قال غازي سليمان رئيس جبهة القوى الديمقراطية «جاد» ورئيس المجموعة السودانية لحقوق الانسان ان الاعتقالات التي طالت سكرتارية التجمع، بالداخل وآخرين، ليست لها علاقة اطلاقاً بالتغيير الذي حدث في الادارة الأمريكية وسياستها تجاه السودان. وأضاف في حديث خاص لـ «البيان» ان جبهة القوى الديمقراطية «جاد» وقبل ستة أشهر من الاعتقالات، عقدت اجتماعاً لمكتبها السياسي قدمت فيه تقريراً حول مستقبل العمل المعارض، وذلك بعد ان اتضح نية الصادق المهدي في العودة الى السودان. وقال: لقد تحدثت لكوادر جبهة القوى الديمقراطية، وبعض عناصر القوى الديمقراطية بالداخل ومن بينها «حق» بأن علينا ترتيب أنفسنا لهجمة شرسة قادمة من أجهزة أمن السلطة، وبالفعل بدأت الهجمة في الوقت الذي بدأنا فيه بالحوار مع الصادق المهدي. وأضاف سليمان: انا شخصياً أعتقد ان الصادق المهدي قد عاد الى السودان ومعه ضمانات من دولتي المبادرة المشتركة، وتتمثل هذه الضمانات في أن حزب الأمة سوف يتاح له مواصلة نشاطه السياسي بالداخل، وان قياداته بما فيهم الصادق المهدي سوف تحترم حقوقهم السياسية والمدنية وانهم لن يتعرضوا للاعتقال مشيراً الى انه ما كان للصادق المهدي ان يعود الى السودان لولا وجود هذه الضمانات، كما ان هذه العودة لم تكن خياراً شخصياً له، وأيضاً لم تكن خياراً لحزب الأمة، بل كانت ضمن ترتيبات الحل السياسي الشامل من دولتي المبادرة المشتركة (مصر وليبيا). وحسب تقديري ان الصادق المهدي قد عاد الى السودان مستنداً على هذه الضمانات، وعندما أصبح وجوده بالداخل حقيقة تبينت الحكومة السودانية خطورة هذه العودة، ولم يكن في استطاعتها منع حضوره. وقد رحبنا بعودة الصادق المهدي لأن عودته وبكل المقاييس تعد اضافة ونقلة نوعية للعمل المعارض بالداخل وتدفع به من مربع الشعارات والتصريحات بالصحف والندوات الى عمل معارض جدي يخاطب الشعب وتلتف حوله كل القوى المعارضة بالداخل. وقال سليمان انه يعتقد ان السلطة قد خافت وتوجست من خطة قيادة الصادق المهدي للمعارضة بالداخل والتفاف المعارضة الأخرى حوله وتحت عباءته. وأكد سليمان: ان «جاد» كانت تعتقد ان الحريات التي سوف يتمتع بها الصادق المهدي «سنستغلها» نحن لدفع المعارضة للأمام، وعندما تيقنت الحكومة من الخطر المحدق بها من وجود معارضة حقيقية بالداخل، وبأننا «أعني القوة الحية والجديدة في المجتمع ـــ قوى المثقفين والمهمشين» سوف تستفيد من الترتيبات التي كانت تمت مع الصادق المهدي لقيادة عمل جماهيري حقيقي قررت تصفية المعارضة «غير حزب الأمة»، وذلك لتحقيق هدفين أولهما: ان يكون حزب الأمة لوحده في الساحة ومن ثم يسهل احتواء معارضته والتأثير على بعض قياداته، وثانيهما النيل من سمعة حزب الأمة والصادق المهدي، ووصمهم ببيع المعارضة بالداخل، وبالتالي وضعهم في موقف حرج تجاه الحركة الجماهيرية. لقد وضع الصادق المهدي وقيادة حزب الأمة في موقف لا يحسدون عليه عندما تم اعتقال سكرتارية التجمع وبعض قيادات المعارضة بالداخل. وقال: وعلى ضوء هذا التحليل يمكن تخيل موقف الصادق المهدي وحزب الأمة ونظرة جماهير شعب السودان الذي عشنا معه طيلة هذه الأعوام العشر في السراء والضراء وندافع عن حقوقه السياسية والمدنية، وندخل المعتقلات، فبدلاً من أن تكون عودة المهدي، وحزب الأمة اضافة للمعارضة، أصبح خصماً، عليهما ويمكن تخيل موقف المهدي وحزبه في نظر الرأي العام «لقد كان تخطيطاً من الحكومة السودانية». وأوضح سليمان ان القضية ليست الاجتماع مع الدبلوماسي الأمريكي، والاعتقالات لم تكن بسبب هذا الاجتماع، كما لم يكن تصريحي لقناة «الجزيرة» في قطر سببا في الاعتقالات، انما هذا تكنيك مبيت من السلطة لتصفية المعارضة بعد ان اتضح لها «السلطة» بعد ان ابتلعت طعم عودة الصادق المهدي وقبولها بعودته، ومن ثم بدايته في عمل سياسي معارض باقامة الندوات في الجزيرة وغيرها على ضوء ما حصل عليه من ضمانات، ويمكن تخيل ان المعارضة الداخلية لو وجدت نفس القدر من المساحة من الحريات التي