عندما تستحيل الصحافة إلى أداة للانتقام من المخابرات ، عدم وضع ربطة عنق أحد أسباب طرد توملنسون من المخابرات البريطانية فجأة وجد نفسه وحيدا وفى عين العاصفة. سلموه قرار فصله من خدمة مخابرات بريطانيا. لم يكترث أحد ان يفسر له بشكل واف أو شاف مبررات هذا القرار, وأن كان هناك من ألمح إلى ان وجوده يمكن ان يشكل خطرا أمنيا على هيئة المخابرات الإنجليزية. مع أنه كان هناك من لا يزال يتعاطف مع قضيته, كان شاهده فى ذلك ملف أربع سنوات من الخدمة الممتازة فى سلك مخابرات صاحبة الجلالة سواء بالمقر فى لندن أو على مستوى الميدان. مع ذلك ظلت المشكلات والهموم تتكاثر عليه وتتكاثف فوق رأسه, ما بين إحساس بالبطاله وما بين شعوره باليأس والإحباط ثم الافلاس المالى لدرجة كانت تهدد بطرده من مسكنه بعد ان اصبح عاجزا عن سداد الاقساط. حوار في لافندر كافيه كان هذا حال مؤلف كتابنا ريتشارد توملنسون, حين توجه لمقابلة واحد من كبار العاملين فى إدارة المخابرات البريطانية. كان ذلك تحديدا فى يوم 25 مارس 1996 وتم اللقاء فى لافندر كافيه, وهو مقهى فى إحدى ضواحى لندن. موضوع اللقاء كان نوعا من التسوية التى يمكن التوصل إليها بين هيئة المخابرات وبين جاسوسها السابق على ان يواصل طريقه فى الحياة. بادر مبعوث المخابرات وكان اسمه مايك تمبسون قائلا: شكرا ان رضيت مقابلتى. وقد كنت أفكر فيك طيلة الأسبوع الماضي. ـ لماذا ؟ ـ لأننى كنت أقرأ كتابا عن شاب فى سنك اسمه كرستيان, وصلت به أموره إلى ما يشبه حالك الآن كان محبطا, خاوى الوفاض, بغير عمل, بل وبغير مسكن, كل ما فعله ان ذهب والتحق بخدمة الفرقة الأجنبية الفرنسية ثم سجل بعدها تجربته فى كتاب بعنوان (فحم ملئ بالصخور), والمهم ان أحواله تحسنت بعد ذلك. ـ هل تشير على بأن التحق بدورى بالفرقة الأجنبية ؟ (وهى جيش سيئ السمعة كانت فرنسا تشكله من أبناء مستعمراتها فى آسيا وأفريقيا). ـ لا, مطلقا, كل ما هناك هو ان أمورك قد تتحسن فى نهاية المطاف. ـ بعد المقابلة, عاد صاحبنا ريتشارد توملنسون إلى شقته وفى رأسه كانت ترتطم صخور وأفكار, كتاب بعنوان فحم ملئ بالصخور, واقتراح بالألتحاق بصفوف الفرقة الأجنبية الفرنسية, الاقتراح مرفوض, وإذن لم يبق إلا الاقتراح أو الخيار الآخر ان يكتب كتابا عن تجربة أربع سنوات حافلة, مثيرة فى خدمة المخابرات البريطانية. فى هذا السياق يمضى مؤلفنا ليقول (ص29): سوف يكون الأمر غير قانونى أو غير مشروع تماما. ولو حتى على مستوى الإفصاح عن لون السجاجيد الموضوعة فى مقر هيئة إم. آي. 6 العتيدة فى لندن. لكن الإمعان فى اسدال هذا الشئ من السرية هو الذى يؤدى فى واقع الأمر إلى حماية حصانة المخابرات من إن يحاسبها أحد أو يسائلها أى طرف من الأطراف, وهذا بدوره أوجد مناخاً أفضى فى حالتى إلى ذلك الاستهتار المغرور بحقوقى, بل وحقوق عدد لا يحصى من المنتسبين إلى إدارة المخابرات وكل هذه الخصائص تشوه علاقات التفاعل التى كان يتبقى ان تقوم بين مخابرات إم. آي.6 وبين المجتمع بشكل عام. فماذا عساى ان أفعل إذن ؟ لو تناسيت ما حدث لى ـ فلسوف تمعن إم. آي. 6 فى الإساءة إلى العاملين فيها ومن ثم سيكون هناك ضحايا بعدي, تماما كما ان هناك ضحايا سبقونى على الطريق نفسه. مع السلامة كل هذه الخواطر دارت فى رأس مؤلف هذا الكتاب, وقد ظلت تتناوشه عوامل متناقضة: ما بين إحجام خوفا من الوقوع تحت طائلة قوانين سر المهنة وصيانة المعلومات التى تمس المصالح القومية العليا, وبين إقدام يدفعه إلى ان يحكى تجربته فى كتاب منشور مما يؤدى إلى اشعار المخابرات بأنها غير محصنة وراء متاريس السرية وإنها خاضعة لنوع ما من الشفافية, ومن ثم المساءلة أمام هذه المؤسسة أو تلك فى المجتمع العريض. وربما زادت عوامل الإقدام, بفعل ما كان يعمل إلى اسماع الأخ ريتشارد من أخبار ومعلومات, كان أهمها ما عمدت هيئة مخابرات بريطانيا, مخدومه السابق إلى إشاعته بأنها قد فعلت من أجله الشيء الكثير, ناهيك عما عمدت إليه فى الوقت نفسه من تشويه سمعته وربما القدح فى ذمته مما يسد عليه بداهة مسالك أى عمل كريم وجديد. ويلخص المؤلف حالته إزاء هذه التطورات فى عبارات قال فيها ان إجراءاتهم كانت تدفع بى الى الحصار فى ركن ضيق من الناحيتين القولية والمالية على السواء, وكان تأليف كتابى يشكل لى المخرج الوحيد من زاوية هذا الحصار. ومن محاولاته الأخيرة أو فلنقل قبل الأخيرة أنه لجأ إلى النائبة العمالية التى تمثل دائرة سكنية فى مجلس العموم, وعادت السيدة البرلمانية من لقائها مع مسئولى المخابرات لتكتب له خطابا شبه بيروقراطى تقول فيه أنها علمت واطمأنت إلى ان مسئولى الدائرة قد أعطوه ما كان ليستحق من حقوق وأنهم قدموا له كل مساعدات ممكنه. وكفى, هكذا قرر ان يخرج من بريطانيا على متن دراجته البخارية بعد ان طردوه من شقته. وفى سلوك أقرب إلى التشفى, وقف أمام رجل الجمارك الإنجليزى عند نقطة العبور إلى فرنسا وأخرج جواز سفر من جيبه الداخلى, وختمه الجمركى الشاب قائلا في بسمة حكومية: مع السلامة مستر هنتلي. لقد استخدم اسمه وهويته وجوازه المصطنع المستعار. الذى هيأته له مخابرات بريطانيا وسافر تحت غطائه متنكرا به ومستترا فى أكثر من مهمة ميدانية, حملته كما اسلفنا فى أحاديث سبقت ما بين البلقانى فى وسط أوروبا إلى الارجنتين فى قارة أمريكا الجنوبية ومن فرنسا رحل على الدراجة إلى أسبانيا ليستقر فى مسكن عمومى رخيص إلى حد الكفاف. وكى يواصل عيشه الكفاف أيضا باع دراجته وحسب حسبته, سوف يكفيه ثمنها متقشفا نحو 4 أشهر وهى تكفى من أجل, تأليف كتاب أو لوضع مسوداته الأولى على أقل تقدير. وهكذا حانت اللحظة الحاسمة (ص 212) ويقول عنها المؤلف: وضعت أمامى جهاز الحاسوب الشخصى (لاب توب ) العتيق وشرعت فى الكتابة كان يؤلمنى احساس عميق بالظلم بعد ان اضطرونى إلى ان أغادر وطنى وافقدونى مصدر دخلى المأمون وحرمونى من مستوى معيشه مريح, لهذا شعرت بالإ رتياح حين بدأت أسجل حكايتى على الورق فى نهاية المطاف. فى هذا السياق بالذات يلفت نظرنا ما ذهب إليه المؤلف من ان هيئة المخابرات, وربما إي هيئة فى العالم مكلفة بأعمال مخابراتية هى أشبه بجماعة أو نحلة (بكسر النون), تقوم على الأسرار والغوامض والرموز, يندرج الموظف فى ملاكها أو سلك العمل فيها. تماما كما يدخل عضو الجماعة أو النحلة أو المذهب السرى من دون ان يكون أمامه سوى باب وحيد للخروج إما بالاعفاء أو الاقالة أو الاحالة القانونية على التقاعد أو بالطبع بالخروج من الدنيا إلى دار الآخرة, وهو فى كل هذه الأحوال لا يحكى شيئا وليس له ان يفشي سرا, وكم من أمرئ عاش ومات دون ان يدرى جيرانه أو معارفه, وربما أقرب الأقربين منه أنه كان يعمل, ضابطا أو عميلا أو جاسوسا فى سلك المخابرات. وإذا كان هذا هو حال الإدارة (أو هى الجماعة السرية ) فإن الأمر ينتهى بأن يكون هذا بالضبط هو حال موظفيها أو منتسبيها أو أعضائها أنهم يشعرون بنوع خاص, مميز وفريد