يحدث في البرلمان البريطاني الآن ، مؤامرة عنصرية لاغتيال مانديلا و 3 مخططات بديلة لقتل ميلوسيفيتش مقهى فى قلب العاصمة اليوغسلافية بلجراد شهد اللقاء الثانى بين مؤلف كتابنا بوصفه مندوب المخابرات البريطانية وبين الصحافى اليوغسلافى زوران اوبرادوفتن كانت بلجراد تعانى آثار العقوبات التى فرضتها الأمم المتحدة فى 1 يونيو 1992 على نظام صربيا الحاكم فيما تبقى من دولة يوغسلافيا السابقة وكان صاحبنا, مندوب مخابرات لندن, قد أدرك منذ أول لقاء أن الصحفى اليوغسلافى الهدف على استعداد مبدئي للتعاون . كان زوران فى منتصف الثلاثينيات من العمر, من اصل صربى وكرواتى مختلط ولكنه كان يحدد هويته بعناد على أنه (يوغسلافى ) رافضا فى ذلك الحرب العنصرية الأهلية التى واشتعلت فى البلاد وعلى الرغم من أن آراءه كانت مناهضة للحرب إلا أن علاقاته الصحافية أتاحت له سبل الاتصال مع أوالاقتراب من مراجع عسكرية عليا . كان يعمل لحسابه الخاص من دون الإرتباط بمؤسسة هنا أو جريدة هناك ..وقد قبل مبلغ 500 مارك المانى من دون أى محاولة للتستر أو التبرير بوصفة مقابل (أتعاب الاستشارة ). لقاء في بلجراد لم يكن صعبا على رجل المخابرات البريطانية إدراك أن صديقه أو فلنقل عميله الصحفى اليوغسلافى كان بحاجة إلى المال بسبب إقباله على أسلوب الحياة الغربى الذى كان (زوران ) يترجمه إلى تناول خمور مستوردة وتدخين السجاير الأمريكية والإقبال بشهية على أصناف الطعام اللذيذ وزاد من عمق الصلة بين رجل المخابرات وعميله الجديد أن نظام العقوبات الدولى كان يحول بين زوران واسباب متعته تلك فى حين أن الجاسوس البريطانى مؤلف الكتاب كان بوسعه أن يكفلها. مشكلة هذه المقابلة الثانية فى مقهى بلجراد أن الجاسوس البريطانى قد شعر أن هناك من يراقبه .. كان قد جاء إلى عاصمة يوغسلافيا مستترا بغطاء صحافى حيث اتخذ اسما مستعارا هو (بن برزلى ) ووضع فى محفظته بطاقة مزيفة بإتقان تشهد بعضويته (الموهومة طبعا ) فى اتحاد الصحافيين العالمى .. بالإضافة إلى بطاقة إئتمان ودفتر شيكات محترم من بنك اسكوتلندا .. وكلها باسمه المستعار . استطاع أن يراوغ مراقبيه إلى أن وصل فى موعده مع عميله المرتقب ولكن راعه أن العميل جاء إلى الموعد فى سيارة تحمل لوحات دبلوماسية, سلم على الصحافى اليوغسلافى قائلا : ــ سيارة جميلة, لابد أن لك اتصالات قوية أتاحت لك اقتناءها . وكيف تتصور إمكانية الحصول على البترول اللازم لها .. ولا سبل السفر برية فى كل أنحاء صربيا والبوسنة وكرواتيا إلا بتلك اللوحات الدبلوماسية المعفاة من طوابير محطات البترول ومن الوقوف صفوفا أمام نقاط الحدود. والغريب أن الصحافى اليوغسلافى لم يدل بمعلومات ذات قيمة أو تستحق الافادة منها فى تقرير مخابرات والأغرب أن غداءه ومشروباته كلفت (الشئ الفلانى ) فى بلد واقع تحت جزاءات الأمم المتحدة, والأغرب أكثر وأكثر أن شعر مؤلف كتابنا أن الهدف اليوغسلافى يلعب لعبة عميل مزدوج بينه وبين سلطات صربيا .. من هنا سارع إلى قطار المساء واستقله إلى بودابست عاصمة المجر ومنها عاد إلى لندن ليبلغ رؤساءه أن أولى مهماته فى بلجراد الصربية لم تعد فى رأية بثمار لها قيمتها. ديناميت من أجل مانديلا وفى مقصف المخابرات البريطانية , سنشرى هاوس فى لندن التقى بزميل كان عائدا لتوه من جولة مماثلة لجولة توملنسون , مؤلف الكتاب . الفرق أن جولة مؤلفنا كانت بين المجر وصربيا بوسط أوروبا فى حين أن جولة