تصاعدت وتيرة الحوار والتلاسن السياسي اللبناني حول الوجود العسكري السوري في لبنان غداة دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري الى وقف الجدل حوله وضرورة سحبه من التداول لأنه ممنوع من الصرف. وتلاقت مواقف المطارنة الموارنة مع الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط على رفض دعوة بري مع بقاء الخلاف حول المطالبة بالانسحاب، حيث اكتفى حزب جنبلاط بالمطالبة باعادة الانتشار، متهماً بري بقمع الحوار فيما حذر المجلس الاسلامي من خطورة الشحن الطائفي، وأعلن حزب الله تأييده المطلق لبقاء القوات السورية كضرورة لبنانية داخلية واقليمية. فقد اكد مجلس المطارنة الموارنة، الذي يمثل اكبر طوائف لبنان المسيحية الاربعاء، ان انقسام اللبنانيين حول مسألة الوجود العسكري السوري هو غير صحيح. واوضح بيان صدر عن المجتمعين برئاسة البطريرك نصر الله صفير ان المناخ الطائفي المصطنع الذي يصور اللبنانيين وكأنهم منقسمون على ذواتهم يطالب قسم منهم بعكس ما يطالب به الاخر لا يترجم حقيقة الوضع. واعتبر البيان بانه اذا كان الواقع غير ذلك فهو يستدعي حوارا صريحا بين جميع الفئات اللبنانية. وكان رئيس المجلس النيابي نبيه بري قد دعا الثلاثاء الماضي الى انهاء الجدل حول الوجود العسكري السوري في لبنان لانه وصل الى وضع خطير وبدأ يهدد النظام العام مؤكدا ضرورة سحبه من التداول لانه ممنوع من الصرف. وقد انتقد موقف بري كل من الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يترأسه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والنائب المسيحي المعتدل نسيب لحود. جاء البيان عقب اول اجتماع للمجلس بعد عودة البطريرك صفير من جولة رعوية الى الولايات المتحدة وكندا طالب في جميع محطاتها بانسحاب القوات السورية من لبنان او باعادة انتشارها. ورأى البيان ان توافد الجماهير على بكركي يوم عودة البطريرك صفير هو دليل على ان الطروحات التي ادلى بها ليست سوى صدى لمشاعر (المستقبلين) وتعبيرا عنها. وشكلت مناسبة استقبال البطريرك الماروني نصر الله صفير في 27 مارس من قبل نحو 100 الف لبناني مناسبة للقوى المطالبة بخروج الجيش السوري لاستعراض قوتها. من ناحية اخرى ربط البيان تحسن المناخ الاستثماري في لبنان والوضع الاقتصادي المتأزم بتصحيح الاوضاع السياسية في اشارة غير مباشرة الى انه يتم عبر انسحاب القوات السورية. واكد المطارنة الموارنة ان الحال لا يستقيم الا بمعالجة الوضع السياسي بحيث يكون لبنان مسئولا عن نفسه في جو من السيادة غير المنقوصة. وقالوا ان الوضع الاقتصادي المتدهور رهن بالوضع السياسي معتبرين بأن هذه حقيقة لا سبيل الى انكارها ما دامت الثقة بالبلد مفقودة ولا احد يقدم على التوظيف فيه. على صعيد متصل انتقد النائب المسيحي المعتدل نسيب لحود أمس موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الداعي الى سحب قضية الوجود العسكري السوري في لبنان من التداول باعتبارها تهدد النظام العام في البلاد. وقال لحود في تصريح بثته الاذاعات اللبنانية ان الاختلاف بشان الوجود العسكري السوري في لبنان يحتم فتح الحوار وليس اقفاله مشيرا الى ان عددا كبيرا من اللبنانيين ونحن منهم فوجئوا بما نقل عن الرئيس بري من دعوة الى سحب هذا الموضوع من التداول. وراى لحود الذي دأب على الدعوة الى تصحيح توازن العلاقات بين لبنان وسوريا ان هذا الموضوع اذا كان خلافيا كما يقول بري فالاحرى الانكباب عليه وتداوله والحوار الصريح والعقلاني حوله توصلا الى تنفيذ ما ورد في اتفاق الطائف بشأنه. واعتبر لحود ان التوصل الى صيغة توافقية لادارة الشراكة الاستراتيجية المميزة بين البدلين هي موضوع الحوار المطلوب فتحه وليس اغلاقه. وقال بيان للحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه جنبلاط ان كلام بري لا هدف منه سوى قمع الحريات في كل ميدان والتهويل على الناس وتهديدهم تحت مظلة الادعاء بالخوف عليهم لا بالخوف منهم كما يقول رئيس السلطة التشريعية الذي يتجاهل ان الدستور في لبنان يكفل الحريات. وبحسب البيان فان نظرية الحوار التي يدعو اليها (الرئيس بري)، داخل المؤسسات فقط، محاولة مكشوفة للقضاء