سلم الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش نفسه الى العدالة بدون عنف فجر أمس منهياً دراما استمرت اكثر من 24 ساعة حيث كان يتحصن في مقر سكنه مع رجال مسلحين وسيتم اخضاعه للاستجواب لاحقاً. وعقب اسدال الستار على هذا الفصل عبر زعماء العالم عن ارتياحهم لتوقيف مجرم الحرب الصربي فيما ساد الارتياح الشارع اليوغسلافي واعتبرت محكمة الجزاء الدولية في لاهاي الأمر خطوة في الاتجاه الصحيح. وجاء في بيان لوزارة الداخلية ان الشرطة الصربية اوقفت ميلوسيفيتش (59 عاما) في منزله بالعاصمة «من دون اراقة دماء ومن دون اي مقاومة». وأوضحت وكالة «بيتا» اليوغسلافية ان الرئيس السابق نقل الى السجن المركزي وقد غادر منزله في سيارة ليموزين واكبتها سيارات للشرطة. ويضع استسلام ميلوسيفيتش حدا لاختبار قوة استمر اكثر من اربع وعشرين ساعة بين سيد بلجراد السابق وانصار له بعضهم كان مسلحا من جهة والقوات الخاصة في الشرطة الصربية التي كانت تطوق دارته من جهة اخرى. وكانت محاولة اولى لتوقيفه قد فشلت ليل الجمعة السبت واصطدمت قوات الامن باطلاق نار من جانب انصار ميلوسيفيتش الذين كانوا متحصنين معه. واتهم القضاء اليوغسلافي ميلوسيفيتش باستغلال السلطة والفساد مما ادى الى خسائر في يوغسلافيا وصربيا قدرت بـ 8،1 مليار دينار (30 مليون يورو) ونحو 200 مليون مارك (100 مليون يورو). لكن السلطات اليوغسلافية ترفض مع ذلك تسليمه الى محكمة الجزاء الدولية في لاهاي التي تريد محاكمته للفظائع التي ارتكبت في كوسوفو. وكانت المحكمة اتهمت ميلوسيفيتش في 1999 بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية. وقبيل الاعلان عن انتهاء الازمة سمع دوي خمسة عيارات نارية من جهة منزل ميلوسيفيتش في الساعات الاولى من صباح الاحد. ثم شوهدت بعد العيارات النارية مباشرة خمس سيارات، سيارتا جيب وثلاث سيارات ليموزين، تبتعد بسرعة كبيرة عن المنزل. وأوضح وزير الداخلية الصربي دوسان مهايلوفيتش لاذاعة «بي ـ 92» ان ماريا ابنة الرئيس السابق أطلقت عيارات نارية بعد توقيف والدها، واضاف «بعد ان غادر ميلوسيفيتش المكان بدأت ابنته باطلاق أعيرة نارية حولها». وذكر ان زوجة ميلوسيفيتش ميرا ماركوفيتش وابنتها بقيتا في المنزل بعد توقيف مجرم الحرب، واكد ان تحقيقاً يجري الآن بشأن أولئك الذين استخدموا الأسلحة اثناء المحاولة الأولى لتوقيف ميلوسيفيتش. من جهة أخرى قال برانيسلاف ايفكوفيتش أحد كبار المسئولين في الحزب الاشتراكي لاذاعة «بي ـ 92» صباح أمس ان قرار ميلوسيفيتش تسليم نفسه للقضاء يشهد على طبعه الاستثنائي. وقال ايفكوفيتش زعيم كتلة نواب الحزب الاشتراكي الذي يتزعمه ميلوسيفيتش في البرلمان الصربي «انه دليل جديد بانه يتحلى بطبع استثنائي، بانه نزيه ورجل يحترم الناس حوله». واضاف «انه (ميلوشيفيتش) يعرف في كل الاوضاع كيف يتخذ القرار المناسب. انه قراره وكل شيء مرتهن به». واوضح ايفكوفيتش الذي كان داخل منزل الرئيس اليوغسلافي السابق ان ميلوسيفيتش قرر في النهاية تسليم نفسه «لتجنب تعريض حياة اولئك الذين يقفون معه ورجال الشرطة الذين كان لديهم الامر بتأمين توجهه الى قاضي التحقيق، للخطر». وقال «لنترك القضاة يصدرون حكمهم. فلا تسمحوا لانفسكم الحكم عليه قبل القضاة. اؤكد لكم بانهم سيقومون بتبرئته». وجاء استسلام ميلوسيفيتش كما قال مقرب منه طالبا عدم ذكر اسمه، نتيجة مفاوضات اجراها في اللحظة الاخيرة الرئيس اليوغسلافي فويسلاف كوستونيتسا الذي قال امس الأول انه يرغب في ان يسلم الرئيس السابق نفسه مع تفادي اي حمام للدم. وكان ميلوسيفيتش حذر بعد فشل المحاولة الاولى لتوقيفه انه لن يسمح بتوقيفه حيا فيما لو حاولت قوات الامن اقتحام منزله للمرة الثانية. وقبل حوالي الساعة من انتهاء الازمة اكد المقرب من الزعيم اليوغسلافي السابق الذي كان موجودا معه في منزله ان المفاوضات لكي يسلم