كشفت معلومات تسربت عقب انتهاء الاجتماع الشهري للجنة السياسة الخارجية الاوروبية في بروكسل عن ان السياسة الامريكية لا يرسمها الافراد، ولا تتغير بتغير الرؤساء، حيث ان «كولن باول» وزير الخارجية الامريكي كان يفرض قرار الحرب وهو في منصب عسكري ونفذه وهو في منصب سياسي. وتتساءل اوروبا هل سينجح الرئيس المصري حسني مبارك في تغيير سياسة نظيره الامريكي جورج بوش تجاه العراق؟ وهل لو تمكن محافظ فلوريدا جيب بوش من الوصول إلى البيت الابيض سيسير على درب سياسة شقيقه الرئيس الامريكي الحالي «جورج بوش الابن» الذي لم يتردد لحظة واحدة في التعامل مع الرئيس العراقي صدام حسين اسوة بوالده، متبعا ذات الخط الذي سار فيه سلفه بيل كلينتون؟ وفي الوقت الذي يشعر فيه الرئيس العراقي بحماية الحرس الجمهوري بشرف واعتزاز، حيث انه مازال على قيد الحياة ولم تنجح اي قيادة امريكية في القضاء عليه أو زحزحته من السلطة، وتلى هذا السؤال تأكيد انه لا توجد فروق جوهرية تجاه تعامل الادارات السياسية الامريكية مع العرب، سواء كان من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري. تسربت هذه المعلومات بعد اختتام لجنة السياسة الخارجية الاوروبية لاجتماعها الشهري، حيث بدأت الاوساط السياسية داخل اروقة الاتحاد الاوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل تطرح لاول مرة وبجدية استفسارات استشرافية عن اثر مستقبل «العلاقات العربية ـ الامريكية» بعد الضربات الجوية الامريكية البريطانية للاراضي العراقية، على «العلاقات العربية الاوروبية». يأتي ذلك بعد ايام قليلة من عقد قمة العرب في عمان، والرئيس المصري في طريقه إلى واشنطن للقاء نظيره الامريكي، وامتدت الاستفسارات لتشمل مدى جدية الدعم الافريقي للزعيم الليبي معمر القذافي في انجاح حلم الاتحاد الافريقي؟ وهل سيكون انعقاد القمة العربية دوريا بداية لـ «تكتل عربي سياسي اقتصادي»؟ وهل ستؤدي زيارة مبارك لواشنطن لتحول في السياسة الامريكية تجاه بغداد؟ بوش الابن العدو الثالث لصدام يعتبر الرئيس الامريكي الحالي هو اللاعب الثالث الذي دفعت به امريكا للساحة منذ نهاية حرب الخليج الثانية في عام 1991 وهو الذي اعطى اوامره العسكرية الاولى الاسبوع الماضي لقصف جوي بعدد 24 طائرة حول بغداد بمشاركة بريطانية، وكان والده الذي قاد قوات تحالف غربية اشتركت فيها عدد من قوات الدول العربية لتحرير الكويت، قد نجح في حرب أرضية خلال 100 ساعة ان يفتح الطريق إلى بغداد، لكنه ـ بوش الاب ـ تلقى نصائح محددة من مستشاريه اتفقت مع وجهات نظر دول الاتحاد الاوروبي بمنع القوات العسكرية من الدخول للعاصمة العراقية. الواقع الحالي يؤكد ان فرصة القضاء على «صدام» ضاعت في حينه، الامر الذي من نتيجته منحه امكانية استعادة ممارسة سلطاته ونفوذه وبقوة، وفور تدارك الندم على ضياع الفرصة التاريخية قام رئيس الوزراء البريطاني السابق «جون ميجور» في ابريل عام 1991 بعرض مبادرة منطقة حظر جوي فوق الاجزاء الكردية العراقية، وكانت التبريرات هي حماية الاكراد من قوات صدام. وبالفعل منع الطيران العراقي من الطيران في الشمال على خط عرض 36، ولاقت المبادرة قبول امريكا وبقية قوات التحالف، الا ان حكومات الدول العربية المشاركة في قوات التحالف لم تؤخذ آراءها في حينه، كما لم تشارك ايضا في القرار الذي تبع ذلك بعام لفرض منطقة حظر جوي جديدة في الجنوب، وهو القرار الذي نتج عن مخاوف الغرب بسبب استعادة قوات الحرس الجمهوري العراقي لقوتها، بل فاقت قوتها مرحلة ما قبل حرب الخليج، الامر الذي ادى لتكثيف الطلعات الجوية الامريكية البريطانية الفرنسية لمراقبة تنفيذ العراق لقرار الحظر الجوي. بوسائل اخرى كانت مواصلة الحرب في الصحراء بين بغداد والبصرة، حيث بدأت فرق التفتيش التابعة للامم المتحدة تبحث عن الاسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، لكن العراق نجح في تضليل وخداع فرق التفتيش الامر الذي ادى لتفاقم الموقف، فقررت هذه الفرق وقف اعمالها وخرجت من العراق في عام 1998، ومن نتائج ذلك اتخاذ الرئيس الامريكي السابق قرار بدء عملية عقابية اطلق عليها «ثعلب الصحراء» وذلك بدعم بريطاني واهمال شامل لاراء العرب، ومعارضة فرنسية، وفي هذه العملية القت عدة صواريخ على بغداد في مدة 96 ساعة فاقت اجمالي عدد الصواريخ التي استخدمت طوال حرب الخليج. العراق استعاد قوته بمساعدة صربيا دفعت الخسائر الكبيرة التي لحقت بالعراق للتوجه نحو روسيا، الا ان ادارة الكرملين نصحت قيادة الدفاع الجوي العراقي للاتصال بالحكومة الصربية، وتمكنت من الحصول على دعم ومساعدة خبراء الدفاع الجوي، ممن لهم خبرات كبيرة في صد الهجمات الجوية اثناء حرب كوسوفو، وهي الخبرات روسية الاصل. غضب العرب وتراجع الدعم الاوروبي غضب الشعوب العربية، واهمال امريكا لآراء ووجهات النظر العربية، استمرار دعم امريكا لاسرائيل في الاعتداءات على الفلسطينيين، ادى لتراجع موافقة معظم الدول العربية على استمرار الهجمات الجوية على الاراضي العراقية، واسرائيل كانت تقف في الخلف تشجع قرارات ضرب العراق وتعبر عن سعادتها. في ذات الوقت بدأت مصادر دعم معظم دول الاتحاد الاوروبي لامريكا ـ باستثناء بريطانيا ـ تتراجع، وفشلت هذه الدول في اقناع امريكا برفع يدها عن العراق وترك صدام لشعبه يتصرف معه، وتوجه المساعدات الفعالة للمعارضة العراقية في الخارج. وعلى الرغم ان امريكا استشعرت الغضب العربي وتراجع دعم بعض الدول الاوروبية، الا ان واشنطن اصرت على استمرار ضرب قوة الجيش العراقي واضعافها، واعلنت بموافقة بريطانية توجها جديدا نحو فرض عقوبات ذكية، ووجود باول على رأس وزارة الخارجية الامريكية وهو الرجل الذي كان يشغل منصب «عسكري» رئيس اركان الحرب اثناء حرب الخليج منذ 10 سنوات، وكان في حينه يعارض التدخل العسكري، ويفضل العقوبات الاقتصادية فقط، اما اليوم وهو في وظيفة مدنية «سياسية» يؤيد الضربات العسكرية.