مغامرة مثيرة في ضواحي موسكو ، شبكة صواريخ يلتسين مقابل بيت وسيارة و100 ألف جنيه استرليني فى عالم المخابرات السرى يعكف الجواسيس والعملاء على التدقيق فى عمليات الاستطلاع والامعان فى تدارس التفاصيل واتخاذ أهبة الاستعداد لشتى الاحتمالات, مع ذلك, فثمة قانون غريب بدوره يقطع الطريق أحيانا على كل هذه الاستعدادات ويقلب الحسابات والمخططات. هو قانون الصدفة, ومن خلاله يستجد فجأة ومن دون مقدمات عامل جديد يغير الموقف ويحول جذريا اتجاه الأحداث. يؤمن صاحبنا مؤلف الكتاب بقانون الصدفة المذكور ويضرب على ذلك مثلا من واقع تجربته فى هيئة المخابرات البريطانية فى صباح يوم حار فى يونيو, 1992 دق جرس الهاتف فى مسكن ريتشارد توملنسون (المؤلف) وكان المتكلم واحدا من رفاقه يطلب نصيحة, هذا الزميل, كان برتبة رقيب وكان بطلا فى لعبة الجرى وكان قد ذهب الى موسكو للمشاركة فى سباق ماراثون بالعاصمة الروسية, وركض صاحبنا جاهدا الى أن كاد يصل الى خط النهاية, وعند الخط اقترب منه واحد من المتفرجين الروس. كان يتكلم الانجليزية وأسر فى اذنه قائلا: * أنا عقيد فى الجيش الروسى وأريد التعرف عليك. بعدها نشأت صداقة بين الطرفين, وبعد عودة الرقيب الانجليزى الى لندن فوجىء بمكالمة من الصديق الروسى تفيد بانه قادم لزيارة انجلترا. ــ انتهت مكالمة الهاتف بسؤال: ريتشارد: هل تريد مقابلة العقيد الروسى انه يعمل فى قوات الصواريخ الاستراتيجية بموسكو؟ * ولم لا ولكن ماغرضه من الزيارة؟ ــ يقول انه يريد رؤية كامبردج واكسفورد ومسقط رأس ويليام شكسبير, لكن أتصور ان غرضه, وأنت سيد العارفين هو الهرب واللجوء الى بريطانيا. نقداً وعداً * وجاء العقيد الروسى الهارب, وأصبح وجوده واعاشته مشكلة لكل الأطراف, فى أوائل عقد التسعينيات كان الضباط الروس الهاربون وطالبو اللجوء الى الغرب أكثر كما يقولون من الهم على القلب. وكان مطلوب أن يحمل الضابط الروسي الهارب فلنقل الخائن لوطنه الروسى, تلالا من الأسرار بل السوبر اسرار بما يسيل له لعاب مخابرات بريطانيا أو أمريكا أو حليفاتها فى غرب أوروبا وبما يتيح للروسى الآبق سبل الاقامة فى بريطانيا. وفى كل حال كان صاحبنا الروسي, واسمه سيماكوف على استعداد للإفضاء بكل مايعرفه عن نظم التسليح الروسى الصاروخية التى سبق تطويرها الى حدود مدهشة فى الحقبة السوفييتية. ماذا كان المقابل؟ لقد حدده سيماكوف قائلا: أريد بيتا له سطح من القش وحديقة حافلة بالزهور التى تحبها زوجتى ومبلغ 100 ألف جنيه استرلينى نقدا وعدا, وأخيرا سيارة ماركة كذا. وعلى الفور اخرج سيماكوف من طيات ثيابه مجلة (أوتوكار) ووضع أصبعه عند صفحة نشرت صورة من (سيارة أحلامه) كما يعبر المؤلف وهى السيارة التى جاءت به هاربا, لاجئا. مرتدا خائنا من روسيا الى الغرب الأوروبى (الى هذ الحد نجحت اغراءات الاعلان المثيرة لشهية الاستهلاك فى تحويل نفوس وضمائر مواطنى الاتحاد السوفييتى وروسيا وربما كل أفراد المنظومة الشيوعية التى كانت فى شرق أوروبا). ــ والحاصل أن مؤلف الكتاب ظل يعمل جاهدا على ابراز أهمية الضابط الروسى, كولونيل الصواريخ المتقدمة الذى وقع بين يديه, ربما كان يريد أن يثبت جدارته كعميل مستجد فى مخابرات بريطانيا العظمى, ربما أراد أن يعوض فشل مشروعه القديم الذى جعله ينشئ وكالة تروفاكس الاخبارية لتكون واجهة موهومة مصطنعة من أجل اصطياد صحافى روسى مطلع الى حد ما على شئون الدفاع, لكن (تروفاكس) اثبتت انها موهومة فعلا فلا اصطادت صحفيا ولا نجحت فى شيء, صحيح انها اغلقت بعد أن تكبدت مخابرات بريطانيا 40 ألف استرلينى, لكن هاهو صاحبنا المؤلف وقد أصبح بين يديه وبصدفة عشوائية ضابط روسى كبير يسيل لعابه الى حياة الغرب, حيث البيت والحديقة والسيارة التى طالما غازلها من الكتالوج لكن ظل السؤال مطروحا؟ إلى أى حد تبلغ أهمية معلومات العقيد سيماكوف؟ وكم كان المؤلف سعيداً حين جاءه الجواب على لسان أحد زملائه المختصين باستجواب العملاء الهاربين الوافدين اللاجئين: نحن ياصديقى وقعنا على كنز ثمين من المعلومات الخطيرة. انه منجم من ذهب بالنسبة لمعلومات نحتاجها نحن وان كان (أصدقاؤنا) الأمريكان يحتاجونها أكثر وأكثر. وسوف نوصى وزارة الخارجية (بحكم اختصاصها) بأن تقبل صديقك سيماكوف بوصفه مرتدا آبقا بحقوق كاملة من حيث امتيازات اللجوء والاقامة فى رعاية صاحبة الجلالة البريطانية. ثم أعطوا الهارب الروسى كوخا أقرب الى الشاليه يعيش فيه مع زوجته وابنته فيما ظلوا يواصلون استجوابه أو بالأدق استنزاف كل مالديه من معلومات الى أن جاء يوم آخر صاح فيه الضابط المختص بالاستجواب مخاطبا صاحبنا مؤلف هذا الكتاب. ريتشارد, مبروك, لقد كسبنا البريمو (الجائزة الكبرى) بهذا الضابط الروسى سيماكوف. *كيف؟ ــ أفادنا لتوه عن موقع قيادة الصواريخ الاستراتيجية الجديدة فى روسيا, هاهى الخريطة, والمخطط والمخابئ فائقة السرية والانفاق المخفية تحت الأرض وفى أعماق جبال الاورال اكتشفنا انها المكافئ الروسى لمجمع نورد الأمريكى السرى فى جبال كولورادو بالولايات المتحدة, سوف أكتب هذه المعلومات الخطيرة فى تقرير فائق السرية, يحمل خمس نجوم ويرفع لعناية رئيس وزراء بريطانيا مباشرة فى داوننج ستريت بعدها بيومين جاء الضابط نفسه الاختصاصي وعلى وجهه امارات فرح ظاهرة يقول: عرفت الآن تقريرى الخطير أن موضوع هذه اللحظات على مكتب الرئيس الأمريكى جورج بوش (يقصد طبعا الرئيس الأب) لكن ريتشارد لدينا مشكلة أرجو أن تساعدنا فى حلها. * هات ماعندك! ــ العقيد سيماكوف كتب مذكرات غاية فى الأهمية فى دفتر صغير حول اختبارات وتجارب الصواريخ الروسية. ــ عظيم. * فما المشكلة؟ المشكلة ان الدفتر فى بيت حماته فى موسكو ولو حصلنا عليه لفتحنا منجما للمعلومات جديدا. * مهم هذا الدفتر الى هذا الحد؟ ــ فيه وصف لمسارات كل صاروخ بالستى تم اطلاقه من قاعدة الصواريخ السوفييتية فى كامشاتكا بين أواخر 1987 وأوائل عام1990. وهذه التفاصيل من شأنها أن تساعد خبراءنا على فهم دقة ترسانة الصواريخ السوفييتية ومداها من حيث مساحات التغطية, والأهم من ذلك اننا سوف نوافى حلفاءنا الأمريكان بتلك المعلومات السرية بما يساعدهم على تحسين دفاعاتهم المضادة للصواريخ, وبهذا ترتفع أسهم دوائر (أم آي 6) فى بورصة المخابرات. * الموضوع مهم اذن ــ وباختصار, يجب علينا أن نعمل على اخراج الدفتر المدرسى اياه من موسكو. أمام الريح الواعرة الاربعاء 11 نوفمبر, 1992 قاعة المرايا, فندق متروبول. فى العاصمة الروسية موسكو. مؤتمر حافل حقق نجاحا مشهودا تحت العنوان التالى. (روسيا الجديدة). قامت بتنظيم المؤتمر جريدة (فاينانشيال تايمز) وحضره عشرات من رجال الأعمال والاستثمار فى أوروبا والعالم كلهم يريدون استكشاف آفاق الربح التى كانت واعرة آنذاك فى روسيا حين تولى مقاليدها (بوريس يلتسين). من هذا السيد الأنيق الذى دلف الى قاعة المؤتمر فى حلة ايطالية قشيبة.؟ لقد سجل اسمه فى دفاتر الفندق: مستر اليكس هنتلى من مؤسسة شرق أوروبا للاستثمار. لمح فى زاوية القاعدة سيداً آخر هو مستر (جاى هويلر), السكرتير التجارى للسفارة البريطانية. لكن سرعان ماتجنب كل منهما الآخر, فالمستر هويلر كان من رجال المخابرات الانجليزية والسيد هنتلى لم يكن سوى صاحبنا, مؤلف الكتاب وقد جاء الى موسكو تحت غطاء رجل أعمال وكانت مهمته, كما أسلفنا, هى اصطياد دفتر واجبات مدرسية متواضع المظهر ولكنه يحوى معلومات أكثر من نفيسة عن احدث الصواريخ السوبر متقدمة التى تناهت الى (روسيا الجديدة) عن الاتحاد السوفييتى الذى أصبح وقتها فى خبر كان, واخواتها. كان عليه أن يستقل حافلة المواصلات العامة. ان استئجار تاكسى يتجه به الى بيت الكولونيل الروسى الهارب كان ينطوى على مخاطرة, فمن يدرى أن تلفت رحلته سائق التاكسى الموسكوفى الذى قد يبلغ الشرطة أن رجلا من الغرب قام بزيارة زيلفوجراد الفقيرة على مشارف موسكو؟ كان (مسلحا) بخطاب بخط يد العقيد سيماكوف الى حماته فى موسكو امضى ساعة أو نحوها فى حمام غرفته بالفندق يعالج الصفحات الأخيرة من مفكرته ويستخدم عطوره الرجالية المصنعة خصيصا فى معامل مخابرات بريطانيا مع الحفاظ على اسماء ماركاتها العالمية, حتى استطاع اظهار الخطاب السرى الذى كان مكتوبا تحت سطح ملاحظاته التى عمد الى تدوينها فى المؤتمر حول احتمالات توظيف أمواله الطائلة (المزعومة طبعا) لدى السيد يلتسين. دق باب الشقة أكثر من مرة الى أن تناهى اليه صوتها من الداخل مشوبا بتوتر: * كتوتام؟ ــ وأجاب بعبارات روسية جهد فى حفظها وتكرارها: (أنا اسمى اليكس وصديق لابنتك وزوجها فى لندن). دلف الى الشقة العتيقة المزدحمة بأثاث عفا عليه الزمن, غافل السيدة العجوز وهى تعد الشاى فى المطبخ وانقض ــ كما تعلم من العقيد (سيماكوف) على صندوق الحياكة ليلتقط بسرعة دفترى تمرينات للتلاميذ, ألقى على محتوياتهما نظرة خاطفة ليتأكد من احتوائهما على رموز وأرقام ورسومات كروكية لا يفهمها أحد اللهم الا اذا كان خبيرا بالمسألة, وسرعان ما اخفاهما فى صندوق كرتونى قدمته الحماة العجوز حاويا ما طلبه صهرها العزيز من جوارب وصور تذكارية وفانلات! صباح اليوم التالى, طلب موعدا لمقابلة السكرتير التجارى للسفارة البريطانية فى موسكو, أليس رجل أعمال ومن حقه أن يعرف من سفارة بلاده المبجلة معلومات عن خطط الاستثمار فى روسيا؟ دارت المقابلة كلها بين السكرتير هويلر (اسم مستعار) ورجل الأعمال هنتلى (مستعار أيضا) حول تفاصيل دقيقة وفنية للغاية لتوظيف أموال البيزنس فى روسيا فالتعليمات كانت تحذر بداهة من أن للحيطان آذانا حتى ولو فى داخل مبنى الملحقية التجارية البريطانية فى قلب موسكو. لكن لأمر ما(نسى) رجل الأعمال الزائر جريدته المفضلة (فاينانشيال تايمز) على طاولة مضيفة السكرتير التجارى, وكان أن عاد المستر هنتلى مؤلفنا الهمام الى فندق متروبول وفى جعبته عدة نشرات واحصاءات حول آفاق الاستثمار فى روسيا, فيما التقط السكرتير التجارى فى براءة ظاهرة الجريدة المنسية, فإذا بها مطوية على دفترين صغيرين من كراسات التلاميذ يحويان أرقاما ورسومات ماأنزل الله بها من سلطان, ولكنها اتخذت طريقها بغير توان لتصل الى أيدى مدير محطة المخابرات البريطانية فى العاصمة