يحظى ما يسمى بـ «الفن البدائي» بحماس شديد سواء في قاعات المزادات في نيويورك أو من جانب تجار العاديات في باريس، لكن المؤرخين يقولون إن مالي، وهي افقر بلاد العالم ويرتقي تراثها الى مصاف نظيره الاغريقي والمصري القديم، تشهد اليوم اسلوبا جديدا في جمع الحراب والاقنعة والمزهريات المصنوعة من الطين المحروق افضى بدوره الى اعمال نهب لم تشهد لها البلاد مثيلا من قبل. يقول اداما نابو، وهو يهم بفتح باب موصد على عدد من الاعمال النفيسة المودعة في سقيفة خلف جامع في منطقة سانجها، ان ما يقوم به ليس من اعمال النهب بل هو «وسيلة اطعم من مردودها اطفالي». كان من بين «ذخائر» ذلك الكنز مسند رأس صياد والعديد من التماثيل الخشبية التي تجسد بشرا مرفوعي الايدي وكأساً مصنوعة من الطين المحروق يعود تاريخها الى الف سنة خلت تستند على اربع ارجل وعدد من الابواب الخشبية المنقوشة ترجع الى ما يزيد على 800 عام. يتابع نابو قوله بعدما كشف عن اسعار «لوحاته» وهي تتراوح ما بين 60 جنيها استرلينيا للكأس الى 300 جنيه لاقدم باب: «انني اعلم ان هذه الكنوز تباع بأسعار اعلى في العاصمة باماكو واكثر منها في نيويورك وباريس. فالبائعون هنا من السكان المحليين يطرقون بابي حاملين ما عثروا عليه من كنوز. ونحن ننتمي جميعا الى قبيلة دوجون، ونشعر حقا بالالم ونحن نبيع تراثنا، لكننا لا نشعر في الوقت عينه بانتماء قوي للاعمال التي نعثر عليها هنا وهناك. وبعد ساعات من قيادة السيارة في ارض تحفل بالشجيرات في صحراء الساحل، بما تحتويه من اشجار التبولي غريبة الشكل، تبدو اراضي قبيلة دوجون جلية للعيان على نحو لا مجال معه للخطأ، فقد بدت اهراء القمح والمنازل والمساجد وكأنها تشكلت من خلال دلو رملي يلهو به طفل. فلم يتغير في حياة الناس هناك الا القليل للغاية منذ ان شرعوا في الرسم على جدران الكهوف قبل اكثر من عشرة آلاف عام. وتراوحت اعمالهم بين زراعة الارز في وادي النيجر أو رعي المواشي، اما الكهرباء فهي أمر لم يسمعوا به من قبل. أما في تمبكتو الواقعة على بعد 300ميل من هناك، فقد عمل الناس خلال القرن السادس عشر في تجارة الملح المستخرج من الصحراء والذهب المستخرج من جنوب مالي، وهناك ايضا تأسست جامعة تركت وراءها مكتبة تضم الكثير من المخطوطات العربية الثمينة. يمثل «جرف باندياجارا» احدى عجائب الطبيعة فهو عبارة عن واجهة صخرية ترتفع الى حوالي 300 متر من الصحراء وفيها اقامت قبيلة «تيليم» تجمعاتها السكانية التي ترجع الى عام 300 قبل الميلاد. والسبيل الوحيد الذي يمكن بواسطته الوصول الى بيوتهم الصخرية التي ساعد طقس الصحراء الجاف على المحافظة على محتوياتها تماما فهو استخدام حبال تتدلى من قمة ذلك الجرف. وبعد خمسة قرون من اختفاء قبيلة تيليم، خاطر ابناء المنطقة ولا يزالون بحياتهم من اجل الوصول الى الجرف ونهب ما بقي في المنازل والقبور من تماثيل خشبية وملابس وأسرة وأبواب ومجوهرات وغيرها مما هو نافع ومفيد. وجد الكثيرون طريقهم الى مستودع نابو عند قمة جرف «سانجها»، وهنا يقول نابو: «ويشق الكثير من الزبائن طريقهم الى حيث اجلس في حديقة فندق سانجها. وبعد ان اسمع صوت سيارة لاندروفر، انهض لاقترب منهم». كما رفض نابو الفكرة القائلة ان اعمال النهب كان من شأنها ان تتوقف لو ان هناك متحفا في سانجها. وقال: «لو كان هناك متحف لاخذت الحكومة تلك الاعمال الفنية مقابل مبالغ زهيدة جداً تعطيها لنا». بعد ان تخرج تلك الاعمال الفنية من مستودع نابو، فإنها تتخذ سبيلها الى سوق الفن المتعطش دائماً. ففي شهر نوفمبر من عام 2000 وصل اجمالي عائد مزادات الفن الافريقي في نيويورك الى اربعة ملايين دولار، كما تم بيع باب من ابداعات ابناء قبيلة يوروبا من وادي النيجر، وهو شديد الشبه بباب دوجون الموجود لدى نابو بحوالي 43.875 دولاراً. لقد فشلت مالي مراراً وتكراراً في استعادة اعمالها الفنية المسروقة، وذلك على الرغم من الدعم الذي تحظى به من مجلس المتاحف الدولي، والذي يصدر قوائم دورية بالاشياء المفقودة. وفي هذا الصدد، يقول صمويل سيديبه، مدير المتحف الوطني في باماكو: «لا نستطيع ايقاف اعمال السرقة، فنحن لدينا نظام لتراخيص التصدير، لكن المتعاملين يأتون لنا بنسخ لأغراض التصديق ثم يقومون بتحويلها الى شيء آخر. كما لا نستطيع مقاضاة الامريكيين او متاحفهم». ويقول تيم انسوك من كلية سانت جون التابعة لجامعة كامبردج والخبير في الآثار القديمة لغرب أفريقيا ان الاعمال الفنية تحتاج الى دراسة تستند على محتوى هذا العمل أو ذاك. ويضيف: «لقد وجدنا في تمبكتو وجاو اواني فخارية وخرزات صينية يعود تاريخها الى القرن الحادي عشر جيء بها عبر الصحراء وربما عبر القاهرة بعد ان جردوها من كل دلالة على مصدرها فلم تعد الا مجرد اناء فخاري أو حلية». من جهتها ادرجت لجنة التراث العالمي التابعة للامم المتحدة ثلاثة مواقع تقع في مالي وهي تمبكتو و دجيني ـ دجينو وجرف بادياجارا باعتبارها مواقع ذات قيمة استثنائية. وعلى ذلك تقول فيسنا فوجوسبك، المتحدثة باسم اليونسكو: «نحن مهتمون بتلك المواقع وأهميتها، غير اننا عاجزون عن القيام بأي شيء فيما يتعلق بالاشياء التي تختفي منها». عن «اندبندنت»