لم تعد الدراسات المستقبلية مجرد رجم بالغيب فهي تعتمد على سيناريوهات يضعها خبراء ومتخصصون وفقا لمعطيات وفرتها لهم هذه المرة المخابرات، الأمريكية بهدف التوصل الى خريطة للعالم تساعد واشنطن وحلفاءها بالطبع على استمرار بقائها القوة الأعظم في العالم، من هنا تنبع اهمية التقرير الذي سربته المخابرات الامريكية لاسرائيل ولعلها تريد أن تدفع الأمور مستقبلا نحو إتجاهات معينة يمكننا بدورنا إستشرافها عبر تحليل لمضمون هذا التقرير. جريدة «معاريف» التي انفردت بنشر التقرير قدمته للمواطن الإسرائيلي بقولها: من يحاول أن يعزي نفسه بأن المشاكل التي نمر بها حاليا مؤقته ،سينضم بعدها الشرق الأوسط للعالم المتقدم والاستفادة من العولمة وثورة التكنولوجيا عليه أن يتمهل وأن يفيق من أوهامه. فلن يكون هنا بعد 15 عاما على افضل تقدير سوى سلام بارد بيننا وبين جيراننا. لن يمنع اقامة الدولة الفلسطينية اندلاع العنف.هناك مخاوف من انفجارات سياسية عنيفة ضد الأنظمة الحالية في الدول العربية المعتدلة المحيطة بنا من الشرق والجنوب :الأردن ومصر والسعودية وبالتالي سيتكون تحالف للإرهاب الدولي ضد أهداف غربية واتجاه نحو امتلاك اسلحة للتدمير الشامل. مصدر كل هذه التوقعات هو التقرير الجديد لوكالة الاستخبارات الأمريكية «سي أي إيه» والتي تحاول تخيل العالم بعد 15 عاما تحت عنوان «إتجاهات 2015» والذي صاغته المخابرات الامريكية بكل فروعها وإداراتها مع الاستعانة بخبراء في الجامعات والمعاهد العلمية.هدف التقرير هو مساعدة متخذي القرار في مجال السياسة الخارجية والأمن في الولايات المتحدة على قراءة الخريطة العالمية ومعرفة الاماكن التي تهم الولايات المتحدة لكنها ستشهد عدم استقرار. التقرير اشار لقلق كبير على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة من الخلافات الداخلية على خلفية دينية أو عرقية في إيران ونيجيريا وإسرائيل والسعودية(!) الـ 15 عاما المقبلة إذن لا تبشر بالخير بالنسبة لمنطقتنا ،فستواجه الانظمة من المغرب حتى إيران ضغوطا سكانية واقتصادية واجتماعية. الصحيفة الإسرائيلية اعترفت بأن التقرير الاستخباراتي لا يقدم معلومات دقيقة ،لكنها وصفته بأنه لم يصغ على طريقة قراءة الفنجان وأساليب العرافين ،ثم انطلقت تنقل الجزء المخصص عن الإسلام في التقرير الهام فقالت : تعنى العولمة في العالم الغربي ازدهار اقتصادي لكنها في الشرق الأوسط باستثناء اسرائيل تقابل على المستوى الشعبي بتوجس وتكاد تعتبر لعنة وغزواً غربياً ،والبديل لها هو سياسة اسلامية. وبالنسبة للعلاقات مع إسرائيل توقع التقرير ان يتم التوصل لسلام بارد بين إسرائيل وجيرانها ،بدون علاقات اجتماعية أو اقتصادية او ثقافية إلا في اضيق الحدود.وسيستمر التوتر بين إسرائيل والفلسطينيين على الرغم من إعلان قيام الدولة الفلسطينية وسيصل التوتر لأزمات ،بالاضافة لعودة خصومات قديمة مع دول مثل : مصر وسوريا والعراق وإيران. في الوقت نفسه سيعود التركيز الغربي على الخليج العربي لأن أهميته ستزداد كمصدر لطاقة الاقتصاد العالمي ،مع الوضع في الاعتبار ان ارباح النفط المتوقعة في الدول العربية خاصة العراق وإيران (!) والسعودية ستشكل مصدرا استراتيجيا وكذلك مصدر قلق وعدم استقرار، في الواقع لن يكون العالم العربي اغنى بسبب النفط. وثيقة (السي أي إيه) توقعت تفاقم مشكلة البطالة والتوظيف في الدول العربية بسبب سوء المنظومات التعليمية التي تخرج اجيالا ضعيفة الخبرة والمعرفة بعلوم وتطبيقات التكنولوجيا اللازمة للتطوير الاقتصادي خاصة وان ارباح النفط لن تستثمر في قضايا اجتماعية أو من أجل التنمية البشرية.