وأمنية تكاملية تحقق مصلحة واستقرار شعوب اوروبا، وتنقل الافراد شعوب الدول أعضاء الاتحاد الاوروبي تتم دون عناء، فالسفر عبر الحدود المفتوحة بجواز سفر أو تحقيق شخصية بين 15 دولة يتم بدون فيزة، وستكون لنا عملة أوروبية واحدة هي اليورو الذي سنتعامل به كمواطنين بداية العام المقبل، ومازلنا على الطريق نعالج ونستمر في التنمية، اما الشعوب العربية بلغتها الواحدة، وعادات وسلوكيات متشابهه لحد كبير، وطبيعة ارض غير متنافرة، وكثير غير ذلك المفروض انكم تعرفونه اكثر منا، لذلك فتحقيق التكامل العربي الاقتصادي ممكن واسهل من الطريق الذي قطعته اوروبا، لكن اتصور ان العقبات ليست عند الشعوب العربية، بل هي سياسية مشوبة بأزمات ثقة لدى الحكومات العربية فيما بينها بالدرجة الأولى. ـ اذن هل تعتقد ان السياسة تسبق الاقتصاد ام ان البداية لتكامل اقتصادي يؤدي لوحدة سياسية؟ ـ في ظل نظام العولمة، وتدفق حرية تبادل المعلومات، لابد قبل السياسة وقبل الاقتصاد ان نتحدث عن الانسان، المواطن.. الذي بدونه لا تقوم قائمة لسياسة سوية او اقتصاد ناجح ، لا في البلاد العربية ولا في اي مناطق اخرى بالعالم، فيسبق كل من الاقتصاد والسياسة قضية الحرية والديمقراطية، فهما اهم عناصر التنمية، فحينما يكون المواطن آمن على حياته وامواله ويستطيع التعبير عن رأيه بحرية، دون التعرض لأي نوع من المخاطر، ينتج بجدية اكثر، ويتجاوب مع مشروعات التنمية في بلاده، بعد ذلك قد تسبق السياسة وتضع خططاً ومشروعات، او قد يسبق الاقتصاد ويحقق الاستقرار السياسي، الحكم في ذلك يكون مرتبط بالمناخ العربي، وهو امر يتطلب اعداد الجماهير، وتخصيب الرأي العام كي يتقبل ويفهم ان التكامل الاقتصادي العربي في صالحه، ويحقق له واولاده حياة مستقرة، لكن اكرر ان المهم اولا ازالة مخاوف الحكومات وحل ازمة الثقة بين الانظمة العربية. وحول ازالة مخاوف الحكومات وحل ازمة الثقة بين الانظمة العربية قال: لا انكر ان الدول الخليجية المنتجة للنفط، والتي تتمتع بثراء اكثر من دول عربية اخرى، لها مخاوف بعضها حقيقي، وأخرى مبنية على أوهام، وثالثة بسبب سوء الفهم والرواسب التاريخية، فمن الطبيعي جدا ان تخشى دول النفط فتح الحدود، وليس من المعقول ان تتم بين ليلة وضحاها اتفاقية شنجن عربية، وليس من المفيد حدوث هجمات لعمالة غير منظمة من الدول المجاورة لها،لكن من المهم جدا تحديد احتياجات هذه الدول للعمالة المُدربة، واستقدامها من المنطقة العربية، الامر الذي يساعد على حل مشاكل الفقر والبطالة، وفي حالة عدم وجود خبرات عربية تسد العجز والاحتياجات اللازمة لسوق العمل بها، فعليها ان تساهم بالأموال في انشاء مراكز تدريب سريعة في الدول التي تعاني البطالة، على ان يواكب ذلك عملية فتح الحدود تدريجيا، عن طريق مزيد من التسهيلات في اجراءات السفر والانتقال، تتطور بعدها لحرية الانتقال اسوة بالاتحاد الأوروبي، كما يجب تقنين التعاملات ووضع اطار واضح لها اتصور انه الحل لازالتها، اما سوء الفهم فهذه قضايا سياسية بحتة اعتقد ان مراكز الأبحاث السياسية والتاريخية في الدول العربية، وكذلك كبار وخبراء الدبلوماسية العربية قادرة على ازالتها. أجرى الحوار في هولندا: د. سعيد السبكي