يحتل الوطن العربي موقعا جغرافيا متميزا يؤهله للقيام بدور مهم على الساحة الدولية، ويتحكم في مواقع استراتيجية ، مهمة للتجارة العالمية مثل قناة السويس ومضيق باب المندب، كما يتمتع بثروات اقتصادية هائلة وعلى رأسها النفط، ولكن اذا نظرنا الى الموقع الاقتصادي العربي على الساحة العالمية، نجده قزما اقتصاديا في مواجهة تكتلات اقتصادية كبيرة، ويسير في الاعتماد على الاستيراد دون تطوير تكنولوجيا تمكنه من التصنيع الموجه للتصدير والمنافسة في الاسواق العالمية، ونجده مفككا اقتصاديا ولا يشكل تكتلا اقتصاديا في مواجهة التكتلات الاقتصادية الأخرى. واذا كان الهدف الرئيسي لجميع دول العالم بلا استثناء هو العمل على توسيع الأسواق أمام تجارتها واستثماراتها، فيما هو معروف حاليا بالتكتلات العالمية التي بدأت إقليمية في غرب أوروبا وشمال أمريكا وجنوب شرق اسيا، فاذا بها تصبح عابرة للاقاليم والقارات، وذلك من خلال منطقة التجارة الحرة بين الأمريكتين الشمالية والجنوبية، وعبر المحيط الهادي من خلال التجمع الاقتصادي الآسيوي الباسيفيكي، فعلى المستوى الإقليمي كذلك نجد هناك مشروعات عديدة لاعادة تشكيل الإقليم الذي نعيش فيه، تتخذ لها مسميات مختلفة (شرق أوسطية) أو (متوسطة)، فضلا عن غيرها في منطقة المحيط الهندي، وكلها تتجاذب العالم العربي من اطرافه وقلبه أيضا. ان هذه التحولات العالمية والتوجهات الإقليمية، تدفعنا الى التسليم بالضرورة القصوى لاقامة سوق عربية مشتركة، تكون حجر الزاوية في بعث الفكرة العربية، وتكون السد المنيع لحماية المصالح العربية، وفقا لمتطلبات القرن الجديد. ولا يخفى أن مرحلة السوق المشتركة تقع اقتصاديا في نقطة متوسطة على سلم مراحل التكامل الاقتصادي، التي تبدأ بمنطقة التجارة الحرة، والتي تعني التحرير الكامل للتجارة من كافة القيود والرسوم الجمركية والقيود غير الجمركية. ومن المعروف أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للجامعة العربية قد تبنى البرنامج التنفيذي لاقامة منطقة التجارة الحرة العربية بين كل الدول العربية بشكل تدريجي خلال عشر سنوات تبدأ في مطلع عام 1988 وبواقع 10% سنويا،ووافقت عليه 16 دولة عربية، لكنه يواجه حاليا عددا من الصعوبات تعوق تنفيذه بشكل سلس. وكان المأمول أن يتم تطبيق منطقة التجارة الحرة فوريا، دون الحاجة الى مراحل متدرجة وجدول زمني، لأن ذلك هو الأفضل اقتصاديا لاكتساب الأثر الايجابي المكثف للاعفاء من الرسوم والقيود، اضافة الى تدابير لتنمية التبادل التجاري. أما المرحلة الثانية من مراحل التكامل الاقتصادي المنشود، فهو اقامة الاتحاد الجمركي العربي، الذي يعني توحيد التعرفيات الجمركية الوطنية في تعرفة جماعية خارجية واحدة، وتنسيق السياسات والأنظمة والاجراءات التجارية والجمركية فيما بين الدول العربية الأطراف وتجاه العالم الخارجي. ثم تأتي السوق العربية المشتركة كمرحلة تالية، يتم خلالها تحرير حركة العوامل والموارد الاقتصادية وأهمها رؤوس الأموال والاستثمارات والعمالة والخدمات وحرية ممارسة النشاطات الاقتصادية والمهنية (المواطنة الاقتصادية)، وتنسيق الأنظمة والتشريعات والسياسات الاقتصادية المطبقة في الدول الأطراف، والعلاقات الاقتصادية تجاه العالم الخارجي، وبرمجة القطاعات الاقتصادية المشتركة ذات الأولوية الجماعية والقطرية. ويعقب مرحلة السوق المشتركة اقامة الاتحاد الاقتصادي العربي، اذ تتوحد بموجبه الأنظمة والتشريعات والسياسات الاقتصادية، وتمنح فيه سلطة فوق الحكومات للأجهزة التنفيذية المشتركة في مختلف المجالات الاقتصادية، وكذا