سيكون السكان في الشرق الأوسط عام 2015 أكثر فقرا. وفيما يتعلق بالمشاكل والتغيرات الاجتماعية ستكون وفقا للوثيقة الامريكية حادة وسببا في عدم الاستقرار كنتيجة للابتعاد عن العولمة وتجاهل الاصلاح. بالاضافة لهذا سيبتعد العالم عن الاستثمار في الدول العربية بسبب مشاكل ومعوقات مالية ومخاوف من عدم استقرار سياسي. وبالفعل ستصل انظمة إسلامية للحكم في الدول التي بدأت الطبقة العلمانية فيها تفقد قوتها وتأثيرها. وبالنسبة للشرق الأوسط توقع التقرير تطورات غير مشجعة بالنسبة لإسرائيل خاصة على الصعيد العسكري فذكرت الصحيفة الإسرائيلية نقلا عن الوثيقة: حقا سيقل الانفاق على التسلح التقليدي ،لكن في المقابل سيزيد الانفاق على التسلح غير التقليدي والابادة الشاملة على خلفية المشاكل والمنافسات الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة ، عدد من الحكومات يصر على تجنيد الشباب في جيوشهم الكبيرة لكون الشباب يعانى البطالة ،لكن لن يتم تدريبهم او تسليحهم بشكل جيد.وبدلا من الحرب التقليدية ستندلع هجمات ارهابية وثورات انقلابات داخلية على خلفية دينية وعرقية. قدرة العراق على امتلاك أسلحة إبادة جماعية ستتوقف بشكل جزئي على قدرة مجلس الأمن على تعطيل هذه الاسلحة في السنوات المقبلة. وفقا لتوقعات خبراء سيستطيع العراق قبل عام 2015 إجراء تجارب على صاروخ عابر للقارات ذي قدرة على الوصول للولايات المتحدة الأمريكية ،كما سيصنع العراق أسلحة نووية خلال الفترة نفسها. على صعيد آخر ذكرت الصحيفة الإسرائيلية أن التقرير الاستخباراتي توقع تراجع مستوى المعيشة في عدد من الدول الكبرى بالمنطقة ،مع فشل إسرائيل حتى في التوصل لسلام بارد مع الفلسطينيين. وبشكل موازي تضمن التقرير اوضاع الجريمة المنظمة في إسرائيل بشكل انتقادي حيث ذكر: عصابات وشبكات إجرامية ستنطلق من شمال امريكا وغرب اوروبا وكولومبيا وإسرائيل وروسيا. ستتحالف بعضها مع جماعات متمردة لتنفيذ عمليات معينة لابتزاز القادة في الدول غير المستقرة، بالاضافة للاتجار بالمخدرات وتهريب مواد سامة وأسلحة محرمة دوليا. وعلى صعيد مستقبل الطاقة في العالم أشار التقرير الى انه من المتوقع الا تحتاج الدول العربية بعد 15عاما سوى على 1% من إنتاجها من الطاقة وستصدر ثلاثة أرباع انتاجها لآسيا (بدلا من أمريكا الشمالية حاليا). .وسيظل الخليج العربي مصدر النفط الأكبر في العالم ،لكن أغلب انتاجه سيذهب للصين والهند بينما ستعتمد الولايات المتحدة والدول الغربية على آبار في مناطق بالمحيط الاطلنطي. الاحتياج للبترول سيقفز من 75 مليون برميل يوميا إلى 100 مليون يوميا وستصبح اسيا المستهلك الاول وسيكون الخليج العربي هو المورد الأول إلا إذا نشبت حرب على غرار الحرب العراقية الإيرانية. واسترسل التقرير يتناول مشكلة المياه والغذاء بقوله: بعد 15 سنة سيعاني نصف سكان العالم من نقص المياه (1700 متر مكعب للشخص سنويا) وخاصة في أفريقيا والشرق الأوسط. وبالنسبة لاسرائيل مشكلة المياه (رغم كل صراخها الحالى) غير مذكورة في التقرير، لكن تركيا ذكرت كمصدرة محتملة للمياه الى اسرائيل فالأولى تبنى سدودا ومشروعات ري على (الفرات) والتي من شأنها التأثير بالسلب على تدفق المياه لسوريا والعراق على الرغم من تزايد السكان المتوقع بتلك الدولتين.