رفيقة المخابراتى أيضا كانت بين أثيوبيا وأريتريا فى منطقة القرن الإفريقي. لكن الحديث تطرق إلى مسئولية رفيقه, وكان اسمه فورتون عن جنوب افريقيا, بالتحديد, عن تقارير المخابرات المتعلقة بدولة جنوب افريقيا وقتها كان الزعيم الأسود نيلسون منديلا قد خرج من زنزانته بعد 27 عاما من السجن بأوامر من نظام الابارتيد الذى اقامه المستوطنون البيض العنصريون.. وكاد مؤلف كتابنا (ص 141) يصاب بالذهول حين سمع الأخ فورتون يقول متباهيا وهو فى جلسة القهوة فى كافتيريا المخابرات البريطانية: تلقيت اليوم تقريرا بالغ السرية ويبدو من معلوماته أن حزب البيض فى جنوب أفريقيا يخطط لاغتيال نيلسون منديلا فى الشهر المقبل (كان ذلك فى منتصف صيف 1993 ) خطتهم تقضى بنسف منديلا وهو يحضر مباراة ملاكمة حاشدة بالجماهير أو فى اجتماع شعبى يعقد فى الهواء الطلق فى بريتوريا ..وقد حصلوا لتوهم على كمية متفجرات من مخازن جيش (النظام العنصرى) فى جنوب افريقيا. سأل مؤلفنا متشككا : * هل أنت متأكد ؟ - تماما * ومصدرك ؟ - لنا عميل مزروع فى صفوف حزب البيض المستوطنين وهو مصدر موثوق بحكم تجارب الماضي. وخطتكم. تقضى بأن تسلم محطتنا فى بريتوريا التقرير الى منديلا شخصيا, ولو سلمناه إلى عناصر فى جنوب افريقيا فربما لا يصل إلى يد الزعيم الافريقى .. بين صفوف هؤلاء الملاعين أولاد الـ .. من يريد رؤية منديلا جثه بغير حراك. فى هذا السياق يعلق مؤلف كتابنا: وصل التقرير إلى يد منديلا وكان أن اتخذت الاحتياطيات اللازمة وتفادى الزعيم مؤامرة الاغتيال ولاغرو أن ارتفعت لديه حين أصبح رئيسا أسهم إم.آي 6 مخابرات صاحبة الجلالة البريطانية في مكتب (فيش) بمناسبة مؤامرت الاغتيال التى تدبر, وهذا طبيعى, تحت جنح الظلام , فوجئ المؤلف يوما باستدعائه بصورة عاجلة إلى مكتب فيش مسئول العمليات الخاصة فى المخابرات وفاجأة أكثر سؤال مباشر يقول * ما رأيك فى أن تشارك فى تنفيذ خطتى الجديدة فى صربيا (يوغسلافيا سابقا ) ؟ *ما هي ؟ - اغتيال رئيسها ميلوسيفتش ! * انت تمزح معى وأنا أصدقك ! - أنا أخطط لاغتيال رجل بلجراد القومى . وسبق أن خططنا لاغتيال هتلر فى الحرب العالمية الثانية. لكننا لسنا فى حالة حرب مع صربيا, ثم أن مليوسيفتش زعيم مدنى وليس جنرالا أو مارشالا عسكريا. ــ لو قرأت تقريرى إلى سانتا كلوز بابانويل فى الطابق الأعلى لاقتنعت (سانتاكلوز أو بابا نويل كان اسم الدلع كما قد تسميه الذى يطلقه ضباط وجواسيس المخابرات البريطانية على الرئيس الأعلى للجهاز . بعدها قرأ مؤلفنا تبريرات اغتيال رئيس يوغسلافيا (السابق ) : ومنها أنه عمل على زعزعة استقرار المنطقة من أجل تحقيق مشروعه فى إقامة صربيا الكبرى . ومنها أنه أعطى تأييده سرا ودعمه بغير حدود لسفاح الصرب, ردوفان (الأصل من رضوان ) كارادزيتش, ومنها أنه وضع مخططات لابادة وتصفية جسدية للسكان الألبان المقيمين فى كوسوفو. وبعد الحيثيات رسموا خطة الاغتيال وهى واحدة من بدائل ثلاثة. ـ تجنيد مجموعة من منشقى الصرب وتزويدها بكل ما يلزم لتنفيذ عملية الاغتيال .. ميزة هذا البديل هى إمكانية إنكار العلاقة به ومن ثم التنصل منه تماما . عيبه صعوبة السيطرة على عناصر التنفيذ. تكليف عناصر محترفة ومدربة بواسطة مخابرات بريطانيا تتسلل إلى حدود صربيا وتقتل رئيسها سواء بقنبلة أو بواسطة قناصة فى فخ منصوب. ميزة البديل إمكانية نجاحه وعيوبه صعوبة التنصل من تبعاته فى حال الانكشاف. الترتيب