اقامة سلطة قضائية محليا ذات اختصاصات محددة في كافة المجالات الاقتصادية (هيئة تحكيم أو محكمة)، تكون احكامها ملزمة وواجبة النفاذ في الدول الأطراف لسرعة البت في المنازعات الاقتصادية، وتوحيد السياسات الانمائية وتنسيق القطاعات الانتاجية (السلعية والخدمية) الرئيسية، وأنظمة الحوافز الاقتصادية و أسعار الخدمات والمرافق العامة، وبرمجة بعض المشروعات الكبرى الحيوية ذات الأهمية القطرية والقومية. ويتوج كل هذه المراحل السابقة اقامة الاتحاد النقدي العربي، الذي تتوحد عن طريقه العملة والبنك المركزي والاحتياطي النقدي وسعر الصرف والسياسة المالية والنقدية والنظام المصرفي العربي كله. ومن المعروف في التطبيقات الاقتصادية انه يمكن أن تتداخل المراحل اللاحقة لإقامة منطقة التجارة الحرة، بأن يبدأ مبكرا تطبيق تدابير تمهيدية أو نهائية من طبيعة مرحلة السوق العربية المشتركة، أو الاتحاد الاقتصادي أو النقدي، اثناء اعداد أو تنفيذ مرحلة منطقة التجارة الحرة أو مرحلة الاتحاد الجمركي، وذلك للافادة من اثار هذا التعجيل الايجابية في توثيق العلاقات الاقتصادية وزيادة تفاعل وتشابك للمصالح وتبادل المنافع، بما ينعكس ايجابيا على نجاح المراحل الاسبق، قبل الانتقال الى المراحل الأعلى، ويعد الأرضية الصالحة لها. ولكن مراحل التكامل الاقتصادي الشامل يجب أن تبدأ بمرحلة منطقة التجارة الحرة في كل الأحوال، لكي تتاح للتجارة الحرة أن تقوم حركة التكامل والنشاط الاقتصادي، باعتبارها (محور النمو) و(قاطرة الاستثمار)، وتحدث اثارها الانتشارية في مختلف قطاعات الاقتصاد، واثارها التراكمية المتصاعدة على سلم التكامل الاقتصادي. ولا تتعارض صيغة (السوق المشتركة) مع تفاوت مراحل النمو بين الدول العربية، الا انه ينبغي مراعاة أن هناك ست دول عربية مصنفة دوليا ضمن أقل الدول نموا وأشدها فقرا (السودان، الصومال، موريتانيا، اليمن، جيبوتي، جزر القمر)، اضافة الى دولة فلسطين، ويعني ذلك أن هذه الصيغة تسمح وتستلزم تطبيق سياسة متعددة الجوانب للتكامل، لتضييق فجوات النمو وتقريب مستوياته فيما بينها، بتطبيق معاملة مرحلية ميسرة ومرنة، تشمل على مزايا خاصة تمنح لهذه الدول، باستخدام أدوات وسياسات تجارية ومادية وفنية مختلفة، تتيحها فقط صيغة (السوق المشتركة)، وليس الصيغ السابقة عليها، ذات الطبيعة التجارية البحتة. والمأمول فيه أن يشمل تفعيل المدخل التجاري ضمن آليات عمل صيغة السوق العربية المشتركة، انجاز التحرير الكامل للتجارة بصورة فورية أو خلال فترة قصيرة، للافادة من اثر الدفعة القوية التي يحدثها التحرير في حد ذاته، والذي يتمثل اساسا في زيادة حجم التجارة البينية وتنويع مكوناتها، وانتشار الآثار الايجابية لذلك في كافة القطاعات الاقتصادية العربية، من انتاجية وخدمية، كما ينبغي تعزيز أثر التحرير التجاري، برفع كفاءة التجارة العربية (الاجراءات، السياسات، المواصفات.. الخ) والتي تدعمها الهياكل الأساسية ذات العلاقة (أي الخدمات المساندة للتجارة مثل النقل، والشحن، والتخزين، والتمويل، وضمانات التصدير، والتعبئة والتغليف، ونظم المعلومات، وجهود ترويج ودراسات تسويق، وتنشيط قنوات الاتصال وعلاقات العمل بين المصدرين والمستوردين.. الخ) ولا شك أن فتح وتوسيع السوق العربي وتنمية التبادل التجاري العربي البيني في نطاقه، سوف يؤدي الى اعادة هيكلة العرض والطلب العربي العربي، وتنمية الصادر الى الأسواق ذات الطلب الانتاجي والاستهلاكي على منتجات الدول العربية الأخرى، وتزايد الطلب عليها، في ظل أوضاع تنافسية متكافئة وعادلة، بين الانتاج