ميلوسيفيتش نفسه سلميا قد فشلت. واعقب هذه المعلومات تحركات لقوات الشرطة في محيط المجمع السكني. وانتهى اختبار القوة في بلجراد في الوقت الذي انتهت مدة الانذار الذي وجهته واشنطن ليوغسلافيا للتعاون مع محكمة لاهاي في 31 مارس. وقد حذرت الولايات المتحدة في حال العكس بانها ستحرم بلجراد من مساعدة حيوية لاقتصادها. وفي واشنطن بدت وزارة الخارجية الامريكية حذرة متأثرة على ما يبدو بمعلومات اولية خاطئة صدرت امس، اذ اعلنت انها تنتظر التأكيد على توقيف ميلوسيفيتش من السفارة الامريكية في بلجراد. لكن متحدثا باسم الخارجية اكد ان بسبب تطور الاحداث في بلجراد فان القرار بشأن منح مساعدة امريكية كبيرة الى جمهورية يوغسلافيا الفدرالية قد يؤجل الى اليوم. في غضون ذلك أعلن وزير العدل الصربي فلادان باتيتش ان ميلوسيفيتش سيتم استجوابه خلال النهار، وقال ان قرار التهام لم يعد بعد. وأوضح باتيتش ان «وزارة الداخلية رفعت شكوى الى المدعي العام الذي أمر باجراء تحقيق، اما اعداد قرار الاتهام فلن يتم الا بعد انتهاء التحقيق». وقال ان المهم بالنسبة لنا هو التحقيق في قضية الجرائم التي ارتكبت في صربيا مضيفا ان مسألة محكمة الجزاء الدولية في لاهاي ستطرح بعد تبني قانون حول التعاون مع هذه المحكمة. ومن شأن القانون ان يجيز نقل المتهمين للمثول امام محكمة الجزاء. ولطالما تذرعت بلجراد بالدستور الذي يحظر تسليم المواطنين اليوغسلاف الى بلد اجنبي لرفضها تسليم نحو 15 متهما بينهم ميلوسيفيتش. وحسب القانون اليوغسلافي والصربي يقرر قاضي التحقيق خلال 72 ساعة ما اذا كان سيبقى المتهم في الحجز الاحترازي بعد اخضاعه لاستجواب أولا، وبوسعه ايضا ان يأمر بحجز وقائي لمدة شهر قابل للتجديد بغضون ستة أشهر. وقال وزير الداخلية الصربي دوسان ميهايلوفيتش ان ميلوسيفيتش سيمنح جميع الحقوق القانونية والديمقراطية التي رفض منحها لخصومه السياسيين عندما كان رئيسا. وسيتولى القاضي توما فيلا الدفاع عن ميلوسيفيتش وهو يتولى ملفات معظم المتهمين الصرب البوسنيين الذين يحاكمون حاليا امام محكمة الجزاء في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وعلم من مصدر في الشرطة أمس ان الشرطة اعتقلت المسئول المفترض عن الحرس الشخصي لميلوسيفيتش وعددا من الاشخاص حاولوا منع توقيفه. وقال المصدر لوكالة فرانس برس ان سينيشا فوتشينيتش العضو النافذ في حزب الشيوعيين الجدد في اليسار اليوغسلافي اعتقل بعد ساعات على توقيف ميلوسيفيتش. وعلى صعيد ردود الفعل ساد شعور بالارتياح الشارع الصربي بعد اعتقال ميلوسيفيتش بسبب مسئوليته عن الجرائم التي ارتكبت في بلجراد. دولياً وصفت مدعية محكمة الجزاء الدورلية كارالاديك يونتي توقيف مجرم الحرب بأنه خطوة ايجابية ستسهل نقله الى لاهاي واحترام يوغسلافيا لالتزاماتها الدولية. وقال الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي كان واحدا من أوائل الزعماء الاجانب الذين علقوا على اعتقال ميلوسيفيتش، لقد انتظرنا هذا اليوم طويلا. الان يجب أن تأخذ العدالة مجراها. ونسبت متحدثة باسم شيراك في باريس إليه قوله أنه باعتقال ميلوسيفيتش، أكدت الحكومة اليوغسلافية أنها ماضية على طريق الديمقراطية والعدالة. وفي لندن، صرح وزير الخارجية روبن كوك بأن الاعتقال نبأ سار للغاية لجميع أولئك الذين ناضلوا طويلا من أجل إحلال السلام والحرية في البلقان، مضيفا أن اعتقال ميلوسيفيتش خطوة مهمة على طريق محاسبته هو ورفاقه عن جرائمهم ضد الانسانية. وفي برلين، رحب وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر أيضا باعتقال الرئيس اليوغسلافي المخلوع ولكنه قال انه مجرد خطوة أولى على طريق محاكمة ميلوسيفيتش أمام محكمة جرائم الحرب في لاهاي. كما أعرب الاتحاد الاوروبي عن ترحيبه، واصفا هذا الاجراء بأنه خطوة مهمة نحو إحلال السلام والعدل في منطقة البلقان. الوكالات