تبدو الحاجة ماسة وملحة الى تفعيل التكامل الاقتصادي العربي في ظل التطورات أو التغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية، حيث تتجه كافة التجمعات الإقليمية الى التكتل اقتصاديا وسياسيا فهناك تكتل أوروبا الموحدة الذي أصبح أقوى التكتلات الاقتصادية العالمية. ولا ننسى تكتل النافتا الذي يضم في عضويته كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك والذي يضع سياسات طموحة تأمل أن يضم هذا التكتل عددا كبيرا من الدول المتقدمة والنامية في المستقبل. وذلك بالاضافة الى تكتل الآسيان وتكتلات دول أمريكا اللاتينية ودول البحر الباسيفيكي وتكتلات الكوميسا وغيرها من التكتلات داخل القارة الافريقية. وترجع اهتمام الدول الصناعية المتقدمة وغيرها بالتكتلات الاقتصادية الى حرصها على الاستفادة من الاستثناء من شرط الدولة الأولى بالرعاية المقرر في اتفاقية الجات وأحكام منظمة التجارة العالمية للتكتلات الاقتصادية والتي تصبح دولها غير ملزمة بمنح المعاملة التفضيلية التي تعطيها للدول الأعضاء في التكتل لبقية الدول الأعضاء في تلك المنظمة. ولم يعد التكتل في عالم اليوم قاصرا على الدول فقط بل امتد الى المشروعات الاقتصادية المختلفة مثل المشروعات الصناعية والبنوك والشركات المالية وشركات التأمين وغيرها والتي بلغت رؤوس أموال بعضها بعد الاندماج عدة تريليونات من الدولارات (آلاف المليارات دولار) وهو ما يصل الى نصف الدخل القومي لعدة دول نامية. وعلى صعيد التكامل الاقتصادي العربي نجد أن هناك مقومات متعددة لحدوث التكامل الفعال واحياء فكرة السوق العربية المشتركة التي تقرر انشاؤها عام 1964 ولم تر النور حتى الآن ولعل أهم معوقات التكامل الاقتصادي العربي والتي هبطت بحجم ونسبة التجارة البينية العربية الى أدنى المستويات الدولية حيث لا تتجاوز هذه النسبة 9 ـ10% خلال حقبتي الثمانينيات والتسعينيات هي: أولا: الطابع التنافسي للاقتصاديات العربية حيث نجد أن عددا كبيرا من هذه الدول يعتمد نشاطه الاقتصادي على قطاع النفط الخام وتصنيع المشتقات البترولية دون الاهتمام بانشاء صناعات متميزة على أساس المزايا التنافسية لكل منها ومن ثم اتجهت تلك الدول الى استيراد احتياجاتها من السلع الصناعية من الدول الصناعية المتقدمة ومن الدول التي لديها زراعة قوية مثل كندا وهولندا واستراليا والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وغيرها. ثانيا: تباين النظم الاقتصادية للدول العربية خلال السنوات الماضية حيث كانت هناك دول تعتمد على تطبيق النظام الاشتراكي الذي لا يسمح للقطاع الخاص في الداخل أو القطاع الخاص العربي بالاستثمار داخل حدود البلاد بسبب سيطرة الحكومات على كافة وسائل الانتاج ومن ثم اتجهت المدخرات العربية الى البحث عن فرص الاستثمار المباشر أو غير المباشر خارج الوطن العربي حيث الربحية والأمان من المخاطر. ثالثا: عدم وجود بنية أساسية عربية لتحقيق ركائز التكامل مثل وجود مشروعات عربية مشتركة أو أسواق مال عربية نشيطة أو بنوك عربية متكاملة وعلى درجة عالية من الكفاءة بل من المؤسف أن بعض البنوك العربية ساهمت في هروب رأس المال العربي للاستثمار خارج الوطن العربي مدفوعة بالرغبة في الارباح وبسبب وقوعها تحت الادارة الأجنبية التي تنحاز غالبا الى مصالح الدول الأوروبية والأمريكية. ولم يقتصر نقص البنية الأساسية للتكامل على ذلك بل شمل ضعف امكانيات الصناديق المالية والنقدية القطرية وضعف مستوى وكفاءة مشروعات المرافق العامة والبنية التحتية في الدول العربية، فضلا عن انخفاض مستوى الانتاجية للعمالة العربية مقارنة بالمستويات العالمية ومستويات انتاجية العمالة في بعض الدول النامية الآسيوية مما جعلها تتجه الى استيراد الأيدي العاملة من الدول الآسيوية واحلالها محل العمالة العربية الوافدة من الدول العربية ذات الكثافة السكانية العالية. رابعا: استنزاف موارد الدول العربية المالية والنقدية في حروب ضارية مع الكيان الصهيوني الغادر وحلفائه من ورثة الاستعمار القديم كالولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها الأمر الذي ادعى الى حرمان الدول العربية من فرصة استثمار الأموال التي جرى انفاقها على السلاح والجيوش في مجالات انتاجية مفيدة للاقتصاد القومي فضلا عن جعل مناخ الاستثمار في الوطن العربي بصفة عامة وفي منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة غير مشجع أو موات للاستثمار الأجنبي المباشر أو غير المباشر. خامسا: تباين النظم السياسية بين الدول العربية الواقعة شرق قناة السويس عنها في الدول العربية الواقعة غرب قناة السويس مع وجود خلافات شخصية بين الحكام العرب انعكست بشكل سلبي على الخطوات العملية لبعض مشروعات التكامل الاقتصادي حيث جرى تجميد انشطتها ومصادرة ممتلكاتها لأسباب وخلافات سياسية الأمر الذي جعل مشروع انشاء السوق المشتركة حبرا على ورق. سادسا: افتقار الدول العربية الى وجود ركائز للتكنولوجيا والبحث العلمي جعلها مستوردة للتكنولوجيا المستوردة بشروط باهظة مضادة فضلا عن تقادمها ومن ثم عدم القدرة على انتاج منتجات عربية قادرة على الاحلال محل الواردات أو مقابلها للتصدير الى بقية الدول العربية الشقيقة والتي فضلت استيراد منتجات التكنولوجيا الأوروبية والأمريكية في صورة سلع معمرة واستهلاكية ورأسمالية. ولقد ترتب على ذلك أيضا عدم القدرة على انتاج منتجات عربية المنشأ ومن ثم عدم إعطاء شهادة منشأ عربية من دولة عربية الى أخرى مما جعلها تقتنع بأن زيادة التجارة العربية البينية يعني زيادة ترويج المكونات الأجنبية المستوردة والتي تمثل الوزن الأكبر في المنتجات المنتجة داخل الدول العربية أي أن زيادة التجارة العربية تصبح في مصلحة الدول غير العربية بدلاً من تحقيق مصالحها. وعندما أدركت الدول العربية صعوبة تحقيق حلم التجارة الحرة الثنائية واللجان العليا للتعاون الاقتصادي بقوة دفع من الحكام العرب المخلصين لدعم الوحدة والقومية العربية ونبذ فكرة التعاون الشرق أوسطي التي روج لها شيمون بيريز لزرع اسرائيل الصهيونية المعادية داخل الكيان الاقتصادي للدول العربية تحت زعم اقامة دعائم للسلام والتعاون في الشرق الأوسط وشمال افريقيا والتي بدأت بالمؤتمرات الاقتصادية عام 1994، 1995، 1996 ثم 1997 والتي باءت بالفشل الذريع وأبرزت حاجة العرب الى التضامن والتعاون في مواجهة التهديد الخارجي. ب اقامة منطقة تجارة حرة عربية كبرى اعتبارا من أول يناير 1998 بحيث يتم ازالة الجمارك تدريجيا خلال عشر سنوات تنتهي عام 2007 بحيث يكون قيمة رسوم الجمارك صفر في نهاية المدة المحددة وقد وافقت حوالي 18 دولة عربية على الانضمام الى المنطقة الحرة مع تحديد السلع التي تطبق عليها تلك التخفيضات وهي 10% كل عام. ولكن تجربة التطبيق أوضحت عدم جدية بعض الدول العربية الموقعة على الاتفاقية في تنفيذ ما وقعت عليه كما أن بعض الدول غير منتظمة في الوفاء بالتزاماتها فضلا عن زيادة عدد الاستثناءات من السلع التي لا تطبق عليها نسب التخفيض بحيث أصبحت الاستثناءات هي القاعدة تحت ذرائع وأسباب متعددة. ج ـ الاتجاه الى اقامة مشروعات مشتركة عربية تعتمد على تكامل رأس المال العربي في بعض الأنشطة الزراعية والصناعية في المدن والمجتمعات الجديدة في مصر والمغرب وتونس وسوريا وأراضي الحكم الذاتي وغيرها. د ـ التنسيق والتعاون والربط بين بعض البورصات العربية مثل البورصة المصرية وبورصة الكويت وبورصة بيروت وبورصة البحرين، وتونس وغيرها.. مع وجود اتجاهات الى تعاون صناديق الاستثمار العربية والبنوك العربية لجذب رؤوس الأموال العربية بهدف الاستثمار المباشر وغير المباشر داخل الدول العربية. هـ ـ الاتجاه الى اقامة مشروعات الربط الكهربائي بين بعض الدول العربية مثل مصر وسوريا والأردن ولبنان والمشروع المشترك لنقل الغاز الطبيعي من مصر الى بعض الدول العربية الشقيقة وتركيا واقامة موانئ محورية تساهم في زيادة حركة النقل وتجارة الترانزيت العربية وخدمة الدول العربية مجتمعة. ولاشك أن تلك الصيغ الجديدة تؤدي الى تحقيق نتائج ايجابية مهمة في المستقبل القريب والبعيد متى صدقت النوايا. ـ أستاذ الاقتصاد وعميد مركز البحوث بأكاديمية السادات للعلوم الادارية في مصر w