لوقوع حادثة سيارة يروح ضحيته رئيس صربيا يوغسلافيا سلوبودان ميلوسيفتش وربما يتم ذلك خلال حضوره المؤتمر الدولى المعنى بيوغسلافيا السابقة فى جنيف ويقضى هذا المخطط البديل باستخدام بندقية أضواء مبهرة تعشى معه عيون سائق سيارة فخامة الرئيس عند لحظة عبور موكبه إلى عنق أحد الانفاق, وميزة حوادث الانفاق كما يضيف المؤلف, أن شهودها من أقل ما يكون من ناحية وأن نتائجها تقضى إلى الهلاك الكامل من ناحية أخرى . مرة أخرى لم تنفذ خطة أو مخططات اغتيال رئيس صربيا يوغسلافى, ومع ذلك فقد عرضنا لها بقدر من التفصيل على نحو مايراه القارئ الكريم لكى يحيط علما بمنهج التفكير وطرائق النهوض بالمسئوليات داخل أروقة المخابرات البريطانية, ولعل هذا هدف كان يقصده مؤلف هذا الكتاب فى الأساس, وشاهدنا على هذا التحليل هو إشارته ولو من باب التلميح إلى أن النهج, البديل, الثالث فى تنفيذ حوادث الاغتيال, كما يرد فى فكر عناصر المخابرات البريطانية يأتى ليحاكى, كما هو بديهى, الطريقة التى أودت بحياة الأميرة ديانا وصديقها الشاب المصرى فى أحد الأنفاق بفرنسا. جاسوس بدرجة نائب انتقل مؤلفنا بين صفوف مخابرات بريطانيا إلى مهمة أخرى بل إلى مغامرة جديدة كما قد تقول. ونحن نطلق عليها وصف المغامرة لأنها تتعلق بإقدام المخابرات الإنجليزية على أن تجند بين صفوفها عميلا, جاسوسا بدرجة نائب برلمانى محترم فى مجلس العموم البريطانى الكلى الاحترام. بدأت الحكاية بأن بادر فيش مسئول العمليات الخاصة إلى مفاتحة زميله مؤلف كتابنا بقول : ــ هل أنت مستعد لمهمة (إدارة (بيتر وت )؟ - أوكي لكن من هو بيتر وت ؟ ـ هو يا سيدى صنف خضار من الجناح اليمينى (بيتر وت فى الإنجليزية معناها حرفيا جذور البنجر وهو طبعا الأسم الكودى للعميل المذكور) . هو نائب محترم عن حزب المحافظين فى البرلمان على سن ورمح, ولكنه يؤدى واجباته نحونا على ما يرام , وهذا أمر غريب . وبالمناسبة . هذا هو ملفه خذه واطلع عليه ثم تعال كى نتفق ). يواصل المؤلف حديثه (ص148 وما بعدها ) و يحكى لنا كيف أن سعادة النائب (بنجر) كما قد نسميه كان يود الالتحاق بصفوف المخابرات البريطانية بعد تخرجه من الجامعة ولكنهم رفضوه لأسباب تتعلق كما قالوا , بالأمن بعدها اتجه إلى عالم البيزنس وظل يتردد على الاتحاد السوفييتي وهناك التقطه ضباط المخابرات البريطانية كى يزودهم بمعلومات , ولو من الدرجة الثانية, حول النشاط الاقتصادى فى موسكو . وعندما التحق بصفوف حزب المحافظين رشحه الحزب على قائمته ومن ثم دخل نائبا فى مجلس العموم . ولما كان القانون يمنع المخابرات من تجنيد واستخدام حضرات النواب البرلمانيين المحترمين إلا أن هيئة المخابرات حصلت على تصريح من جون ميجور رئيس وزراء بريطانيا شخصيا فى ذلك الحين كى يواصل النائب المحافظ المحترم عمالته لها وتجنيده ضمن صفوف جواسيسها , خاصة وقد كان يتردد على البوسنة وغيرها ضمن الوفود البرلمانية الزائرة مما كان سيجعله ترسا ثمينا فى ماكينة معلومات المخابرات بحكم وصوله إلى المراجع العليا والقيادات المنفذه فى تلك المناطق. يقول مؤلفنا أن لقاءه مع النائب الجاسوس تم فى بار شبرد ماركت القريب من البرلمان وما كان أحد من النواب فى مجلس العموم يغشى هذه الحانة خشية من أى فضائح محتملة قد تسيء إلى سمعته بين أسرته أو ناخبيه , خاصة وأن البار المذكور كان مكانا مفضلا للبغايا الساقطات. بادره الجاسوس البرلمانى قائلا: أنا