المحلي في كل دولة، والمنتجات العربية المستوردة اليها، بعضها البعض في السوق الواحد، بما يخدم رفع مستوى الجودة وخفض الأسعار، وفي ظل ترتيبات وقائية مضادة للاغراق أو الدعم، وتدابير تفضيلية. أما عن اثر السوق العربية المشتركة ايجابيا على الاستثمار، فانه من المؤكد أن يترتب على اتساع حجم السوق، وتزايد المشروعات الانتاجية، وتطوير الهياكل الاساسية المساندة، ونمو الطلب على السلع العربية وتنامي القوة الشرائية، وزيادة الطاقة الاستيعابية للسوق وفرص الربح، ليس فقط حفز الاستثمار المحلي، وإنما كذلك جذب الاستثمار الخارجي العربي والأجنبي المصحوب بالتكنولوجيا المتقدمة، للتوظيف في الوطن العربي، اعتمادا على سوق عربية كبرى تضم 250 مليون مستهلك. كما يرتبط بنمو الاستثمار والانتاج الكبير، التوسع في التطبيقات التكنولوجية، وبالتالي تحمل نفقات البحوث والتطوير الموجه لخدمة الانتاج السلعي والخدمي، ويؤدي ذلك تلقائيا الى اتجاه الاستثمارات الانتاجية، نحو التخصص القائم على المزايا النسبية ثم تحولها الى مزايا تنافسية، ومن ثم دعم التوطن الصناعي والتشابك الانتاجي، الذي يقود بدوره الى المزيد من الاستثمارات، وينعكس ذلك في مجمله على تعزيز فرص التكامل الاقتصادي بمفهومه الشامل، ويدعم هذا الاتجاه بقوة، تحسن مناخ الاستثمار في الدول العربية نتيجة سياسات الاصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي وتطبيق اقتصاديات السوق والخصخصة، ورفع كفاءة الاقتصادات القطرية في مجملها، ممايحسن من جاذبيتها للاستثمار، ويؤدي بدوره الى زيادة تدفقات رأس المال في المنطقة العربية. وبالنسبة للعمالة، فانه يترتب على زيادة اندماج الأسواق والاقتصادات العربية، ضرورة الاتجاه الى تنمية وتنظيم حركة العمالة العربية، للوفاء بالاحتياجات الانتاجية، ورفع نوعية العمالة، بالتأهيل والتدريب، بما يستجيب لاحتياجات الطلب عليها، نتيجة نمو وتكثيف الاستثمارات الانتاجية، وخلق تيار مستمر من فرص العمل الجديدة. كما يؤدي ذلك بدوره الى تحسين نمط سوق العمالة العربية، وزيادة مستوى الاعتماد المتبادل والاكتفاء الذاتي فيها، واحداث التوازن والتفاعل المطلوب بين الاقتصادات العربية كثيفة العمالة والاقتصادات نادرة العمالة وحتمية تحرير حركة العمالة بين الدول العربية، وتحسين أوضاع التعامل معها قانونيا وماليا واجتماعيا في الدول المستقبلة لها. ويساعد ذلك في النهاية على انخفاض ثم اخفاء البطالة في الاقتصاد العربي، الذي يتميز بأن 50% على الاقل من السكان فيه في سن العمل، كما تؤدي زيادة مستوى التشغيل الى زيادة القوى الشرائية العربية في مجملها، ومن ثم زيادة حجم الطلب الكلي على السلع والخدمات، وبالتالي تغذية أثر مضاعف الاستثمار. على العرب أن يفعلوا النشاط الاقتصادي العربي المشترك ضمن اطار جامعة الدول العربية التي لها دورا مهما، اذا اتيحت لها الفرصة للقيام به، كما انها خط دفاع أصيل عن الهوية العربية والمشروع القومي، ازاء المشروعات الأخرى غير العربية. على العرب أن يعيدوا ترتيب أوراقهم في هذه المرحلة الجديدة الحافلة بالتحديات حتى يمكنهم من التعامل مع هذه التحديات برؤية جديدة قادرة على التوافق مع متطلباتها. على العرب أن يسرعوا في تطبيق أولى خطوات الوحدة الاقتصادية باقامة منطقة تجارة حرة عربية، وبعدها بقية المراحل بكل ارادة واقتدار، فهذه الخطوات هي فقط الكفيلة بوضع الوطن العربي على بداية الطريق الصحيح لارجاع أمجاد الأمة العربية التي نتغنى بها، لكي يتغنى بها أجيال المستقبل ويعيشوا فيها على أرض الواقع. ـ كاتب مصري