من الولاء إزاء, (المؤسسة) أو حيال, (الجماعة ) هم أحرص على أسرارها, ببساطة لأنها أسرارهم التى أفنوا فى كتمانها رحيق حياتهم وشغل عمرهم. إلى الصحافة هذه المشاعر يصفها مؤلف كتابنا (ص213) حين يقول: كان شعورى الولاء من القوة فى داخلى لدرجة كان يتعصى على حياتى إزاء ماكنت أكتبه صحيح ان كنت أستيقظ أحيانا فى فمى مرارات تكاد تندلع من حلقى وتدفعنى إلى ان أطارد ما كنت أخطه من كلمات فى تتابع لاهث متلاحق, إلا أننى كثيرا ما شعرت بالذنب إزاء إنتهاك شعور الولاء الذى كان لايزال مستكنا فى أعماقى إزاء هيئة المخابرات وكم شعرت بالارتياح إزاء موقف المواجهة الذى كان النشر كفيلا بأن يثيره إلى حد الاستفزاز. بعدها يصل المؤلف إلى حيث منطق التبرير أو التكييف أو التخريج أو التسويغ ولعله تعلم هذه المهارات جميعا خلال دوراته التدريبية التى حكى فى برامج الإعداد والتهيئة فى المخابرات. يقول مؤلفنا ريتشارد توملنسون: صدقونى, لو كان أمامى حل آخر لفض النزاع لكنت قد اخترته بغير توان. كل ما أردته هو ان تتاح لى فرصة لكى يفنوا معى أمام محكمة عمال تنصف الطرف المظلوم وساعتها أثبت لنفسى ولاصدقائي ولأسرتى وللنائبة المحترمة (التى لم تهتم بي) ان طردي من خدمة المخابرات البريطانية جاء قرارا بغير مبررات. كنت أدرك ان لا سبيل إلى ان أعود مرة أخرى إلى وظيفتى هناك لكن كان يكفينى ان أكون قادرا على الأقل ان أرفع رأسى فى أى مقابلة توظيف مع أي مؤسسة تطلبنى للعمل فى المستقبل وساعتها أشرح لهم ان طردى من خدمة المخابرات كان أمرا لا يبرره شرع ولا قانون. فى ضوء هذا المنطق, راود المؤلف تصور ظل يتسع فى خاطرى مع مرور الأيام. إن المخابرات مؤسسة لها حول وطول, وهو فرد لا راح كما يقولون ولا جاء بغير حول أو طول, وهم بالتالى لن يتفاوضوا معه فى أى حال بغية إنصافه, لذلك فالسبيل الوحيد للمجئ بهم إلى مائدة مفاوضات مع مستخدمهم السابق هى التحول بنص كلمات المؤلف إلى تكتيكات الارهابيين. وقبل ان يتبادر إلى الذهن ان صاحبنا المؤلف المثقف الجاسوس البريطاني السابق كان قد قرر ان يحمل سلاحا أو يفجر قنبلة زمنية فقد بادر المؤلف, وليس غيره إلى تفسير ما يقصده بحكاية تكتيكات الإرهابيين حيث وصفها قائلا: إنها بضع معلومات مثيرة تنشر على صفحات الجرائد ويكون من شأنها ان تقص مضاجع المسئولين فى مخابرات بريطانيا العظمى, أو توقظهم إذا كانوا نياما لايزالون. هكذا جاء يوم 12 مايو 1996 فإذا بجريدة الصنداى تايمز تنشر تحقيقا صغيرا عن عمليات التجسس التى تمارسها إم. آي. 6 ضد (حلفائنا) الفرنسيين. كان صاحبنا المؤلف هو مصدر هذه المعلومات الخطيرة, ولكنه لم يكن مصدرا أوليا أو مباشرا بل كانت معلوماته من الدرجة الثانية كما قد نصفها. كان قد سمع زميلا له, اسمه نيزى فورتون, وهو يحكى خلال تناول الغداء فى مقصف المخابرات, إنه كان يمارس عملية تجسس تحت غطاء أنه صحفى مهتم بشئون الدفاع ومن ثم كان الضابط المسئول عن (إدارة ) تحريك مهندس فرنسى جندوه كعميل لانجلترا لكى يوافيهم بأحدث وأدق المعلومات عن قاعدة (برست) البحرية, وكان أهم ما تريده لندن من المهندس الفرنسى ان يزودها بمعلومات عن تكنولوجيا فرنسية سرية تتيح اقتفاء اثر الغواصات, باستخدام الأقمار الاصطناعية لتحرير المواقع التى تكون الغواصات قد خلفتها حتى بعد ان تترك الغواصة الهدف إلى قاع المحيط. ولما كانت هذه المعلومات التى قدمتها صاحبنا إلى (الصنداى تايمز) كانت غامضة