الروسية ومنها الى أول حقيبة دبلوماسية من السفارة الى المقر فى لندن التى وصلها مؤلفنا شخصيا فى اليوم التالى وسط حشد من زملائه فى مهنة البيزنس سواء كانوا رجال أعمال أو مغامرين يبحثون عن فرصة ربح فى روسيا الجديدة. اختر اسماً وحكاية! بيد أن روسيا وأوضاعها وآفاق مستقبلها لم تكن هى الهدف الوحيد بالنسبة للمخابرات البريطانية. لقد انهار سور برلين كى يوجد تغيرات جذرية صاعقة فى بعض الأحيان فى أوضاع منطقة شرق أوروبا بأسرها. جاء عام 1992 ليشهد تفكك الشكل الاتحادى لجمهورية يوغسلافيا السابقة: انفصلت كل من سلوفينيا وكرواتيا واعترفت بهما الجماعة الأوروبية دولتين مستقلتين, بقيت يوغسلافيا فى صربيا والجبل الأسود بما فى ذلك مناطق البوسنة والهرسك وفى كل منها جمرات متقدة تحت السطح ينذر أن يكون لها ضرام, كما قال شاعر عربى قديم. هذه الأوضاع المستجدة فى شرق ووسط أوروبا خلقت كما المحنا كيانات سياسية جديدة كل منها أصبح بحاجة الى محطة مخابرات جديدة تجمع المعلومات وتمارس الأنشطة السرية لصالح (إم.آي.6) فى لندن. وعلى الرغم من أن مؤلفنا الشاب لم يكن يجيد اللغة الصربو كرواتية الا ان نجاحاته السابقة مع حداثة عهده بالمخابرات رشحته لكى يوفد الى صربيا ليشارك فى ادارة محطة المخابرات الانجليزية هناك, لاسيما وأن الأحداث مع النصف الأول من التسعينيات كانت تتوالى متلاحقة متكاثفة تنذر بأخطار محدقة وجسيمة. كان السؤال هو: كيف يعمل مخابراتى انجليزى شاب لا يجيد لغة المحطة التى يشتغل فيها؟ وكانت الاجابة النظرية: ان يعمل من خلال حلقات اتصال محلية تتكلم الانجليزية من جهة وتجيد لغة البلاد المحلية من جهة أخرى. ثم جاءت الاجابة العملية من واقع ظروف الميدان وجاءت على لسان موظف المخابرات المخضرم المسئول عن منطقة يوغسلافيا وماحولها فى لندن, قال وكأنه يطمئن مبعوثهم الجديد, مؤلف هذا الكتاب: عندى لك عمل يناسبك. حصلنا على بداية خيط يقودنا الى صحفى صربى اسمه (زوران اوبرا دوفيتش يمكن أن نجنده لحساب مخابراتنا, هو فى منتصف عقد الثلاثينيات, يعمل مراسلا عسكريا لجريدة (فريميه) المستقلة وكثيرا ما يشارك فى برامج الاذاعات المعارضة للحكومة اليوغسلافية, ونحن نحوم حوله منذ فترة, ثم هاك الملف الخاص به. وتسلم صاحبنا ملف (الهدف) (وعلينا أن نتذكر كيف ان مخابرات بريطانيا تضع عينها على الصحفيين بالذات وانها فى هذا تخالف اعرافا كثيرة ومستقرة الى حد ما تقول بأنه لا يجوز استغلال الصحافة لا فى مطبوعاتها ولا فى أفرادها لحساب حرفة التجسس أو الاستخبارات, أو على الأقل هكذا تزعم بعض الأجهزة العالمية مثل المخابرات المركزية الأمريكية وان كنا نتصور أنه التزام موهوم أو زعم لا يستند الى أساس, أهل المخابرات ــ الجواسيس المحترفون يخوضون حرب الدهاء والخداع والتلصص على المعلومات والمراوغة ولا يهمهم فى ذلك أمر الصحفى, عميلا كان أو فريسة المهم ان ملف الصحفى اليوغسلافى (زوران) أصبح فى عهدة الجاسوس الشاب مؤلف الكتاب. وقبل ان يبارح المكتب قال له زميله المخضرم مسئول منطقة وسط وشرق أوروبا: اختر لنفسك اسما كوديا جديدا وحكاية لتغطية هويتك واستعد للسفر الى بلجراد. سوف يتعين عليك أن تسلك اليها طريق البر مرورا ببلد مجاور على حدودها. ليس هناك رحلات طيران مباشرة الى يوغسلافيا, والسبب, كما لعلك تعلم, هو العقوبات التى فرضتها عليها منظمة الأمم المتحدة.