وجدها الصادق المهدي فإنها سوف تبتدئ تعمل. ورداً على سؤال حول ما اذا كانت الحكومة قد اتخذت هذه الاجراءات لارهاب المعارضة وابراز قوتها، وهل سيكون مصير المعتقلين من «السكرتارية» الاعدام قال غازي سليمان: لا بالطبع .. فالحكومة كما قلت بلعت طعم عودة الصادق المهدي واكتشفنا فيما بعد خطأ ذلك، وأنا أصر على أن عودته كانت جزءاً من ترتيبات الحل السياسي الشامل. أما بخصوص الاتهامات، أقول ان الحكومة غير جادة لعدم وجود اتهام، وكما قلت فإن اعتقال سكرتارية التجمع وبعض رموز المعارضة بالداخل، الهدف منه قطع الطريق أمام أي تحالف بين المعارضين والصادق المهدي، ومنع الاستفادة من أي ترتيبات وتنازلات حصل عليها المهدي من السلطة. وأضاف: ليس هناك قضية وليس هناك تخابر ولا توجد قضية ولا أسباب للاعتقال، ونعرف ان الاتهام يجب أن يرتكز على أدلة ليقود الى حكم بالاعدام، والحكومة ليس لها أدلة، وأنا لا أريد أن أتنبأ ولا ان اسيء الظن ولا أن أكون متفائلاً، ولكني اعتقد ان الحركة السياسية المعارضة في السودان أكثر وعياً، ولا توجد امكانية لاعدام المعتقلين، كما لا توجد امكانية لسجنهم وهذا أمر بعيد. وحول وجود تنسيق بين قوى المعارضة والتجمع الوطني في الداخل، قال رئيس جبهة القوى الديمقراطية ان التجمع يعيش الآن في أزمة، وعلينا أن نتحلى بالشجاعة ونعترف بالأخطاء .. التجمع في الداخل والخارج يعيش في أزمة، وعلينا نحن كمعارضين أن ننشط عمل المعارضة، ان كان ذلك داخل التجمع الوطني الديمقراطي وخلق جسم جيد لقيادة في الداخل، مؤكداً انه اذا استطعنا نحن أن نوسع قاعدة التجمع الوطني الديمقراطي، وان نتخطى الفشل التاريخي، وان كنت اعتقد ان التجمع في الخارج قد فعل شيئاً من الناحية الدبلوماسية والاعلامية ولكن التجمع بالداخل لم يفعل شيئاً بدليل ان سكرتارية التجمع في المعتقل وليست هناك أصوات احتجاج تذكر، ونحن نتحمل وزر هذا الفشل ونتحمل مسئوليته، وهذا الفشل كان بسبب ان عمل التجمع الوطني كان صفوياً بدأ من أعلى ولم يستطع الوصول الى الجماهير. وبشأن وجود هامش للحريات في السودان، قال سليمان انه كان موجوداً، وهو عبارة عن رخصة من الدول، وهو هامش تكتيكي وليس موضوعياً، لاننا أردنا التحدث عن حريات، وهذا يعني بالضرورة وجود قوانين ديمقراطية، مشيراً الى ان القوانين الموجودة بالسودان حالياً، كلها تتناقض مع المبادئ المتعارف عليها حول احترام الحقوق المدنية والسياسية والثقافية والاجتماعية للمواطنين. هذا من الناحية الموضوعية ومن الناحية الاجرائية يقول سليمان انه برغم ان القوانين تضطهد الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والثقافية لأهل السودان، لكن ومنذ عام 1998 وحتى 8/12/2000 فإن الحكومة لم تستعمل بعض الاجراءات المتعسفة في مواجهة المعارضة في الداخل، وإذا استعملتها فإنها تستعملها بتقديرات متزنة ومتوازنة فأنا اعتقلت لأكثر من مرة وكانت الحكومة تلفق تهماً نحوي واعتقل بموجب قانون الاجراءات الجنائية وأذهب الى المحاكمة وتتم المحاكمة وأسجن لشهور، وكانت الحكومة تحاول اتباع الاجراءات، ولكن بعد عودة الصادق المهدي تيقنت الحكومة لخطورة تنامي العمل المعاارض بحضور الصادق المهدي وعادت الى تفعيل قوانينها القمعية، بل رأت ان تعدل قانون الأمن الوطني من الناحية الاجرائية وزادت من فترة الاعتقال التعسفي من ثلاثة وثلاثين يوماً الى فترة غير محددة، وذلك بطريقة فنية، حيث انها عدلت المادة 31/1 ومنحت جهاز الأمن العام حق اعتقال المواطنين لمدة ثلاثة وستين يوماً بدون توجيه تهمة، وكنت شخصياً ومعي الأستاذ علي محمود حسنين أول من نفذ فيهما هذا التعديل، ومنح رئيس جهاز الأمن العام حق تمديد لفترة أخرى أي ثلاثة وستين يوماً أخرى، ومنح مجلس الأمن القومي السوداني الحق في تمديد الفترة الى فترات أخرى، ويمكن تخيل «فترات أخرى» دون تحديد أي سقف زمني لهذه الفترات وبالتالي أصبح الاعتقال التحفظي غير محدود الأجل «إلى ما شاء الله» وعادت الحكومة الى المربع الأول.