وكانت تفتقر إلى توثيق أو تمحيص, فقد نشرتها الجريدة بأسلوب ملتو وشكل ملفوف وعوضت عن النقص بما يلزم الطبخة من بهارات الصحافة وخصب خيالها. بلا ربطة عنق ولم يخب ظن مؤلفنا, تحركت مخابرات لندن وأرسلت إليه فى مكمنه الجديد فى جبل طارق مندوبا من مخضرمى موظفيها اسمه موريسون وبعدها دار حوار: ـ مستر موريسون, أنا مستعد لمقابلتك لكن فى حضور محام موكل عنى. ـ مستر توملنسون, أنت أول من يعرف ان هذا مستحيل, وجود محام معنا كفيل بتعريض أسرار الدولة العليا لخطر الذيوع. ثم أرجوك ان توافق على ان يكون لقاؤنا فى سفارة بريطانيا فى مدريد. ـ لماذا ؟ ـ لكى نتخذ من أرض السفارة مركزا يكفل لنا أمن الاجتماعات ويتيح لك ولى ما قد نحتاجه من تسهيلات. وبقدر ما كانت المفاوضات مثيرة, فقد كانت من الصعوبة بمكان ترجع الإثارة أولا إلى ان موريسون حمل إلى اجتماع السفارة فى مدريد عددا من الملفات السميكة وساعتها بادره مؤلفنا بالسؤال: ـ ما كل هذا ؟ ـ هذه الملفات التى تحوى كل التقارير المكتوبة عنك خلال خدمتك فى المخابرات وعلى سبيل حسن النيه يمكنك ان تطلع على محتوياتها. وحين قرأ المكتوب عنه كاد يصاب بالجنون فالملفات كانت من وجهة نظره تحوى تلفيقات وافتراءات تصل إلى مستوى الأكاذيب, وأحيانا ملاحظات تصل إلى مستوى السخافات أو التفاهات ومن ذلك مثلا ما يقوله أحد الملفات السلبية: لوحظ ان (موظفنا) (يقصد المؤلف) قد توجه لزيارة الزعيم الصربى (السفاح) كاراديتش دون ان يكون مرتديا ربطة عنق (!). ومرة أخرى شعر صاحبنا أنه فرد وحيد يواجه مؤسسة عاتية, كل ما قدمه له وعود. بمساعدته على إيجاد وظيفة معقولة والحصول على قرض يسدد على 10 سنوات لامتلاك مسكن معقول, كما سوف يصرفون النظر عن حكاية إتصاله بالصحافة. ولم يكن المقابل بسيطا بطبيعة الحال. وتلخصه سطور الكتاب (ص219) فى عبارات تقول: ان يتخلى المؤلف (مستخدمهم السابق) عن أى مطالبات من جانبه برفع دعوى أمام محكمة شئون العمال, وأن يسلمهم حاسوبه الشخصى بكل محتوياته التى تشمل المسودات التى بدأ يودعها فيها وأن يتنازل عن أى حقوق طبع أو نشر بالنسبة لأي مواد ينشرها حول المخابرات البريطانية فى يوم من الأيام, وأن يشفع هذا كله بتوقيعه. كانت الأمور كلها ترجح صالح المؤسسة, وعندما رفض التوقيع, تحولت سلوكيات التهذيب عند مندوب المؤسسة إلى خشونة فى التعامل بغير مقدمات, ساعتها لم يتورع موريسون عن ان يشرع فى وجه مؤلفنا سيف التهديد. إذا لم توقع هذا الاتفاق, الآن بل فى التو واللحظة فنحن بصراحة لا نستطيع ان نضمن سلامتك الشخصية . ولم يجد بالطبع مناصا من التوقيع. لكن فكرة الكتاب أو هى فكرة الثأر ظلت تعيش معه. وكان يدرك أنه بعد توقيع إتفاق الإذعان مع مخابرات لندن, فلن يتمكن يوما من نشر الكتاب فى لندن. وعندما قلب الأمر فى جوانبه المختلفة. تذكر فجأة ان جاسوسا محترفا سابقا هو (بيتر رايت) خاض معركة أقرب إلى معركته مع المخابرات البريطانية ولكنه نجح فى نهاية المطاف فى نشر كتابه وبالتالى جمع ثروة طائلة تصل إلى خانة الملايين. ونال الكتاب شهرة واسعة تحت اسمه الذى ظل يردده الجميع وهو: صائد الجواسيس. وكانت البلد الذى أمكن فيه نشر كتاب بيتر رايت هو استراليا. وهكذا شد مؤلفنا الرحال إلى استراليا, بحثا عن عمل وأيضا التماسا لناشر استرالى يضع كتابه المرتقب بين يدى قارئ الانجليزية ومن ثم يحقق الكتاب غرضه فى الإنتقام من ناحية وفى جني الملايين من ناحية أخرى.