سعيد بهذا اللقاء, لأن عندى معلومات مهمة وما كنت أدرى لمن أفضى بها من عناصركم. ثم بدأ يتكلم عن مواطن بريطانى ولكن له أصول صربية ويتكلم اللغة الصرب ـ كرواتية بطلاقة وهو متعصب لقضية صرب البوسنة (العنصريين ) والحاصل أن النائب الصربى الأصل رتب لتقديم هبه مالية لصالح صرب المحافظين وسوف تأتى عن طريق بنك صربى وإن كان الممول الحقيقى هو (السفاح ) رادوفمان كاراديتش الذى يريد فى المقابل أن يدفع بالمواطن البريطانى الصربى ليصبح عضوا محافظا فى البرلمان الإنجليزي. كان حزب المحافظين على حافة الافلاس بعد أن استنفد خزانته, كما يضيف المؤلف, فى حملة انتخابات عام 1992 . ولم تكن خطورة المعلومات وخاصة تلك المتصلة بحكاية هديه التمويل المقررة صربيا ترجع إلى أن حزب المحافظين وقتها فى بريطانيا مستعد لتلقى أموال من مصادر أجنبية . وهو أمر يخالف القانون, لكن الأخطر أن الأموال تأتى من كاراديتش بالذات, السفاح الذى لا يتورع رجاله عن ملاحقة بل واغتيال الجنود الإنجليز الأعضاء فى (بروفور) وهى قوة الحماية الدولية التى نظمتها الأمم المتحدة للتدخل فى حرب البلقان الأهلية لذلك كان (رجلنا فى البرلمان ) حائرا إلى من يسر بهذه المعلومات أنه لا يستطيع كشفها أمام المسئول البرلمانى الأعلى ولذلك كان سعيدا بأن وجد أذنا مصغية إليه من عناصر المخابرات. وفى المقر هتف رئيس العمليات الخاصة قائلا: يا إلهى .. تلك معلومات بالغة الخطورة . ولو أنك أفضيت بها إلى جريدة (ديلى ميرور) مثلا لأعطوك مقابلها 15 ألف استرلينى نقدا وعدا, لكن ما باليد حيلة . وعليك أن تسارع بتدوينها فى تقرير يرفع فورا إلى رئاسة المخابرات . فى نصف ساعة كان تقرير السوبر خطير جاهزا ممهورا بخاتم فائق السرية ولا يعرض إلا على رئيس المخابرات وربما شجع مؤلفنا على إنجاز تقريره مايعرفه من معلومات عن سلسلة الفضائح المالية التى كان يتعرض لها حزب المحافظين الحاكم فى بريطانيا. وفى صباح اليوم التالى تلقى كاتبنا مكالمة من السكرتير الخاص لرئيس المخابرات يقول له: فى تقريرك مشكلة خطيرة تعال إلى مكتبى فورا. ـ ومن خلف المكتب المهيب المفعم بالأوراق والتقارير والأسرار خاطبة السكرتير بلقبة الرمزى الوظيفي. (يوكى سبعة ) .. تفضل بالجلوس, تقريرك هذا عن أموال تدفع لحزب المحافظين ؟ * ماله ؟ ــ أخشى أن لن تستطيع اصداره. *- لماذا؟ ـ لو تسربت معلوماته لاسقط الحكومة كلها. * هل من واجب مخابراتنا أن لاتتعرض لاسلوب إدارة الحكم فى بلادنا؟ ـ هناك قنوات أخرى لابلاغ معلومات التقرير . * مثل ماذا ؟ ــ قرر الرئيس إصدار التقرير على أنه (حبة بطاطس ساخنة ). *- بمعنى ؟ ــ أن يوجه فقط إلى رئيس الوزراء .. أما أنت فخذ هذه النسخة . وذيلها بتوقيعك .. لقد تقرر إعدام كل نسخ التقرير ..وليس لك أن تحكى لأحد كائنا ما كان عن هذا التقرير ولا عما حدث الآن بيننا .. مفهوم ؟ يقول المؤلف : انطوت نبراته على التهديد .. ولم أجد مناصا من التوقيع صاغرا. وربما لم يكن صدفة أن تلقيت بعد بضعة أيام مكالمة هاتفية أخرى .. تقول إنهم قد (اختارونى ) لشطارتى طبعا ليبعثوا بى إلى الميدان فى مهمة جديدة لصالح المخابرات .. قالوا له أن خبرتك العسكرية تشهد بأنك ستكون قادرا على هذا التكليف الجديد فى الميدان . * وأين سيكون التكليف؟ ــ فى منطقة مازالت تشهد حربا محتدمة وكان لابد من تنفيذ التكليف الجديد. وحزم صاحبنا متاعه البسيط واتجه إلى الميدان .. فى سراييفو.