على الحوار الوطني على قاعدة المنع بالتداول لكل حوار حول الوجود السوري. ومع ان جنبلاط تمايز عن المواقف المسيحية الداعية الى انسحاب القوات السورية (35 الفا) المنتشرة في لبنان فقد طالب باعادة انتشار هذه القوات تطبيقا لاتفاق الطائف (1989) الذي انهى الحرب اللبنانية. ويطالب الجانب المسيحي، الذي يعتبر بانه وافق على انهاء هيمنته السياسية بقبوله تقاسم السلطة مناصفة مع المسلمين وفق اتفاق الطائف، بتطبيق سائر البنود وابرزها اعادة الانتشار السوري. من جانبه حذر المجلس الشرعى الاسلامى الاعلى في لبنان من خطورة الشحن الطائفى الذى يغلف بطروحات مختلفة والمطالبة بخروج الجيش السورى من لبنان ورفع شعارات الاستعداء ضد سوريا وشعبها باثارة تهدد الاستقرار الوطنى وتعيد البلاد الى اجواء الفتنة. وقال المجلس فى بيان اصدره عقب اجتماع له الليلة قبل الماضية برئاسة مفتى الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قبائى أن الوجود السورى فى لبنان شرعى وضرورى خاصة فى هذه الظروف الدقيقة حيث انه يمثل صمام الامان فى مسيرة الاستقرار. واضاف أن الدولة بمؤسساتها الدستورية والحكومية ببيانها الوزارى نالت الثقة على اساسين هما المرجعية الوحيدة فى اتخاذ القرار المناسب باسم الشعب ومصلحة الوطن، معتبرا انه أن الاوان لوضع حد لحالة التعبئة والتهيج والودة الى الوعى والتبصر من عواقب الامور. ودعا المجلس الى اعتماد منهج الحوار والاعتدال والموقف مؤكدا انه لايحق لاحد أن يختصر ارادة سواه او يلغى رأى سواه. دعا الشيخ حسن نصر الله الامين العام لحزب الله الى بقاء القوات السورية في لبنان باعتبار انه ضرورة داخلية واقليمية مناهضا دعوات مسيحية ويسارية اشتدت في الاونة الاخيرة لانهاء الوجود العسكري السوري في البلاد. جاءت الدعوة في كلمة لنصر الله خاطب فيها حشدا ضم نحو 300 الف شيعي بحسب تقديرات حزب الله فيما قال مستقلون انه زاد عن 150 الفا تجمعوا في الضاحية الجنوبية لبيروت لاحياء ذكرى استشهاد الامام الحسين بن علي بن ابي طالب في موقعة كربلاء عام 680. وقال نصر الله «انني اعلن باسم كل هذه الحشود ان الوجود السوري في لبنان هو اكثر من حاجة اقليمية للبنان واكثر من حاجة داخلية للبنان بل اريد ان اضيف وازيد بان وجود القوات السورية في لبنان هو واجب قومي على سوريا ان تؤديه وان تقوم به كما فعلت في الماضي». واضاف نصر الله «وان ارادت القيادة السورية ان تخرج قواتها وجيشها من لبنان نحن كلبنانيين سنقف ونقول لهم انتم مخطئون انتم تقومون بعمل ليس من مصلحة لبنان لا بالاعتبار المحلي ولا بالاعتبار الاقليمي انتم تتخلفون عن اداء واجب قومي وستتحملون مسئولية هذا التخلف». واعتبر نصر الله ان ما يقوله هو باسم كل الذين احتشدوا في مناطق تواجد الشيعة في لبنان وهم بمئات الالاف في شرق لبنان وجنوبه وفي بيروت. ولسوريا نحو 35 الف جندي في الاراضي اللبنانية كانوا دخلوها للمساعدة على وقف الحرب الاهلية التي عصفت بالبلاد على مدى 15 عاما وانتهت في العام 1990. وقال نصر الله «اقول للبنانيين جميعا وللمسيحيين خصوصا نحن حريصون على عيشنا المشترك ومتمسكون به. لا احد يريد ان يطفش احداً من هذا البلد. هذا البلد لنا جميعا وسيبقى لنا جميعا ونريد ان نعمل سويا وان نبحث سويا على طريق خلاصنا الوطني. ولكن تعالوا نستفيد من كل تجاربنا السابقة ومن كل رهاناتنا السابقة». واضاف «واقول لكم جميعا بصراحة.. كل الذين راهنوا على اسرائيل خسروا ولا يحتاج الامر الى استدلال فواقع الحال والوجدان يشهد بذلك. واليوم اي رهان على امريكا وعلى الغرب هو رهان خاسر ايضا لان هؤلاء لا يرون المنطقة الا اسرائيل ومصالح اسرائيل». ومضى يقول «امريكا لا تنظر الى المنطقة لا بعين لبنانية ولا بعين مسيحية ولا بعين مارونية انها تنظر بعين صهيونية فقط. لا تراهنوا رهانات خاسرة من جديد». وقال نصر الله «اننا في هذا اليوم وبعد التعبير عن هذا الموقف نناشد الجميع ونأمل منهم ان نطوي هذا الملف، ملف وقضية الوجود السوري في لبنان الى اشعار اخر ونصارح بعضنا كلبنانيين ويتحمل كل واحد منا مسئوليته عما فعله من صواب وخطا لا نلقي بكل اخطائنا واثقالنا على سوريا». الوكالات